الأمير حمزة ظهر في آخر مناسبة مع الملك عبدالله الثاني مؤخرا
أزمة الأمير حمزة أثارت جدلا في الأردن وخارجه.

يقول السياسي البريطاني الراحل ونستون تشرشل: "إننا نحاول تشكيل العالم بشكل أسرع مما يمكننا تغيير أنفسنا، ونطبق على الحاضر عادات الماضي". العبارة تضج بالحكمة، والمفارقة أنها من رجل كانت كلمته أساسية وحاسمة قبل مائة عام تقريبا، حين قرر كوزير للمستعمرات البريطانية أن يخرج شرق نهر الأردن من تطبيقات وعد بلفور، ويعطي الأمير الحجازي عبدالله بن الحسين حق تأسيس إمارته "الطموحة" في تلك الجغرافيا.

أتخيل حجم الدهشة التي يمكن أن يحملها الوجه المنتفخ لتشرشل لو عاد للحياة اليوم، واكتشف أن رهانه لا يزال حيا على صيغة دولة تدخل مئويتها الثانية، وإن كان دخولا مرتبكا وشديد الاضطراب.

--

المشاهد في الأردن متسارعة في تتابعها وبوتيرة مريبة تتعمد على ما يبدو إشغال الجميع بالوقت الضائع، وتركيز الاهتمام على أحداث تأكل من بقية جهد الدولة، وتستنزف منها حضورها الباهت يوما بعد يوم.

كانت أزمة الأمير حمزة مع شقيقه الملك، أزمة عائلية لن تخرج عن إطار حدودها "الأسرية" ولن تتخطى كمادة صحفية أكثر من فكرة التشويق والإثارة في صحف تتخصص بتقديم المثير والمشوق، لو كانت الدولة حاضرة بكل مؤسساتها وكامل أهليتها الدستورية، لكن بهذا الحضور الباهت للدولة "ككيان جامع ومؤسسي ودستوري" كانت قصة الأمير أكثر من مناكفة عائلية، امتدت أبعادها في الجوار الإقليمي واهتز لها الجميع وتقدمت الحكومة بنائب رئيس وزرائها كبير الدبلوماسية فيها، وحركة تسلل مفاجئة لكاتب النخبة الشبحية في تبادل المناكفات، التي وصلت إلى مناكفة الملك شخصيا، وانتهت الأزمة "التي لم تنته بعد" إلى قرار شخصي من الملك بالإفراج عن معتقلين والإبقاء على شريف هاشمي وباسم عوض الله، الذي كان رجل الملك المدلل فيما سبق من سنوات، في الحبس تحت التحقيق، وهو إجراء حاول فيه الملك تخفيض القضية كلها من قضية "أمن دولة" إلى أي مستوى أدنى يمكن ضبطه بقرارات منفردة!

لكن كرة الثلج التي تدحرجت أكبر من كل التوقعات، وكمحصلة لتراكم القهر والغضب والفقر وغياب الدولة "بمؤسساتها الدستورية" عن الحضور طوال سنوات، وتوسع صراع مراكز القوى، فإن الأمير "المناكف على ولاية العهد" بطلب غير دستوري، يصبح اليوم رمزا "كربلائيا" له حوزته ومظلوميته التي ملأت الفراغ، لا قوة شرعية فيها لكن السياسة مثل الطبيعة، لا تحب الفراغ ولا تتحمله.

هذا الفراغ "السياسي والاقتصادي والاجتماعي" الذي أدى إليه تلاشي حضور الدستور ودولة القانون بعدالتها التي لا تعرف المحسوبيات، يجعل من كل مطالبة في كل هذا الفراغ بديلا واهما عن الدولة والنظام، وقمع الأجهزة الأمنية التي تعيد تموضع حضورها "الحديدي" بديلا عن كل المؤسسات والدستور وحتى بديلا عن الملك وحكوماته، فتجهض ولادة حزب سياسي "معارض ودستوري" مثل الشراكة والإنقاذ أو مشروع حزب التحالف المدني قبله، مما يضع فكرة الملك نفسها "في أوراقه النقاشية"  في مهب العبث والسخرية.

