الأمير حمزة ظهر في آخر مناسبة مع الملك عبدالله الثاني مؤخرا
أزمة الأمير حمزة أثارت جدلا في الأردن وخارجه.

يقول السياسي البريطاني الراحل ونستون تشرشل: "إننا نحاول تشكيل العالم بشكل أسرع مما يمكننا تغيير أنفسنا، ونطبق على الحاضر عادات الماضي". العبارة تضج بالحكمة، والمفارقة أنها من رجل كانت كلمته أساسية وحاسمة قبل مائة عام تقريبا، حين قرر كوزير للمستعمرات البريطانية أن يخرج شرق نهر الأردن من تطبيقات وعد بلفور، ويعطي الأمير الحجازي عبدالله بن الحسين حق تأسيس إمارته "الطموحة" في تلك الجغرافيا.

أتخيل حجم الدهشة التي يمكن أن يحملها الوجه المنتفخ لتشرشل لو عاد للحياة اليوم، واكتشف أن رهانه لا يزال حيا على صيغة دولة تدخل مئويتها الثانية، وإن كان دخولا مرتبكا وشديد الاضطراب.

--

المشاهد في الأردن متسارعة في تتابعها وبوتيرة مريبة تتعمد على ما يبدو إشغال الجميع بالوقت الضائع، وتركيز الاهتمام على أحداث تأكل من بقية جهد الدولة، وتستنزف منها حضورها الباهت يوما بعد يوم.

كانت أزمة الأمير حمزة مع شقيقه الملك، أزمة عائلية لن تخرج عن إطار حدودها "الأسرية" ولن تتخطى كمادة صحفية أكثر من فكرة التشويق والإثارة في صحف تتخصص بتقديم المثير والمشوق، لو كانت الدولة حاضرة بكل مؤسساتها وكامل أهليتها الدستورية، لكن بهذا الحضور الباهت للدولة "ككيان جامع ومؤسسي ودستوري" كانت قصة الأمير أكثر من مناكفة عائلية، امتدت أبعادها في الجوار الإقليمي واهتز لها الجميع وتقدمت الحكومة بنائب رئيس وزرائها كبير الدبلوماسية فيها، وحركة تسلل مفاجئة لكاتب النخبة الشبحية في تبادل المناكفات، التي وصلت إلى مناكفة الملك شخصيا، وانتهت الأزمة "التي لم تنته بعد" إلى قرار شخصي من الملك بالإفراج عن معتقلين والإبقاء على شريف هاشمي وباسم عوض الله، الذي كان رجل الملك المدلل فيما سبق من سنوات، في الحبس تحت التحقيق، وهو إجراء حاول فيه الملك تخفيض القضية كلها من قضية "أمن دولة" إلى أي مستوى أدنى يمكن ضبطه بقرارات منفردة!

لكن كرة الثلج التي تدحرجت أكبر من كل التوقعات، وكمحصلة لتراكم القهر والغضب والفقر وغياب الدولة "بمؤسساتها الدستورية" عن الحضور طوال سنوات، وتوسع صراع مراكز القوى، فإن الأمير "المناكف على ولاية العهد" بطلب غير دستوري، يصبح اليوم رمزا "كربلائيا" له حوزته ومظلوميته التي ملأت الفراغ، لا قوة شرعية فيها لكن السياسة مثل الطبيعة، لا تحب الفراغ ولا تتحمله.

هذا الفراغ "السياسي والاقتصادي والاجتماعي" الذي أدى إليه تلاشي حضور الدستور ودولة القانون بعدالتها التي لا تعرف المحسوبيات، يجعل من كل مطالبة في كل هذا الفراغ بديلا واهما عن الدولة والنظام، وقمع الأجهزة الأمنية التي تعيد تموضع حضورها "الحديدي" بديلا عن كل المؤسسات والدستور وحتى بديلا عن الملك وحكوماته، فتجهض ولادة حزب سياسي "معارض ودستوري" مثل الشراكة والإنقاذ أو مشروع حزب التحالف المدني قبله، مما يضع فكرة الملك نفسها "في أوراقه النقاشية"  في مهب العبث والسخرية.

