اعتراف أميركي تاريخي بالإبادة الأرمنية
اعتراف أميركي تاريخي بالإبادة الأرمنية

المفارقة في اعتراف الرئيس الأميركي، جو بايدن، بأن المجازر التي تعرض لها الأرمن في 1915 على أيدي قوات السلطنة العثمانية ترقى إلى مستوى "حرب الإبادة"  Genocide بعد تردد أسلافه منذ صياغة هذا المفهوم في 1944، لتفادي إغضاب تركيا، هو أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بسلوكه المتهور والاستفزازي، سهّل على بايدن اتخاذ مثل هذه الخطوة بالغة الأهمية سياسيا ورمزيا. المعارضة التركية الشرسة لأي تصنيف للفظائع التي تعرض لها الأرمن على أنها إبادة جماعية وضعت الولايات المتحدة في موقع محرج عالميا وأخلاقيا بعد أن تخلفت طويلا عن دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، وحتى روسيا في الاعتراف بهذه الحقيقة التي يوافق عليها معظم المؤرخين والباحثين في العالم، بمن فيهم عدد كبير من المثقفين والكتاب والصحافيين الأتراك الذين تعرضوا لانتقادات لاذعة من إردوغان بسبب موقفهم المتعارض مع الرواية التركية الرسمية التي تنفي هذه الحقيقة، بل تحرّم قانونيا الاعتراف بها. الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن، هي الأولى في القرن العشرين وحدثت قبل أكثر من عقدين من المحرقة النازية ضد اليهود. ولكن المفهوم القانوني "للإبادة الجماعية" لم يكن موجودا في 1915.

في سنة 1944 قام محام يهودي من بولندا يدعى رافايل ليمكن، بعد أن فقد العشرات من أفراد عائلته في المحرقة النازية بدراسة هذه الفظائع، وقام بتركيب كلمة  Genocide من كلمتين geno اليونانية التي تعني العرق، وكلمة cide اللاتينية التي تعني الجريمة. والتعريف القانوني لهذا المفهوم يعني القتل الممنهج والمتعمد لفئة من الناس ينتمون إلى أثنية معينة أو فئة ثقافية بهدف القضاء عليها أو على عدد كبير من الذين ينتمون إليها. يوم السبت، نفذ الرئيس بايدن الوعد الذي قطعه في السنة الماضية خلال حملته الانتخابية بالاعتراف بحرب الإبادة ضد الأرمن، حين أصدر البيت الأبيض بيانا باسمه جاء فيه "أن الشعب الأميركي يكرم جميع الأرمن الذين قتلوا في الإبادة الجماعية التي بدأت في مثل هذا اليوم قبل مئة وستة أعوام". وتابع البيان "دعونا نجدد تصميمنا المشترك لمنع حدوث فظائع مماثلة في المستقبل في أي مكان في العالم..."، وهكذا أصبح بايدن أول رئيس ينتهك هذا الصمت الأميركي الرسمي الطويل والمحرج أخلاقيا وسياسيا، ويجازف بإغضاب تركيا، وبوضع العلاقات الأميركية-التركية، المتوترة أصلا، في أسوأ أزمة منذ الغزو التركي لشمال قبرص في صيف 1974 وقرار الكونغرس في 1975 فرض حظر أسلحة ضد تركيا استمر إلى 1978.

وكان بايدن قد أجرى اتصالا هاتفيا يوم الجمعة بالرئيس إردوغان لإعلامه بقراره. وبعد البيان، أصدرت الخارجية التركية بيانا جاء فيه " نرفض ونندد بأقصى لهجة ممكنة بيان رئيس الولايات المتحدة بشأن أحداث 1915... من الواضح أن البيان ليس له قيمة أكاديمية أو قانونية، كما أنه غير مدعوم بالأدلة". وأشار البيان التركي إلى أن قرار بايدن "سوف يفتح جرحا عميقا سوف يقوض ثقتنا وصداقتنا المشتركة، ونحن ندعو الرئيس الأميركي لتصحيح هذا الخطأ الفادح". تاريخيا، المسؤولون الأتراك لا ينفون حدوث مجازر ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، ولكنهم يضعونها في سياق نزاع أهلي مع الأرمن الذين اتهمهم الأتراك بالخيانة والوقوف إلى جانب روسيا في الحرب، ولا يعتبرونها قتلا جماعيا منظما، على الرغم من الأدلة الدامغة مثل الاعتقالات والإعدامات الجماعية لقادة الأرمن وتهجير واقتلاع مئات الآلاف الذين لقوا حتفهم في معسكرات الاعتقال بسبب المرض والجوع أو في المسيرات القسرية لأعداد كبيرة من الأرمن في مناطق معزولة وصحراوية في أناطوليا وسوريا والعراق.