فراغ يتسع أكثر ويتمدد، فيجمع تحت وطأة الانفعال والغضب، سياسيين وقانونيين وناشطين وحراكيين تحت مظلة معارضة "ضبابية" تحاول لملمة نفسها في تيار يشهر عن نفسه باسم "التغيير"، ويتحدث عن أدبياته وثوابته ذوات منهم من كان في عهد الملك حسين، قائدا للواء الأمن العام " الذي ورثت مهامه قوات الدرك"، ومعارض أكاديمي يحاول ان يؤطر بعقلانية غضب الناس فيتصدى له سياسي أردني من أصول صحفية بخطاب "ملكي أكثر من الملك نفسه" على فضائية ويطالب باعتقاله، بالإضافة إلى حقوقيين وعاملين في الإعلام.

الإشهار كان عن حركة سياسية غير واضحة ولا فكرتها متبلورة، وقد سألت أحد مؤسسيها "الشباب" ممن أثق بحماسهم الصادق ورغبتهم في دولة لا يحدث فيها ذلك كله، فلم أتبين منه إن كان الإشهار عن حزب أو تيار لكنه كان صادقا ومبهرا كفاية ليقول لي وبلطف وتهذيب شديدين أنه شخصيا "عديم الخبرة السياسية في التصريحات"، وهذا كان كافيا لأدين غياب الدولة من جديد، وهي تفلت من يدها فرص تأهيل روح مئويتها الثانية: تلك الأجيال التي ستأتي. (هذا الشاب نفسه سمعت منه قبل ذلك حديثا مسترسلا يطابق تماما ما يطالب فيه الملك في أوراقه النقاشية.. المشكلة كانت ولا تزال أن بين الشاب والملك أجهزة أمنية وسياسيين ثقيلي الظل ونخب انتهازية باقية وتتمدد في كل هذا الفراغ أيضا).

الفراغ كله، الذي يتسع يوميا بغياب الدولة المؤسسية والدستورية، وجدت فيه مظلوميات "أكثر بدائية" مكانا لها وهو ما أوردته الصور واللقطات الحية ساعات فجر الثلاثاء حين خرجت مظاهرة غاضبة أمام باب الديوان الملكي ، ولأول مرة يتم تسجيل صوت إطلاق عيارات نارية في مظاهرة غير مسبوقة أمام الديوان، ولأول مرة يكون هناك هتاف يؤكد فيه الغاضبون أن أرواحهم فداء للأمير حمزة (!)، وكل هذا الغضب المتجمهر أمام مقر عمل الملك "رأس الدولة" بسبب أرواح أزهقت بجريمة قتل مؤسفة في ضواحي عمان، لم يقصد فيها الضحايا أن يقدموا أرواحهم فداء لأحد أصلا.

هي قضية أمنية بحت، قد تجد أبعادا اجتماعية لها بأقصى حدودها، من هنا يصبح توظيف "هتافات فداء الأرواح من أجل الأمير" غير مفهوما إلا في سياقات تثوير العبث.

لكن هذا العبث يستمر فيخرج نائب من نفس منطقة القتلى "وهذا افتراضا مشرع قوانين ورقيب دستوري" بتصريحات يطالب فيها بإعدامات علنية للقاتل "!" وطبعا الضحايا "وهم أبرياء بلا شك" يصبحون "شهداء" في وصف يعكس تراتبية التصعيدات حد الوصول إلى حواف "المقدس".

--

"أين حكومة الملك؟". سؤال دستوري باهت جدا في كرنفال الألوان الفاقعة في المشهد. لكنه سؤال ألح علي أنا كثيرا، وأنا أحاول التفكير بعقل بارد ومن بعيد في كل ما يحدث، سؤال يتمنى العثور على إجابات "دستورية" شافية تعيد صياغة حضور الدولة من جديد لتملأ فراغها الذي اكتظت فيه العشوائيات والأزمات.
وأعود للدستور ومفهوم الدولة الدستورية دوما حين تأخذني الأحداث في متاهاتها، فأضبط نفسي على افتراض ما يجب أن يكون.

أبحث في الأوراق والأرشيف القريب زمنيا، فأجد أن الملك كلف حكومة بشر الخصاونة بإعادة النظر في التشريعات الناظمة للحياة السياسية في الدولة! توجيه الملك حمل إطارا زمنيا أقصاه نهاية العام، والمهمة بدأت افتراضا منذ أربعة شهور.