فراغ يتسع أكثر ويتمدد، فيجمع تحت وطأة الانفعال والغضب، سياسيين وقانونيين وناشطين وحراكيين تحت مظلة معارضة "ضبابية" تحاول لملمة نفسها في تيار يشهر عن نفسه باسم "التغيير"، ويتحدث عن أدبياته وثوابته ذوات منهم من كان في عهد الملك حسين، قائدا للواء الأمن العام " الذي ورثت مهامه قوات الدرك"، ومعارض أكاديمي يحاول ان يؤطر بعقلانية غضب الناس فيتصدى له سياسي أردني من أصول صحفية بخطاب "ملكي أكثر من الملك نفسه" على فضائية ويطالب باعتقاله، بالإضافة إلى حقوقيين وعاملين في الإعلام.

الإشهار كان عن حركة سياسية غير واضحة ولا فكرتها متبلورة، وقد سألت أحد مؤسسيها "الشباب" ممن أثق بحماسهم الصادق ورغبتهم في دولة لا يحدث فيها ذلك كله، فلم أتبين منه إن كان الإشهار عن حزب أو تيار لكنه كان صادقا ومبهرا كفاية ليقول لي وبلطف وتهذيب شديدين أنه شخصيا "عديم الخبرة السياسية في التصريحات"، وهذا كان كافيا لأدين غياب الدولة من جديد، وهي تفلت من يدها فرص تأهيل روح مئويتها الثانية: تلك الأجيال التي ستأتي. (هذا الشاب نفسه سمعت منه قبل ذلك حديثا مسترسلا يطابق تماما ما يطالب فيه الملك في أوراقه النقاشية.. المشكلة كانت ولا تزال أن بين الشاب والملك أجهزة أمنية وسياسيين ثقيلي الظل ونخب انتهازية باقية وتتمدد في كل هذا الفراغ أيضا).

الفراغ كله، الذي يتسع يوميا بغياب الدولة المؤسسية والدستورية، وجدت فيه مظلوميات "أكثر بدائية" مكانا لها وهو ما أوردته الصور واللقطات الحية ساعات فجر الثلاثاء حين خرجت مظاهرة غاضبة أمام باب الديوان الملكي ، ولأول مرة يتم تسجيل صوت إطلاق عيارات نارية في مظاهرة غير مسبوقة أمام الديوان، ولأول مرة يكون هناك هتاف يؤكد فيه الغاضبون أن أرواحهم فداء للأمير حمزة (!)، وكل هذا الغضب المتجمهر أمام مقر عمل الملك "رأس الدولة" بسبب أرواح أزهقت بجريمة قتل مؤسفة في ضواحي عمان، لم يقصد فيها الضحايا أن يقدموا أرواحهم فداء لأحد أصلا.

هي قضية أمنية بحت، قد تجد أبعادا اجتماعية لها بأقصى حدودها، من هنا يصبح توظيف "هتافات فداء الأرواح من أجل الأمير" غير مفهوما إلا في سياقات تثوير العبث.

لكن هذا العبث يستمر فيخرج نائب من نفس منطقة القتلى "وهذا افتراضا مشرع قوانين ورقيب دستوري" بتصريحات يطالب فيها بإعدامات علنية للقاتل "!" وطبعا الضحايا "وهم أبرياء بلا شك" يصبحون "شهداء" في وصف يعكس تراتبية التصعيدات حد الوصول إلى حواف "المقدس".

--

"أين حكومة الملك؟". سؤال دستوري باهت جدا في كرنفال الألوان الفاقعة في المشهد. لكنه سؤال ألح علي أنا كثيرا، وأنا أحاول التفكير بعقل بارد ومن بعيد في كل ما يحدث، سؤال يتمنى العثور على إجابات "دستورية" شافية تعيد صياغة حضور الدولة من جديد لتملأ فراغها الذي اكتظت فيه العشوائيات والأزمات.
وأعود للدستور ومفهوم الدولة الدستورية دوما حين تأخذني الأحداث في متاهاتها، فأضبط نفسي على افتراض ما يجب أن يكون.

أبحث في الأوراق والأرشيف القريب زمنيا، فأجد أن الملك كلف حكومة بشر الخصاونة بإعادة النظر في التشريعات الناظمة للحياة السياسية في الدولة! توجيه الملك حمل إطارا زمنيا أقصاه نهاية العام، والمهمة بدأت افتراضا منذ أربعة شهور.