الصمت الأميركي الطويل حول الإبادة الأرمنية يبدو نافرا للغاية، وخاصة حين مراجعة التقارير التي أرسلها الدبلوماسيون والمبشرون الدينيون الأميركيون من مراكزهم في السفارة الأميركية في القسطنطينية ومن القناصل في الأناضول ومناطق أخرى مثل مدينة حلب السورية حول تغطيتهم كشهود عيان للفظائع العثمانية-التركية ضد الأرمن. السفير الاميركي، هنري مورغينتاو، الذي شهد بعض الفظائع ضد الأرمن، أرسل مذكرة إلى الخارجية الأميركية في يوليو 1915 تحدث فيها عن "حملة إبادة عرقية" يتم تنفيذها ضد الأرمن في المناطق التي يسيطر عليها الأتراك. القنصل الأميركي ليزلي دافيز، الذي مّثل بلاده في مقاطعة حربوت، في شرق تركيا التي كان ثلث سكانها من الأرمن وّثق أكثر من غيره من المسؤولين الأميركيين ما اسماه "حكم الإرهاب" في تركيا ومضاعفاته على الأرمن. أرمن المنطقة وفقا للقنصل الأميركي كانوا من المواطنين البارزين، من التجار والأساتذة والأطباء والمحامين، أي تلك الفئة من الأفراد الذين بدأت السلطات التركية بمعاقبتهم في أبريل 1915. 

القنصل دافيز غطى أخبار الاعتقال والتعذيب والترحيل القسري للسكان المحليين إلى مناطق بعيدة قرب الحدود السورية في يوليو 1915. وسرعان ما أدرك دايفز أن كلمة "الترحيل" تعني شيئا مظلما بمثابة حكم الإعدام ضد السكان الأرمن الذين مشوا في مسيرات قسرية عبر الصحراء لمسافة 140 ميلا تحت الشمس الحامية. وكتب دافيز إلى السفير موغينتاو " كلمة المذبحة الشنيعة، هي إنسانية مقارنة بما يحدث" للأرمن. وأضاف "أنا لا أعتقد أنه من الممكن لواحد في المئة أن يبقى على قيد الحياة، وربما حتى واحد في الألف لن يبقى على قيد الحياة". 

القنصل الأميركي في حلب، جيسي ب. جاكسون، كتب للسفير مورغينتاو في القسطنطينية عن آلاف الأرمن الذين اقتلعوا من بيوتهم وتم تهجيرهم "والذين ضاعوا في الصحراء ليموتوا جوعا أو من المرض في الحر القاسي". وفي مقاطعة سيفاس، سارت المبشرة الأميركية، ماري لويز غرافام، مع مجموعة من الأرمن الذين تم تهجيرهم وتحدثت عن السرقات والضرب والإعدامات التي تعرضوا لها . هذا بعض ما وثقه وشاهده دبلوماسيون ومبشّرون أميركيون، ولكن هذه الشهادات والمذكرات لم تقنع المسؤولين في إدارة الرئيس وودرو ويلسون، بالتدخل أو بإدانة الفظائع. 