أفترض أن الملك وقد وجه رئيس حكومته (وهو كما تقول المعطيات، الرئيس الأقرب لعقل الملك)، فإن الحكومة منشغلة فعليا بتلك التشريعات بين خلق وتعديل وصياغة، وحسب مصادر قريبة جدا تواصلت معها فإن فريق الوزراء "الذين لا تظهر أسماؤهم كثيرا في الإعلام"، في ورشة عمل مستمرة لإنجاز مهمة مركبة على أكثر من مستوى، والتباطؤ - كما صرح لي مصدر أثق به- هو في كل مشهد المناكفات الذي تحاول فيه قوى الوضع الراهن إشغال الحكومة فيه بمعارك كثيرة يتم تضخيمها طبعا عبر دكاكين المواقع ذات المرجعيات الأمنية والقادرة على تقديم الإشاعات كأخبار شهية لجموع لا تجد إعلاما رسميا محترما يقدم لها المعلومة، مما يجعل الحكومة مثل "مختل يتحدث مع نفسه امام المرآة".

ما عرفته "ولا أؤكد منه إلا ثقتي بالمصدر" أن الحكومة "فريقها المكلف على الأقل"، تعمل في سياق تعديلات قد تشمل الدستور نفسه، وفي داخل الحكومة توجه مبني على استحداث دوائر واسعة للحوار الوطني تضم الجميع ولا تستثني أحدا (سيكون مدهشا لو صدقت الحكومة بذلك).

هذا الحوار الذي لا يستثني أحدا، حيوي ومهم للدولة بمعناها الشمولي الأوسع، وهو مهم أيضا لترشيح و "فلترة" الضجيج الصوتي والبحث عن حلول حقيقية بعيدا عن لعبة المناكفات وسوق الاسترزاق السياسي.

الحكومة التي تعاني من ضغوط عملية خلق توازنات معقولة في ظرف "جائحي" غير معقول بين حظر "مطلوب كقاعدة طبية وعلمية" وفتح قطاعات اقتصادية "مطلوب شعبيا واقتصاديا" يبدو أنها ستأخذ قرارا بفتح كافة القطاعات بحلول منتصف يونيو المقبل، ويبدأ بفتح تدريجي مرحلي في الأيام القادمة، وحسب مصادر قريبة من رئيس الوزراء، فإن الرجل ربط قراره الحاسم بفتح كلي في الصيف القادم بعملية الحصول على كافة كميات المطاعيم التي تم التعاقد عليها في مواعيدها، وهو ما سيتزامن أيضا مع قرارات اقتصادية هيكلية شاملة وعميقة حسمت أمرها حكومة الخصاونة، منها إجراءات تخفيض جمركي نوعية (لم يستزد مصدري الموثوق بتفاصيل أكثر)، وكذلك تخفيض كلف الطاقة الكهربائية التي قد تشمل رفع الدعم عن بعض الفئات المدعومة. 

وحسب المصدر، فإن الرئيس تحدث مع فريقه الاقتصادي عن قرارات سريعة وفورية وعمل كل ما يلزم من تعديلات وإجراءات تشريعية لتبسيط إجراءات الاستثمار، بالموازاة مع "التصدي للمشاريع العالقة وفكفكتها" وتلك عبارة قالها الرئيس - حسب المصدر الموثوق- لفريقه الوزاري، وهي عبارة تحمل تفسيرات كثيرة قد تصل إلى خوض حرب شرسة مع قوى مصلحية متنفذة، وهو ما يخطر ببالي أنا شخصيا حين أرى وزير المياه الحالي في حكومة بشر الخصاونة يؤكد ما قاله سابقا على قناة المملكة إن عددا من "أبناء العشائر" يسرقون لسنوات ما مقداره 8 ملايين متر مكعب من المياه سنويا، ويحاول الوزير الهروب من ذكر الأسماء التي يؤكد أنها ليست متنفذة (ليست متنفذة ويرتعب من ذكرها الجميع).

ما كشفه الوزير يكشف حجم المفارقة في "الدولة " الأردنية، والتي لو حضرت بكامل مؤسساتها الدستورية والقانونية لكانت أزمة "الأمير حمزة" في حدودها الدستورية المنضبطة، ولكانت قصة سرقة المياه قضية أمن دولة تؤثر على الإقليم كله، خصوصا أن خاصرة الأردن الرخوة هي نقص المياه والتي تجبر العقل السياسي فيه على عقد الصفقات السياسية والمشي بحذر على حبل مشدود.