أفترض أن الملك وقد وجه رئيس حكومته (وهو كما تقول المعطيات، الرئيس الأقرب لعقل الملك)، فإن الحكومة منشغلة فعليا بتلك التشريعات بين خلق وتعديل وصياغة، وحسب مصادر قريبة جدا تواصلت معها فإن فريق الوزراء "الذين لا تظهر أسماؤهم كثيرا في الإعلام"، في ورشة عمل مستمرة لإنجاز مهمة مركبة على أكثر من مستوى، والتباطؤ - كما صرح لي مصدر أثق به- هو في كل مشهد المناكفات الذي تحاول فيه قوى الوضع الراهن إشغال الحكومة فيه بمعارك كثيرة يتم تضخيمها طبعا عبر دكاكين المواقع ذات المرجعيات الأمنية والقادرة على تقديم الإشاعات كأخبار شهية لجموع لا تجد إعلاما رسميا محترما يقدم لها المعلومة، مما يجعل الحكومة مثل "مختل يتحدث مع نفسه امام المرآة".

ما عرفته "ولا أؤكد منه إلا ثقتي بالمصدر" أن الحكومة "فريقها المكلف على الأقل"، تعمل في سياق تعديلات قد تشمل الدستور نفسه، وفي داخل الحكومة توجه مبني على استحداث دوائر واسعة للحوار الوطني تضم الجميع ولا تستثني أحدا (سيكون مدهشا لو صدقت الحكومة بذلك).

هذا الحوار الذي لا يستثني أحدا، حيوي ومهم للدولة بمعناها الشمولي الأوسع، وهو مهم أيضا لترشيح و "فلترة" الضجيج الصوتي والبحث عن حلول حقيقية بعيدا عن لعبة المناكفات وسوق الاسترزاق السياسي.

الحكومة التي تعاني من ضغوط عملية خلق توازنات معقولة في ظرف "جائحي" غير معقول بين حظر "مطلوب كقاعدة طبية وعلمية" وفتح قطاعات اقتصادية "مطلوب شعبيا واقتصاديا" يبدو أنها ستأخذ قرارا بفتح كافة القطاعات بحلول منتصف يونيو المقبل، ويبدأ بفتح تدريجي مرحلي في الأيام القادمة، وحسب مصادر قريبة من رئيس الوزراء، فإن الرجل ربط قراره الحاسم بفتح كلي في الصيف القادم بعملية الحصول على كافة كميات المطاعيم التي تم التعاقد عليها في مواعيدها، وهو ما سيتزامن أيضا مع قرارات اقتصادية هيكلية شاملة وعميقة حسمت أمرها حكومة الخصاونة، منها إجراءات تخفيض جمركي نوعية (لم يستزد مصدري الموثوق بتفاصيل أكثر)، وكذلك تخفيض كلف الطاقة الكهربائية التي قد تشمل رفع الدعم عن بعض الفئات المدعومة. 

وحسب المصدر، فإن الرئيس تحدث مع فريقه الاقتصادي عن قرارات سريعة وفورية وعمل كل ما يلزم من تعديلات وإجراءات تشريعية لتبسيط إجراءات الاستثمار، بالموازاة مع "التصدي للمشاريع العالقة وفكفكتها" وتلك عبارة قالها الرئيس - حسب المصدر الموثوق- لفريقه الوزاري، وهي عبارة تحمل تفسيرات كثيرة قد تصل إلى خوض حرب شرسة مع قوى مصلحية متنفذة، وهو ما يخطر ببالي أنا شخصيا حين أرى وزير المياه الحالي في حكومة بشر الخصاونة يؤكد ما قاله سابقا على قناة المملكة إن عددا من "أبناء العشائر" يسرقون لسنوات ما مقداره 8 ملايين متر مكعب من المياه سنويا، ويحاول الوزير الهروب من ذكر الأسماء التي يؤكد أنها ليست متنفذة (ليست متنفذة ويرتعب من ذكرها الجميع).

ما كشفه الوزير يكشف حجم المفارقة في "الدولة " الأردنية، والتي لو حضرت بكامل مؤسساتها الدستورية والقانونية لكانت أزمة "الأمير حمزة" في حدودها الدستورية المنضبطة، ولكانت قصة سرقة المياه قضية أمن دولة تؤثر على الإقليم كله، خصوصا أن خاصرة الأردن الرخوة هي نقص المياه والتي تجبر العقل السياسي فيه على عقد الصفقات السياسية والمشي بحذر على حبل مشدود.

