لكن أولاد أغلب الأحياء الشعبية في المدن الكبرى تحدوا القرار
لكن أولاد أغلب الأحياء الشعبية في المدن الكبرى تحدوا القرار

تميز الشهر المنصرم في المغرب بأحداث مكثفة ومتلاحقة. فبحلول رمضان في الأسبوع الثاني من أبريل 2021، تمت العودة للعمل بالساعة العادية المتطابقة مع توقيت غرينتش. وسماها بلاغ رسمي بـ: "الرجوع إلى الساعة القانونية للمملكة"، ما جعل بعض الساخرين يعلقون أن الحكومة كانت "تعمل خارج القانون، وبأن القرارات التي صدرت عنها خلال الفترة السابقة هي قرارات لاقانونية". وينتظر بعد انقضاء شهر رمضان العودة إلى إضافة ستين (60) دقيقة إلى الساعة القانونية، في 16 ماي 2021.

الحظر الليلي: بالموازاة مع ذلك، تم تأكيد استمرار حالة الحجر الصحي في رمضان، حيث أقرت الحكومة بدء حظر التجول انطلاقا من الساعة الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا. في "سياق تعزيز التدابير الوقائية المتخذة للحفاظ على صحة المواطنات والمواطنين، وأخذا بعين الاعتبار الحركية الواسعة التي يعرفها النسيج المجتمعي المغربي خلال شهر رمضان"، وبهدف الحد من انتشار جائحة كورونا واتقاء لهجوم السلالة البريطانية والتي وصلت إلى عدة جهات من المغرب.

ويتزامن بدء الحظر الليلي مع موعد الإفطار، حيث يجد المغاربة أنفسهم محرومين من السهرات العائلية والخرجات الليلية وتبادل الزيارات التي تتميز بها عادة ليالي رمضان.

لكن أولاد أغلب الأحياء الشعبية في المدن الكبرى تحدوا القرار، ولم تجد السلطات رغم نشرها لقوات الأمن بالشوارع والأحياء، بدا من غض الطرف بشكل ما. لكن تقارير أمنية ذكرت أنه تم توقيف وتغريم عدد من المخالفين لقرار الحظر.

التراويح والتكفيريون: وطبعا، كان لإلغاء الصلوات الجماعية، المعروفة باسم "صلوات التراويح" الرمضانية، للعام الثاني على التوالي بسبب جائحة كورونا، تداعيات وردود أفعال، أخطرها تكفير جماعات للدولة المغربية واتهامها بمحاربة الإسلام. وهي اتهامات صادرة عن جماعات سلفية في بعض المدن، مثل مراكش وفاس. إذ حرض متطرفون مجموعات من البسطاء، وآخرين من صغار السن، للخروج في مسيرات احتجاجية للمطالبة بإقامة صلوات التراويح. بل إن الشد والجذب وصل إلى تحدي المنع، عندما تجمع بعض المصلين بإحدى الساحات في مدينة طنجة، بغاية خرق الحظر الليلي وأداء صلوات التراويح، لكن تدخل قوى الأمن أدى إلى تفريقهم واعتقال أفراد منهم ممن تزعموا المواجهة الاحتجاجية ضد قوات الأمن. واتضح لاحقا أن الموقوفين ينتمون لجماعة "العدل والإحسان" الإسلامية غير المعترف بها قانونيا. وسيتكرر المشهد أيضا في مدن أخرى، مثل وزان وفاس وسطات وأسفي. ووجدت القيادة الإسلامية لحزب العدالة والتنمية (الذي يتزعم التحالف الحكومي) نفسها في وضع دفع اتهام التواطؤ والمشاركة في استهداف دين الشعب، وكان الرد هو أنه في جائحة مثل كورونا يكون "حفظ النفس مُقدَّم على حفظ الدين". وسط جدل فقهي حول صلاة التراويح، هل هي سنة مؤكدة أم مجرد بدعة عرفت بعد وفاة الرسول؟ 

وضمن سلسلة قرارات الإلغاء أعلنت الحكومة للعام الثاني منع الاحتفالات العمالية والمسيرات بمناسبة الفاتح من ماي هذا العام أيضا، للسبب ذاته.

