ملف الصحراء الغربية يعتبر من أقدم النزاعات في أفريقيا
 ملف الصحراء الغربية يعتبر من أقدم النزاعات في أفريقيا

على ما يبدو أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستبقى أسيرة عقلية القبيلة، والانتقال إلى عصر الدولة الحديثة التي تبحث عما يحقق مصلحة وسعادة أبنائها سيبقى أمرا بعيد المنال، ويمكن مشاهدة أحد الأمثلة على هذه العقلية في قضية الصحراء الغربية وكيف يتم تبنّي سياسات كيدية ليس لها من هدف سوى مناكفة "العدوّ" حتى لو كان ذلك على حساب مصالح دول وشعوب المنطقة. 

فلسبب ما أخذت العلاقات الجزائرية المغربية شكل صراع مصطنع مباشرة بعد استقلال الجزائر في ستينات القرن الماضي، ووصل في مرّات عديدة إلى درجة المواجهة العسكرية المباشرة كان أولها عام 1963، حيث استخدم لأول مرة مصطلح حرب الرمال الذي يعني حربا لا يكسب المنتصر فيها أي مجد أو مغانم باستثناء السيطرة على حفنة من الرمال. 

وتكررت منذ ذلك التاريخ المناوشات العسكرية وقطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال الحدود وطرد الرعايا بين البلدين، ورغم أن الذريعة كانت خلافا حول ترسيم الحدود حمّل الطرفان مسؤوليته للاحتلال الفرنسي، ولكن من زاوية أخرى كان صراعا بين أنظمة عسكرية تعتبر نفسها "ثورية" تمثلها الجزائر مدعومة من مصر عبد الناصر والاتحاد السوفييتي وكوبا التي أرسلت جنودا وأسلحة حديثة لدعم حليفها، وأنظمة "رجعية ضمن مفاهيم تلك الأيام" متمثلة بالمغرب مدعوما من فرنسا والولايات المتحدة، ورغم المساعدات العسكرية المباشرة التي تلقتها الجزائر لكن كان هناك دائما تفوق عسكري للمغرب، بينما على المستوى السياسي كان المزاج العالمي ميالا لليسار ومتعاطفا مع الجزائر. 

وعندما اقترب انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، شكّلت الأمم المتحدة بالتعاون مع محكمة العدل الدولية بعثة لدراسة المنطقة وما يريده سكانها توصلت إلى نتيجة أن هناك روابط تاريخية مشتركة بين سكان هذه المنطقة والمغرب وموريتانيا بينما لا توجد لها روابط مع الجزائر، فقررت إسبانيا وضع هذه المنطقة تحت رقابة مشتركة من المغرب وموريتانيا، لذلك ونتيجة أجواء العداء مع المغرب سارعت الجزائر عام 1973 إلى رفع شعار حق تقرير المصير للقبائل التي تسكن هذه الصحراء، وأعلنت قيام جبهة البوليساريو لتحرير الصحراء الغربية. 

وعندما ضمّت المغرب القسم الشمالي من الصحراء عام 1975 اخترعت الجزائر دولة على الورق أسمتها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ليبدأ أحد أطول الصراعات في القارة الإفريقية، رغم أنه من الصعب معرفة الفائدة التي قد تحققها الجزائر من إضافة دويلة صغيرة جديدة إلى منطقة الساحل والصحراء ذات التاريخ الحافل بصراعات القبائل وعدم الاستقرار، والتي من الممكن أن تتحول بسهولة إلى بؤرة جديدة للتطرّف ومركزا للتنظيمات الإرهابية وتجارة البشر والسلاح والمخدرات وطريق جديد للهجرة غير الشرعية. 

وبعد انسحاب موريتانيا من جنوب الصحراء عام 1979، سارع المغرب لضمها مما جعل 80 في المائة من هذه المناطق تحت سيطرة المغرب، والقسم الصغير القليل السكان المتبقي في الشرق كان تحت حكم البوليساريو المدعومة من الجزائر مع وجود قوات حفظ سلام دولية تشرف منذ ثلاثة عقود على وقف إطلاق النار. 

واليوم، إذا كانت أولوية من يبحث عن حل لقضية الصحراء هي مصلحة أبناء هذه المنطقة فمن الممكن مقارنة وضع المغرب الذي يشهد استقرارا ونموا وازدهارا اقتصاديا وارتفاعا متواصلا في دخل الفرد حتى انخفضت فيه نسبة الفقراء من 15.3 في المائة عام 2000 إلى 4.8 في المائة عام 2013، والذي أصبح ثاني مستثمر إفريقي في القارة الإفريقية بعد جنوب إفريقيا والمستثمر الأول في غرب إفريقيا، مع وضع الدول المجاورة وخصوصا مع ظروف الحياة القاسية في مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية، التي تشبه سجن كبير يعيش على وعود لا يمكن تحقيقها بنصر قريب. 