--

الملك، الذي هو رأس الدولة، ويترأس سلطتها التنفيذية عبر حكوماته، هو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يشمل أيضا "دستوريا" سلطته المطلقة "افتراضا" على الأجهزة الأمنية.

تلك الأجهزة الأمنية التي لا تزال تمارس لعبة المناكفات ضد حكومة الملك، وفي الأزمة الأخيرة كانت هناك قوى أمنية "شبحية" طرفا في الأزمة بين الملك والأمير، وتناكف الملك شخصيا.

لعبة "الدكاكين الإعلامية" وبث الأخبار المسربة "صحيحة أو خاطئة" استطاعت أن تثبت وجودها في الفراغ الإعلامي الهائل في الدولة الأردنية، وهو فراغ كان سببه تراكم التغول الأمني عبر سنوات طويلة لطرد "المهنية" وإحلال التوظيف الإخباري الساذج، وهو ما جعل الإعلام بمعناه الأكبر مهنة من لا مهنة له، وسمح للهواء الذي يملأ الفراغ الموجود بنفخ الفقاعات التي أتقنت فن الإبهار والتشويق في محيط يائس وغاضب ومقهور.

فكرة الدولة كمفهوم مؤسسي غائب، والمواطنة "كحالة تعاقدية مربوطة بحقوق وواجبات ينظمها الدستور" ، قد تكون هي الحل الوحيد للخروج من متاهة الدولة الأردنية على عتبة مئويتها الثانية، وصيانة العرش كمؤسسة دستورية خاضعة للدستور، لا كمكتب توزيع مزايا وسلطات وحصانات ومكارم.

إن أي تشريعات ناظمة للحياة السياسية للدولة الأردنية عليها أن ترسخ من جديد مفاهيم الدولة والدستور والقوانين والمواطنة "التعاقدية" المحترمة، لا المواطنة "الترابية التي تقدس تراب الوطن!". 

وأحب ان أصدق "كأردني مهاجر يحمل حلما بدولة" ما علمته من مقربين بأن هناك ورشة عمل "صامتة" وتعاني معوقات الإشغال بما لا يلزم، لكنها تعمل على تشريعات حقيقية سوف تعمل على إخضاع الوعي الوطني الممسوخ والمشوه لعمليات تأهيل تعيد هذا الوعي الجمعي إلى منطق الدولة العصرية والمؤسساتية.

أتمنى ذلك مدركا أن تراكم الخيبات عند الناس وصل حدا تحتاج فيه "السلطة" في الدولة إلى أطنان كثيرة من الجهد لإثبات حسن النوايا وبعض المصداقية الكافية لبناء جسر التواصل - حتى لو كان جسرا من حبال- مع المواطنين الذين فقدوا كل ثقة بكل شيء حولهم، فتعلقوا بكل الحبال المتدلية.

مشاريع التجسير تلك تتجسد فقط بقرارات حكومية شجاعة تتقدم بنفسها بخطوات واثقة وملموسة نحو الناس ولا تنتظرهم يهتفون ضدها وعلى بابها.

أحب ان أصدق - ولا أستطيع أن أروج لذلك بثقة- أن هناك حكومة تعمل بجدية لإنتاج صيغة توافقية جماعية عبر حوار وطني مدروس لا يستثني أحدا، وصولا إلى دولة مؤسسات وحياة حزبية برلمانية، وتعمل - كما قيل لي- على قانون انتخاب حقيقي منتصف هذا الصيف، يخرج الجميع من عبثية قانون الصوت الواحد إلى قانون أكثر منطقية ومرونة وواقعية، يدفع الناس للسلوك السياسي الصحي لا التوغل والغرق في التفافات بديلة عن المؤسسات سواء في منطق "القبيلة" أو منطق "الأمنوقراطية".

تلك فرصة الملك، والناس الأخيرة لاستعادة الدولة ومؤسساتها في مئوية ثانية بدأت مرتبكة ولديها فرصة لتستعيد ثباتها عبر الدستور والقانون وقص "الأظافر الطويلة" لكل ما هو خارج الدستور والقانون.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.