الأردن - عمّان - الذكرى المئوية لتأسيس الدولة
"يستحق الأردنيون بعد 100 عام على تأسيس دولتهم أن يشاركوا بالحكم، وأن يشعروا أن مواطنتهم ليست منقوصة"

بعد أن قرر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الصفح عن 16 متهما وصفهم بالمُغرر بهم، واعتُبِروا شركاء فيما سميت "قضية الفتنة" المتورط بها الأمير حمزة الأخ غير الشقيق للملك، تزايدت الأسئلة في الشارع عن مصير هذه القضية وتداعياتها. 

خطوة الملك بالعفو والصفح عن الذين جرى اعتقالهم جاءت بعد أن أكد من قبل أن التعامل مع الأمير حمزة سيتم ضمن العائلة الهاشمية، وأنه برعايته. 

بعد سلسة التطورات التي حدثت في الأسابيع الماضية وشغلت الرأي العام المحلي والعالمي، وترافقت مع سيل من التسريبات والإشاعات لم يتبقَ معتقل على خلفية هذه القضية سوى باسم عوض الله، رئيس الديوان الملكي الأسبق، والشريف حسن بن زيد، اللذين لم يُطلق سراحهما، ولم تُعرف الاتهامات الموجهة لهما، ولا يُعرف حتى الآن متى سيحاكما؟ 

سيناريوهات ما قبل المحاكمة، إن تمت، لا تزال مُلتبسة، وتفاصيل "الفتنة" التوصيف الذي اعتمد للقضية لا تزال قيد الجدل في المجتمع، وتخضع للنقد والتشكيك. 

وزير الدولة لشؤون الإعلام، صخر دودين، في حديثه مع CNN بالعربية، اعتبر "قضية الفتنة" تعديا على الدستور، ومحاولة لزعزعة الوضع القائم لم تصل إلى ما يمكن تسميته "انقلابا"، وأكد أنها وُئدت قبل أن يُتاح لها التحول إلى فعل على أرض الواقع. 

الأسئلة التي لا تزال تُناقش في الشارع حتى الآن، وإن لم تُكتب بالصحافة كثيرة، هل ستستمر القضية في محكمة أمن الدولة بعد أن أُخرج منها الأمير؟، ولاحقا أفرج عن غالبية المعتقلين؟، وهل يمكن أن تنحصر "قضية الفتنة" في اتهام باسم عوض الله، والشريف حسن بن زيد؟ 

ما هو التكييف القانوني للاتهامات، ومن هي الشخصيات من خارج البلاد و/أو الجهات أو الدول المتورطة في القضية، وماذا سيقول المتهمون؟، وهل يتحمل الأردن الكلفة السياسية لتوجيه اتهامات خلال المحاكمة لشخصيات أو جهات أو دولا قد تتسبب في حرجها، وتعمق الشرخ معها؟ 

ما هو دور كوشنر، صهر الرئيس الأميركي السابق ترامب، بالأزمة، وما هي تفاصيل توجهاته وخططه لزعزعة الوضع في الأردن؟ 

التداعيات التي خلفتها وكرستها قضية الأمير حمزة تتجاوز الاتهامات والمحاكمة؛ فظلال الأزمة طرحت أسئلة متعلقة بتماسك العائلة الهاشمية، والشرخ الذي خلفته، وآليات ترميم ومعالجة الضرر الذي وقع. 

وهذا الاشتباك العلني داخل العائلة، والفيديوهات والتسجيلات الصوتية المُسرَّبة من الأمير حمزة أتاحت لخصوم النظام ومناوئيه التشكيك بشرعية الحكم، وامتد الأمر إلى عقد مقارنات بين أفراد العائلة في سياق خارج عن الدستور الذي يُكرس شرعية الملك وولي العهد، وإلى إثارة أسئلة عن آليات إدارة الحكم والدولة التي يرون أنها تقادمت. 

