شحنة من الكبتاغون صادرتها السلطات اليونانية (أرشيف)
تنشط في لبنان عمليات تهريب مادة الكبتاغون إلى دول الجوار.

ليس تاجر الـ"كبتاغون" اللبناني من طينة تاجر المخدرات التقليدي الذي لطالما تعرفنا على ملامحه في سياق تعقبنا ظاهرة زراعة الحشيشة العريقة والتاريخية في لبنان! لتاجر الـ"كبتاغون" صفات تردنا إلى رجل السياسة في لبنان. إلى رجل السياسة الراهن والشريك في منظومة الفساد والارتهان، والمرتبط بحلف الأقليات والمستثمر بسلاح "المقاومة". رجل السياسة الذي ظهرت شركاته في ملفات "بنما" و"بارادايز"، والذي هرب أمواله إلى الخارج بمساعدة من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والمصارف التجارية. 

تاجر الـ"كبتاغون" ابن النصر الذي تحقق في الجرود على "داعش"، وابن "داعش" في نفس الوقت، موكب السيارات التي يتجول فيها لا يمكن تمييزه عن مواكب المسؤولين الرسميين اللبنانيين التي تجوب شوارع بيروت، وليس مصادفة أنه بحسب التحقيقات اشترى إحداها من وزير سابق للداخلية هو الوزير نهاد المشنوق، كما ليس مصادفة أنه ظهر في فيديو إلى جانب نائب حزب الله إبراهيم الموسوي. إنه حسن دقو، وهو يحمل من اسمه الأول ما يحمله نظام الفساد اللبناني من هذا الاسم!

حسن دقو واحد من منظومة الـ"كبتاغون" اللبنانية، وهو ربما ليس أكبر العاملين في قطاع الإنتاج هذا، الذي يبدو أنه القطاع الاقتصادي الوحيد الذي يعمل في لبنان. الرجل يمثل مرحلة "ما بعد نصر الجرود"، ذلك النصر الذي رسم خرافة إنجازات جمهورية ميشال عون وحسن نصرالله. وهو النصر الذي على أساسه تم عقد النصاب السياسي الراهن، وصممت الهندسات المالية لتمويله، وكان الـ"كبتاغون" في صلبها. 

صعد حسن إلى الجرود "المحررة" وأقام فيها إمبراطوريته، وراح يجوب الجبال عابراً الحدود ومستنشقاً هواء "التحرير" ومقيماً مصانع الإنتاج ومشغلاً اليد العاملة اللبنانية والسورية، ومطيحاً بموارد تجار الحشيشة الذين ورثوا الكار عن أجدادهم، إلا أنهم عجزوا عن انتاج تلك الحبة البيضاء والرخيصة الثمن، والمولدة لأرباح هائلة يتشاركها الرجل مع أصدقائه في النظام، ومع صانعي التحرير والنصر المبين على "داعش" وعلى غيرها من الجماعات المتطرفة التي جاءت لتقضي على التنوع وعلى الأقليات.

لا بأس علينا، فشحنة الـ"كبتاغون" التي كشفتها السلطات السعودية الجائرة ليست آخر المطاف، ونحن لم نبلغ بعد قاع الهاوية، ذاك أن السقوط الحر الذي نكابده متواصل، وها نحن نحقق مزيداً من المسافات في جرياننا نحو الهاوية. الرؤساء يقيمون في قصورهم وكأن شيئاً لم يكن. أرسلوا الـ"كبتاغون" إلى جهات الأرض الأربع، ولا بد لإحدى الشحنات أن تصيب هدفها، وأن تبلغ تلك الحبات البيض هدفها إلى رؤوس المتعاطين المساكين الذين ينتظرونها منا، نحن أهل الـ"كبتاغون" ومجتمعه وثقافته.

حسن دقو ليس سوى واحد من مئات. رجل مزدوج الجنسية اللبنانية والسورية، تماماً كما هي حال الطبقة السياسية بأجمعها، تتحدث زوجته في التسجيلات المسربة وكأنها حاكمة بأمرها في القضاء وفي السياسة وفي الهدايا الموزعة على أصحاب المواكب التي تجوب العاصمة. حسن دقو هو امتداد لهذا السياسي ولهذا المصرفي وللوزير السابق والوزير الحالي الذي يصرف الأعمال والذي وقع على وثيقة تصدير شحنة الـ"كبتاغون". 

لا ينطوي هذا الكلام على أي مبالغة. هذا هو الوضع تماماً في جمهورية "ما بعد النصر في الجرود"، وصفقة المخدرات ليست ذروة الفضيحة، فبعد انفجار المرفأ وبعد عملية السطو المعلن على مدخرات الناس، انكشف الوضع على كل الاحتمالات وبذل أهل النظام ماء وجوههم، ولم يعد يفصلنا عنهم الحد الأدنى من الخجل. وفي هذا السياق يأتي الـ"كبتاغون" كمكمل طبيعي لمشهد السياسي مستضيفاً رجل المافيا، ولمشهد "النصر" وقد ظهرت الوظيفة الحقيقية له.

مذهلة قصة حسن دقو لجهة تطابقها مع قصص السياسيين اللبنانيين. قصره الهائل الذي ظهر في الصور التي عرضتها التلفزيونات يشبه قصورهم، ربطة عنقه أيضاً، وصوت زوجته الصادر عن التسجيلات المسربة، أما ذروة الشبه، ففي المساحة "المحررة" التي اختارها لإقامة إمبراطوريته، فهي تماماً المنطقة التي صدرت عنها خرافة "جمهورية ما بعد حرب الجرود".

سيشهد العالم على مزيد من الفضائح. هذا ما تعلمناه من دروس السنوات الفائتة، والعالم اذ سيواصل مراقبتنا مكتوف اليدين، ستشطب وجهه مزيد من الشحنات والصفقات. انفجار المرفأ هز نوافذ لارنكا وكسر زجاجاً هناك، وها هي أثينا تستقبل باخرة محملة بالحشيش، والرياض وصلها الـ"كبتاغنون"، ومصارف سويسرا صارت ملوثة بودائع الفساد اللبناني. العالم لن يواصل صمته حيال السقوط اللبناني، وهو ان فعل ذلك لن يبقى بمنأى عن هذا السقوط، وسيصير جزءاً من المشهد اللبناني، ومن الكابوس اللبناني.
   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.