كذلك، أصبح من المستغرب في هذه الأيام فهم موقف الجزائر التي تطالب بحق تقرير المصير لنصف مليون إنسان هم كامل سكان الصحراء الغربية مع أنهم امتداد لمجتمعات جنوب المغرب وشمال موريتانيا، والتي تتجاهل في نفس الوقت مطالبة الطوارق "التماشق" الأمة الأمازيغية التي تقطن الصحراء الكبرى، بما فيها مناطق واسعة جنوب الجزائر بنفس الحق، وكذلك منطقة القبائل في شمال شرق الجزائر التي يطالب بعض المتشددين فيها باستقلال "جمهورية القبائل الديمقراطية" الممتدة على عدة ولايات جزائرية، وعدد سكان هذه المناطق بالملايين، وبغضّ النظر عن واقعية هذه المطالب والتي من الصعب أن تنعكس إيجابيا على حياة أبنائها ولكن يبقى من غير المفهوم أن تطالب حكومة الجزائر بحق تقرير المصير لنصف مليون صحراوي، وترفض هذا الحق للملايين داخل حدودها. 

وقبل بضعة أشهر أعيد تسليط الضوء على هذا الصراع، عندما قامت عناصر من البوليساريو بعرقلة المرور في معبر الكركرات الواصل بين جنوب الصحراء وموريتانيا مما اضطر المغرب لإرسال قوات لتأمين المعبر الذي تنتقل عبره التجارة إلى إفريقيا، وتوتّرت الأوضاع من جديد في المنطقة مما دعا صحيفة جون أفريك الفرنسية لوصف الوضع الحالي بين المغرب والجزائر، "أن حالة العداء بين البلدين ازدادت خلال الفترة الأخيرة والذي من الممكن أن يتحول إلى صراع علني مفتوح ستكون عواقبه وخيمة عليهما لأن التاريخ يثبت أن الدول قد لا تتمكن من التحكم في مستوى التصعيد"، وهذا الكلام صحيح تماما لأن الحكومات نجحت خلال العقود الماضية في خلق حالة عداء لا مبرر لها بين الشعبين. 

ولإنهاء هذا الصراع، تقترح الرباط اليوم إقامة حكم ذاتي في هذه الصحراء تحت السيادة المغربية، وهذا الطرح هو في حقيقته تعبير عن أمر واقع مستمر منذ عقود طويلة، كما يدعمه أن كافة المناطق الخاضعة للسيطرة المغربية والتي يعيش فيها أغلب سكان الصحراء تنعم بالهدوء مما أتاح للمدن والبلدات فرصة للتطور والنمو والازدهار، ففي مدينة العيون وحدها يعيش 40 في المائة من السكان، والتي تبعد ثمانين كلم فقط عن جزر الكناري السياحية التابعة لإسبانيا التي يزورها 15 مليون سائح سنويا، وبإمكان شاطئ العيون على المحيط الأطلسي أن ينافس تلك الجزر سياحيا إذا تأمّن مناخ الاستقرار. 

والناحية الأهم، أن الاعتراف العالمي بمغربية الصحراء يزداد يوما بعد يوم ولا علاقة لذلك بصفقة القرن كما تدّعي بعض وسائل الإعلام، فالموقف الغربي بشكل عام والأميركي والفرنسي تحديدا يتبنّى منذ سنوات موقفا ضمنيا مؤيدا للمغرب في قضية الصحراء، لكن إدارة ترامب نقلت هذا الموقف لاعتراف علني نهاية العام الماضي، ولم تتراجع عن هذا الموقف إدارة بايدن حتى الآن رغم أنها ألغت الكثير من قرارات إدارة ترامب، بما يعني أن الصحراء مازالت بمنظور حكومة الولايات المتحدة الأميركية أرضا مغربية. 

ونتيجة هذه الأجواء، سحبت دول عديدة اعترافها بالبوليساريو، وفي نفس الوقت افتتحت أكثر من عشرين دولة مكاتب قنصلية لها في مدينة العيون، بعد أن تحوّلت البوليساريو إلى ظاهرة إعلامية توظّفها قوى إقليمية في صراعها مع المغرب، فالصحراء الغربية هادئة منذ عقود، باستثناء بعض العمليات الرمزية التي تستهدف مناطق شبه فارغة، وإذا كان الهدف الذي يسعى إليه المجتمع الدولي هو تأمين حياة أفضل لسكان الصحراء فمن الأفضل مناقشة العرض المغربي بالحكم الذاتي بهدوء وموضوعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مشاكل أكبر وأكثر تعقيدا من مسألة الصحراء الغربية هي في طريقها للحل.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.