"ما العمل للخروج من المأزق؟" لسان حال الدولة، وحتى الآن لا إجابة، ولا خارطة طريق تُطرح على الناس، وتلوذ الحكومة بالصمت، وينسحب الأمر على الديوان الملكي أيضا. 

محاولات الحكومة لشراء الوقت، والذهاب إلى معالجات تخفف من إجراءات الحظر بسبب جائحة كورونا لن تُغير من مزاج الناس المُحتقن، والمطالب بإصلاحات سياسية تتجاوز إعادة إنتاج ذات المنظومة التي تحكم المسار منذ أكثر من ثلاثة عقود في البلاد. 

صحيح أنه لا يوجد اتفاق مجتمعي على تعريف الإصلاح المنشود، لكنهم يدركون أن مؤسسات الدولة كانت في السنوات الماضية تتهرب، وتماطل في إنجاز إصلاحات جذرية تُكرس حالة ديمقراطية. 

إبان الربيع العربي أُنجزت تعديلات دستورية، ولجنة الحوار الوطني، التي شكلها الملك، قدمت مخرجات وتصورات تفصيلية لمواجهة التحديات، وقبل ذلك بسنوات كان هناك جهد مبذول في إنجاز الأجندة الوطنية، وحتى الأوراق النقاشية التي طرحها الملك نفسه لم تَأخذ حيز التنفيذ. 

"الأردن ملكية دستورية" طموح الكثير من المنشغلين بالشأن العام، والمضي في هذا الطريق يقتضي البحث، وانتظار إجابة من النظام والدولة بمؤسساتها المختلفة إن كانوا متفقين على حدود للإصلاح، وإن كانوا يقبلون بدفع كلفة هذا الإصلاح، وإن كانوا مستعدين لتقديم التنازلات المطلوبة لتحقيق ذلك. 

الوصول للملكية الدستورية طريق شاق وصعب إن لم تتوفر الإرادة السياسية، وإن لم تقتنع القوى المسيطرة في الدولة أن هذا هو الطريق الأكثر أمانا لاستقرار الأردن، وزيادة منعته في مواجهة الأخطار. 

المسألة ليست وجهة نظر محسومة، والاختلاف في التوجهات والآراء مُحتمل، والمرفوض التسويف، وانتظار تغير المعادلات والظروف للهروب من الإصلاح، وهو ما كان نهجا معتمدا في السنوات الماضية. 

في ظل هذه الظروف الصعبة والحرجة، مطلوب مبادرة حسن نوايا تُثبت تبني خيار الإصلاح، وربما بعض الخطوات تُعتبر مؤشرا إيجابيا على جدية الدولة، مثل إطلاق سراح كل معتقلي حرية الرأي والتعبير، وإصدار عفو عام عمن صدرت بحقهم أحكاما، وطيّ قضايا إشكالية على غرار قضية نقابة المعلمين التي تتعارض مع الحق في التنظيم النقابي، والمباشرة في خطوات جادة لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تستعيد ولايتها في إدارة الدولة، وتوقف تمدد حكومات الظل. 

البرلمان يتحدث عن حوار وطني، ووزارة الشؤون السياسية والبرلمانية تتأهب لفتح ملف مناقشة قانوني الانتخاب والأحزاب، وعلى ضفاف كل ذلك يتعمق القلق إن كانت الحوارات ستتمخض عن إعادة إنتاج ما تريده الدولة العميقة المسكونة بالهواجس الأمنية؟ 

يستحق الأردنيون بعد 100 عام على تأسيس دولتهم أن يشاركوا بالحكم، وأن يشعروا أن مواطنتهم ليست منقوصة، وحقوقهم ليست قابلة للجدل، وأن العدالة مُصانة، وسيادة القانون مقدمة على أي شيء آخر، وحقهم في التنمية، والتمتع بثروات بلادهم حقيقية وليست حلما بعيد المنال. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.