إفلاس قطاع المقاهي: ثم ما لبث أن انتشرت شائعة أن الحكومة ستتراجع لتبيح أداء صلوات التراويح، ما دفع الجهات المعنية إلى إصدار بيان تكذيبي، منبهة على المواطنين عدم الانسياق مع الأخبار التي لا تصدر عن جهة رسمية. ومن المعلوم أن المغرب يطبق منذ شهر مارس 2020 فرض حالة طوارئ صحية مقرونة بمجموعة من التدابير الاحترازية. ومن ضمنها إغلاق الحدود الجوية مع حوالي 50 بلدا، وإغلاق المقاهي والمطاعم في تمام الساعة الثامنة ليلا. وهو قرار كان من ضحاياه أصحاب المقاهي والمطاعم والعاملون بها. في بيانات للنقابات والهيئات المنظمة للقطاع حذرت أن القطاع بات مهددا بالإفلاس. لكن أخبارا ترددت بأن الحكومة ستقدم دعما وتعويضات للعاملين بقطاع المطاعم والمقاهي، وأن وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي وعدت ممثلي هذا القطاع بتقديم دعم للمهنيين من أجل تخفيف تبعات قرار الإغلاق ليلا في شهر رمضان، وللتقليص من الخسائر المنتظرة. لكن التعليقات تقول بأن نسبة جد عالية من هؤلاء غير مصرح بها لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وبالتالي فلا تعويض... ولكن فقط هناك من يحزنون. 

استمرار تدهور الوضع الحقوقي: في هذه الأجواء المترنحة يستمر تأزم الوضع الحقوقي، ويستمر الاعتقال الاحتياطي من دون محاكمة للصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، وهما اليوم يخوضان إضرابا عن الطعام منذ ثلاثة أسابيع وسط تضامن حقوقي وطني ودولي، وانشغال متزايد حول الوضع الصحي للصحفيين المعتقلين. 

ثم انتفض الوسط الحقوقي بعد خروج الكاتب سعيد ناشيد بتدوينة يخبر فيها بأن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، (وهو الآن رئيس حزب العدالة والتنمية "الإسلامي")، وقع قرارا بالتشطيب عليه من أسلاك الوظيفة العمومية. ووصف هذا القرار بـ"الانتقامي"، كون سعيد ناشيد مناهض صريح لحركات الإسلام السياسي، ومن بينها حزب العدالة والتنمية في المغرب.

وجاء نهار الأربعاء 28 أبريل 2021 خبر إطلاق سراح أحد قادة حراك الريف (ربيع الأبلق) ومتابعته في حالة سراح. وربيع الأبلق من المعتقلين على خلفية حراك الريف الذي تزعمه ناصر الزفزافي، ويقضي حاليا عقوبة سجنية تصل إلى 20 سنة، وقد أعلن الزفزافي الأسبوع الماضي من زنزانته قرار تخليه عن قيادة الحراك. ما فسره البعض بمقدمة لحلحلة قضية معتقلي حراك الريف وإطلاق سراحهم. 

فاجعة كبيرة بمدينة صغيرة: وجاءت فاجعة "الفنيدق"، وهي مدينة صغيرة قرب مدينة تطوان شمال البلاد، عندما تجمع عشرات من شبابها ممن يعانون الفقر والحاجة، وأمام أنظار السلطات المحلية التي بقيت تتفرج على مشهد هجرة جماعية، حيث ألقى الشباب بأنفسهم وسط لجة الأمواج، عازمين على التسلل بحرا للعبور إلى مدينة سبتة المحتلة من طرف الاسبان. وانتقد الكثيرون سلبية السلطات التي لم تقم بأية مبادرة لإنقاذ أولئك الشباب اليائسين، وكانت النتيجة غرق البعض منهم.

المساعدة الرمضانية والقفة اليهودية: منذ سنة 1998، مع كل رمضان تقوم الدولة، عبر "مؤسسة محمد الخامس للتضامن"، بتوزيع ما يسمى بـ"قفة رمضان"، وتستفيد منها فئات معوزة، في إطار ما يسمى بـ"عملية الدعم الغذائي في رمضان المخصصة للتخفيف من العبء المالي الذي يرهق كاهل الأسر الفقيرة". وهي مبادرة إحسانية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، ولاسيما الأرامل والمسنين بدون عائلة وذوي الإعاقة.

لكن القيام بالتسويق الإعلامي "التشهيري" للمبادرة عبر تصوير المستفيدين من القفة الرمضانية وهم يتسلمون المساعدة الغذائية من مسؤولي السلطة الحكوميين أو المحليين، اعتبره مدونون في مواقع التواصل الاجتماعي أمرا "مهينا ومذلا للغاية للفقراء".

