من مظاهرة سابقة في العاصمة الأردنية احتجاجا على تعنيف النساء ودفاعا عن حقوق المرأة.
من مظاهرة سابقة في العاصمة الأردنية احتجاجا على تعنيف النساء ودفاعا عن حقوق المرأة.

بلّغ الجار الشرطة، لأن جاره في الطابق الخامس يستقبل صديقته في رمضان.. حضرت الشرطة وألقت القبض على الشابين بانتظار الحكم عليهما.

لكن جارة ثالثة لهما، تقيم في العمارة نفسها، تصرخ يوميا بسبب الضرب الذي تتعرض له من طرف زوجها. ومع ذلك، فالجار الأول لا ينزعج ولا يبلغ الشرطة. كما لا يفعل باقي الجيران... 

انزعج مواطن من رؤية مواطن آخر يأكل قطعة فاكهة خلال نهار رمضان، واعتبر أنه لا يحترم مشاعر الصائمين... رغم أن الشخص الذي أكل الفاكهة مصاب بداء السكري، وهو بالتالي يحتاج لتناول بعض الطعام حتى لا يعرض حياته للخطر (للإشارة، فعدد المصابين بداء السكري في المغرب يتجاوز الـ 4 ملايين شخص، بنسبة 12٫5 بالمائة من المواطنين، ممن يشكل صيامهم خطرا على حياتهم). 

لكن المواطن الذي انزعج من رؤية المريض وهو يأكل الفاكهة، لم ينزعج من وجود شخص مشرد يعيش في نفس الشارع الذي يعيش به، ويقتات من الفضلات. ولا من كون نادل المقهى الذي كان يتناول فيه قهوته، يعيش عطالة إجبارية بسبب الإقفال الحالي للمقاهي والمطاعم للتخفيف من انتشار فيروس كورونا.. وبالتالي لا يجد ما يطعم به أسرته الصغيرة! أن تأكل خلال رمضان لأنك مريض أو لأنك لا تريد الصيام يزعج الآخرين أكثر من وجود مئات الأشخاص ممن لا يأكلون... لأنهم لا يتوفرون على قوت يومهم! 

هؤلاء المواطنون أنفسهم لا ينزعجون من مدير مصنع يحرم عماله من الانخراط في الضمان الاجتماعي، ولا من سيدة تهضم حقوق عاملة النظافة في بيتها ولا من جيران يحتقرون حارس العمارة لأنه "مجرد حارس عمارة"..، لكنهم ينزعجون من جار أو زميل أو مجرد شخص عادي لا يصوم أو يربط علاقة عاطفية لا يؤطرها الزواج.

مواطن آخر انزعج بسبب ارتداء زميلته لتنورة قصيرة في رمضان. لكنه لم ينزعج من كون زميلة أخرى لم تحصل على ترقية تستحقها رغم كفاءتها وجديتها في العمل؛ فقط بسبب كونها تزوجت حديثا وأن المدير اعتبر أنها قد تحبل قريبا وتستفيد من إجازة الوضع؛ وبالتالي فيفضل أن يحصل رجل على المنصب الجديد، ليس بالضرورة لأنه أكثر كفاءة بل فقط لأنه، حين تضع زوجته، لا يكون مضطرا لأخذ إجازة مطولة ولا لمتابعة الطفل واحتياجاته (زيارات الطبيب المتكررة في الشهور الأولى، السهر..).

مَدْرسة علقت لائحة على بابها الرئيسي تطلب فيها من التلميذات عدم ارتداء السراويل الضيقة خلال رمضان لكي لا يتسببوا في إفطار زملائهم.. لأن مدير المدرسة يؤمن، هو نفسه، بأن جسد المرأة عورة وأن التحرش مشروع مادامت النساء لا ترتدين الحجاب وأن التحرش بأي فتاة تلبس سروالا ضيقا أو تنورة قصيرة هو بسببها وبسبب ملابسها.  

مواطنون احتجوا على مواقع التواصل بسبب فيلم أو مسلسل "جريء" شاهدوا فيه قبلة أو حضنا.. وهذه أمور لا تستحب مشاهدتها مع العائلة. لكن لا أحد احتج على مشاهد العنف ضد النساء ومشاهد التحقير ومشاهد العنصرية ومشاهد تزويج القاصرات والتزويج بالإكراه.. هذه مشاهد لا تخدش قيم الأسرة. وحده الحب يخدشها (حتى لو كان بين زوجين في الفيلم أو المسلسل)!

حكايات كهذه قد نروي منها العشرات. ستختلف التفاصيل من شخص لآخر، من مدينة لأخرى ومن بلد لآخر.. لكنها جميعها تشترك في بؤس واحد: كثيرون في مجتمعنا يركزون طاقاتهم لمراقبة الآخرين وملابسهم وتدينهم وأجسادهم وصيامهم وصلاتهم.. لكنهم لا ينزعجون من مشاهد الظلم في الواقع.. وفي الدراما.

سلم القيم عندنا تعرض لهزات عنيفة قلبت موازينه. وهذا في الحقيقة ما يفترض أن يزعجنا.. بل وأن يخيفنا!

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.