هذا التأريخ الأميركي للفظائع التي تعرض لها الأرمن، قبل التوصل إلى مصطلح "الإبادة الجماعية" كان يستخدمه لسنوات طويلة أولئك الذين كانوا يدعون مختلف الإدارات الاميركية للاعتراف بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن. في العقود الأخيرة كان رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مثل جورج بوش الابن، وباراك أوباما يتعهدون خلال حملاتهم الانتخابية بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، لكي يعدلوا عن ذلك بعد انتخابهم، بسبب المعارضة القوية لمثل هذا التصنيف من المسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية، ومن أصدقاء تركيا في الكونغرس، والمسؤولين في شركات العلاقات العامة وشركات اللوبي التي كانت تعمل لصالح الحكومة التركية. خلال الحرب الباردة وقبل انهيار الاتحاد السوفياتي كانت تركيا تلعب دورا هاما ومساعدا للولايات المتحدة بصفتها الدولة الوحيدة في حلف الناتو التي كانت لها حدود مشتركة مع الاتحاد السوفياتي، حيث نشرت الولايات المتحدة حوالي خمسين رأسا نوويا في قاعدة إنجرليك التركية الضخمة في شرق البلاد، التي كان يستخدمها حلف الناتو.

ولكن العلاقات الأميركية-التركية التي ورثها الرئيس بايدن من أسلافه تختلف كثيرا ونوعيا عما كانت عليه في الحقبة التي سبقت إردوغان في السلطة، أو حتى في بداية عهده، قبل تحويله تركيا إلى دولة أكثر اوتوقراطية مما كانت عليه قبل انتخابه. سياسات إردوغان الإسلامية في الداخل ودعمه للفئات الإسلامية في المنطقة مثل الإخوان المسلمين في مصر وغيرهم، وتسهيله لدخول آلاف "الجهاديين" والإرهابيين عبر الحدود التركية إلى سوريا، عرضته إلى انتقادات قاسية في الكونغرس والإعلام الأميركي. أيضا تدخل إردوغان العسكري في السنوات الأخيرة ضد الأكراد في العراق وسوريا، وتدخله العسكري في ليبيا، زاد من استياء الأوساط السياسية في واشنطن من الحزبين من سلوكه، خاصة وأن إردوغان هاجم قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد الذين تحالفوا مع واشنطن في قتالهم ضد تنظيم داعش الإرهابي. وأوصل إردوغان العلاقات مع الولايات المتحدة إلى مستويات جديدة من التوتر حين اتهم شخصيات أكاديمية أميركية إضافة إلى الداعية الإسلامي وحليفه القديم فتح الله غولين المقيم في الولايات المتحدة بالضلوع في عملية الانقلاب الفاشل في صيف 2016، والتي عقبها حملة قمع شاملة ضد خصومه السياسيين. ولكن أسوأ خطيئة ارتكبها إردوغان، في أعين المسؤولين في وزارة الدفاع، الذين كانوا يتحفظون على الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، حين اشترى منظومة دفاع صاروخية من روسيا في انتهاك واضح لمبادئ حلف الناتو.

هذا السلوك المتهور والاستفزازي لإردوغان، سهل على منتقديه في مجلسي الكونغرس للتصويت في 2019 على قرار يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن على أيدي السلطات العثمانية في بداية الحرب العالمية الأولى. 

الرئيس بايدن يدرك أن موقفه من حقيقة حرب إبادة الأرمن يحظى بدعم قوي في الكونغرس وفي المجتمع الأميركي، كما يدرك أن تركيا، والأصح حكومة إردوغان لم يعد لها الكثير من الأصدقاء الحقيقيين في الولايات المتحدة وتحديدا في الكونغرس، كما في وزارتي الخارجية والدفاع. بايدن يدرك أيضا أن تركيا اليوم، تحتاج للولايات المتحدة أكثر مما تحتاج إليها الولايات المتحدة. الاقتصاد التركي في حالة تراجع، ويعاني من أعباء تدخلات إردوغان العسكرية. صحيح أن العلاقات التركية-الروسية قد تحسنت في السنوات الأخيرة، ولكن إردوغان لا يستطيع أن يقول للأميركيين إن لديه ورقة روسية يمكن أن تساعده في مأزقه الراهن. إردوغان يمكن أن يندد بحلف الناتو وبالدول الأوروبية وحتى بالولايات المتحدة، ولكن خيار الانسحاب من الناتو شبه مستحيل. ولن يكون من المستغرب أن يذّكر خصوم إردوغان في الداخل رئيسهم أنه هو الذي سهّل على الرئيس بايدن اتخاذ قراره التاريخي بكسر الصمت الأميركي الطويل حول الإبادة الجماعية للأرمن.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.