--

الملك، الذي هو رأس الدولة، ويترأس سلطتها التنفيذية عبر حكوماته، هو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يشمل أيضا "دستوريا" سلطته المطلقة "افتراضا" على الأجهزة الأمنية.

تلك الأجهزة الأمنية التي لا تزال تمارس لعبة المناكفات ضد حكومة الملك، وفي الأزمة الأخيرة كانت هناك قوى أمنية "شبحية" طرفا في الأزمة بين الملك والأمير، وتناكف الملك شخصيا.

لعبة "الدكاكين الإعلامية" وبث الأخبار المسربة "صحيحة أو خاطئة" استطاعت أن تثبت وجودها في الفراغ الإعلامي الهائل في الدولة الأردنية، وهو فراغ كان سببه تراكم التغول الأمني عبر سنوات طويلة لطرد "المهنية" وإحلال التوظيف الإخباري الساذج، وهو ما جعل الإعلام بمعناه الأكبر مهنة من لا مهنة له، وسمح للهواء الذي يملأ الفراغ الموجود بنفخ الفقاعات التي أتقنت فن الإبهار والتشويق في محيط يائس وغاضب ومقهور.

فكرة الدولة كمفهوم مؤسسي غائب، والمواطنة "كحالة تعاقدية مربوطة بحقوق وواجبات ينظمها الدستور" ، قد تكون هي الحل الوحيد للخروج من متاهة الدولة الأردنية على عتبة مئويتها الثانية، وصيانة العرش كمؤسسة دستورية خاضعة للدستور، لا كمكتب توزيع مزايا وسلطات وحصانات ومكارم.

إن أي تشريعات ناظمة للحياة السياسية للدولة الأردنية عليها أن ترسخ من جديد مفاهيم الدولة والدستور والقوانين والمواطنة "التعاقدية" المحترمة، لا المواطنة "الترابية التي تقدس تراب الوطن!". 

وأحب ان أصدق "كأردني مهاجر يحمل حلما بدولة" ما علمته من مقربين بأن هناك ورشة عمل "صامتة" وتعاني معوقات الإشغال بما لا يلزم، لكنها تعمل على تشريعات حقيقية سوف تعمل على إخضاع الوعي الوطني الممسوخ والمشوه لعمليات تأهيل تعيد هذا الوعي الجمعي إلى منطق الدولة العصرية والمؤسساتية.

أتمنى ذلك مدركا أن تراكم الخيبات عند الناس وصل حدا تحتاج فيه "السلطة" في الدولة إلى أطنان كثيرة من الجهد لإثبات حسن النوايا وبعض المصداقية الكافية لبناء جسر التواصل - حتى لو كان جسرا من حبال- مع المواطنين الذين فقدوا كل ثقة بكل شيء حولهم، فتعلقوا بكل الحبال المتدلية.

مشاريع التجسير تلك تتجسد فقط بقرارات حكومية شجاعة تتقدم بنفسها بخطوات واثقة وملموسة نحو الناس ولا تنتظرهم يهتفون ضدها وعلى بابها.

أحب ان أصدق - ولا أستطيع أن أروج لذلك بثقة- أن هناك حكومة تعمل بجدية لإنتاج صيغة توافقية جماعية عبر حوار وطني مدروس لا يستثني أحدا، وصولا إلى دولة مؤسسات وحياة حزبية برلمانية، وتعمل - كما قيل لي- على قانون انتخاب حقيقي منتصف هذا الصيف، يخرج الجميع من عبثية قانون الصوت الواحد إلى قانون أكثر منطقية ومرونة وواقعية، يدفع الناس للسلوك السياسي الصحي لا التوغل والغرق في التفافات بديلة عن المؤسسات سواء في منطق "القبيلة" أو منطق "الأمنوقراطية".

تلك فرصة الملك، والناس الأخيرة لاستعادة الدولة ومؤسساتها في مئوية ثانية بدأت مرتبكة ولديها فرصة لتستعيد ثباتها عبر الدستور والقانون وقص "الأظافر الطويلة" لكل ما هو خارج الدستور والقانون.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.