فرنسا تتعرض منذ فترة لحملة منظمة من جماعات الإسلام السياسي
فرنسا تتعرض منذ فترة لحملة منظمة من جماعات الإسلام السياسي

قيام التونسي جمال غورشيني بقتل الشرطية ستيفاني في بلدة رامبوييه في فرنسا بالسكين وهو يهتف "الله أكبر"، لم يكن حادثا منفردا أو خارج السياق العام، وهو لن يكون الحادث الأخير في الهجمات الإسلامية التي تستهدف الفرنسيين أو المصالح الفرنسية.

الواقع أن فرنسا تتعرض منذ فترة لحملة منظمة من جماعات الإسلام السياسي تهدف إلى شيطنتها والتحريض ضدها، وفي هذه الحملة لا يوفر هؤلاء وسيلة أو أسلوب، من الإعلام إلى المحاضرات إلى الفتوى الدينية إلى المقاطعة.

فإضافة إلى ما شهدناه في باكستان مؤخرا من تظاهرات مناهضة لفرنسا وحملة لطرد السفير الفرنسي، تنشر بالتوازي معها أخبار وتقارير متنوعة في قناة الجزيرة وغيرها من وسائل الإعلام التابعة لجماعات الإسلام السياسي، الهدف منها هو تصوير فرنسا على أنها "الشيطان الأكبر" الذي يكن العداء للإسلام والمسلمين والذي يتآمر لحرف المسلمين عن عقيدتهم والتدخل في حرياتهم والسيطرة على فضائهم الخاص. بل هناك من راح يستخدم التاريخ الاستعماري لفرنسا في الجزائر وغيرها، لضخ شحنات من التعصب والكراهية ضد فرنسا اليوم والتي لا علاقة لها بذلك التاريخ.

ما هو الهدف؟

الهدف هو إجبار فرنسا على التراجع عن الإجراءات التي اتخذتها ضد جماعات الإسلام السياسي، سواء تعلق الأمر بقانون الانفصالية الإسلامية أو قانون الحجاب أو تنظيم الأئمة.

هناك شعور في أوساط جماعات الإسلام السياسي بأن فرنسا ذهبت بعيدا في مواجهتها لهذا التيار وبصورة تسعى فيه على ما يبدو إلى وضع حد لوجوده ونشاطه ليس فحسب في فرنسا وإنما في القارة الأوروبية كلها.

لذلك فإن التحدي لا يشمل فرنسا وحدها، فإذا نجحت هذه الأخيرة في إجراءاتها ضد الإسلام السياسي فليس هناك ما يمنع من استنساخ هذا النموذج أو استلهامه في القارة الأوروبية، سواء في ألمانيا، أو الدانمارك، أو هولندا، أو بلجيكا، أو غيرها.

هذا هو التحدي الأكبر الذي تدرك جماعات الإسلام السياسي أنها تواجهه. لذلك فهي تشن حملتها المكثفة ضد الحكومة الفرنسية بغية الضغط عليها للتراجع عن هذه الإجراءات والرضوخ لمطالب تلك الجماعات.

ويبدو أن السلطات الفرنسية واعية تماما لهذا الأمر، لذلك كان رد الفعل الأولي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مقتل الشرطية أنه قال "في المعركة ضد الإرهاب الإسلامي، لن نتنازل عن شيء".

وماكرون يدرك، كما يدرك أعضاء حكومته، بأن المعركة مع هذه الجماعات وفكرها، هي معركة كان يتعين خوضها منذ سنوات طويلة، ولم يفعل التأجيل والتراخي سوى مفاقمة الوضع واتساع نفوذ الإسلام السياسي وزيادة تغلغله في أوساط المسلمين الفرنسيين.

لذلك من المتوقع أن نشهد في القادم من الأيام المزيد من الإجراءات الهادفة إلى مواجهة هذه الجماعات، فكريا وقانونيا وأمنيا، وصولا إلى حظرها في نهاية المطاف.

ولست أشك في أن الكثير من العرب والمسلمين في أوروبا نفسها وفي المنطقة عموما يشعرون هم أيضا بالارتياح لما تقوم به الحكومة الفرنسية من إجراءات ضد جماعات الإسلام السياسي، لأن هذه الجماعات خربت مجتمعاتهم وبلدانهم وشوهت الإنسان فيها.

وطوال سنوات كان هناك تساؤل يحير الكثيرين وهو كيف يمكن للمجتمعات الأوروبية أن تتسامح مع وجود جماعات لا تزال تتبنى وتنادي بأفكار ظلامية، وتقسم البشر على أساس الدين والمجتمعات إلى دار كفر ودار إيمان. الخ، جماعات لا تعترف بالإنسان المواطن وحقوقه وحريته في اختيار نمط عيشه واختيار دينه أو الخروج منه، ولا تقيم وزنا للقوانين والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

بالطبع هناك من حاول ويحاول تصوير ما يجري في فرنسا أو غيرها على أنه نقاش ديني، وهذا مجرد تضليل وتدليس. فالنقاش ليس في الدين وليس حول فائدة وجوده من عدمه، ولكن النقاش هو حول الخطورة التي يمثلها تحويل الإسلام، أو أي دين آخر، من إيمان فردي خاص بالإنسان وما يعتقده، إلى عقيدة أيديولوجية مطلقة تحض أتباعها على العنف ونشر الكراهية، والسيطرة على المجتمعات، وقمع الحريات، وإرهاب المخالفين، باسم الدين وباسم الخالق، وهذا ما تسعى إليه بوضوح جماعات الإسلام السياسي على اختلاف أنواعها.

لذلك فالنقاش هو ليس حول الإسلام نفسه وكيف ينبغي أن يمارس المسلمون إيمانهم، فهم يفعلون ذلك بكل حرية، في بيوتهم وفي مساجدهم (في فرنسا يوجد حوالي 2500 مسجد ومصلى)، لكنه حول أمن الإنسان وحريته وحقوقه.

ولذلك من المفروض أن تقف الدول الأوروبية وغيرها من الدول المتحضرة مع فرنسا في مواجهة جماعات الإسلام السياسي، ورفض الحملة التي تشن لشيطنتها.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.