إلا أنه هذا العام اقترنت القفة بما سمي بفضيحة مؤسسة "الجود" التي تورط فيها حزب التجمع الوطني للأحرار، ويرأسه حاليا الملياردير عزيز أخنوش، وهو في نفس الوقت الوزير المكلف بقطاعات الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. وجاءت الانتقادات من أحزاب يعتبر بعضها حليفا لحزب التجمع الوطني للأحرار، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومن حزب الأصالة والمعاصرة، كما أتت الانتقادات الحادة من حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية. وكلها أجمعت على اتهام حزب أخنوش، الذي يتخذ من طائر الحمامة رمزا له، أنه يخوض حملة انتخابية سابقة لأوانها، "مستغلا الفقراء بطرق لا أخلاقية وماسة بالكرامة"، حيث يتم تسجيل كل مستفيد من قفة حزب "الحمامة" كعضو منخرط في الحزب. وقد نعت ذلك بـ"التوظيف السياسوي لمبدأ التضامن النبيل"، و"باستغلال لفقر وضعف عدد من الأسر المغربية".

إلا أن الإثارة الأكبر هذا العام تمثلت في "القفة اليهودية"، وأشرف على توزيعها مسؤولون من الطائفة اليهودية، واعتبرها الكثيرون إذلالا وإهانة للمغاربة المسلمين، ونظر إليها آخرون باستنكار أشد، وسجلوها ضمن نتائج مسلسل التطبيع مع إسرائيل، إذ تم توزيع أذونات إلى محتاجين تلقوا مساعدات غذائية من مسؤولي الطائفة الذين ظهروا وهم يعتمرون القلنسوة الدينية، وغالبا داخل معابد لليهود، وتحت حراسة وأنظار السلطات الأمنية والترابية للمناطق التي شهدت العملية، مثل الدار البيضاء وفاس وطنجة ووجدة.

التسول المتعدد الجنسيات: يعرف شهر رمضان تزايدا في عدد المتسولين، وقد عادت ظاهرة انتشار اللاجئين السوريين في الشوارع بشكل كبير، وهم مصحوبين بنسائهم وأطفالهم الصغار، حاملين صور جوازاتهم السورية. وقد أضيفوا إلى المتسولين الأفارقة، وهم يضايقون المتسولين المحليين. وأفادت بعض الأبحاث الأكاديمية والتحقيقات الميدانية أن ما يزيد عن سبعمائة ألف متسول يجوبون شوارع البلاد. ويستغل الأطفال في هذه الظاهرة التي تحولت إلى حرفة يكسب منها أصحابها مبالغ يندهش لها السامع، ما جعل بعض الجمعيات تنخرط في حملات تحسيسية للحد من ظاهرة استغلال الأطفال في التسول وتجريمه ضمن جرائم الاتجار بالبشر، وذلك عبر بث فيديوهات ووصلات توعية، بعضها ظهرت فيها وجوه فنية وإعلامية مغربية معروفة.

مسلسل الرداءة التلفزيونية: كما استمر بث ما يسميه المغاربة بـ"الحموضة" التلفزيونية والانحطاط الدرامي على القنوات المغربية، التي يتم انتقادها بشدة أكبر في كل رمضان، لكن يبدو أن المسؤولين على قطاع الإعلام الرسمي لا يأبهون بتلك الانتقادات، بل يصرون على تكرارها كل عام، مثل برامج الكاميرا الخفية و"السيتكومات" الهزيلة والبئيسة، التي يُقْصَف بها المشاهدون ساعة الإفطار، مرفوقة بوابل من الإعلانات الإشهارية الممجوجة، التي يفتقر أغلبها إلى الخيال والإبداع وإلى الصنعة المهنية. وقد انتفضت بعض هيئات المحامين وقدمت دعوى استعجالية لإيقاف بث سلسلة تلفزيونية رأى فيها محامون أنها "تمس بكرامة مهنتهم وشرفها".

الانتصار للحياة: بالموازاة أعلنت المصالح الصحية المكلفة بمكافحة الوباء أن عدد الملقحين تجاوز المليون ونصف، كما بدأت عملية تطعيم الفئة العمرية 55 – 60، بعد وصول اللقاح الصيني. وكان للأزمة الوبائية أثر عميق على انكماش اقتصاد البلاد، كما أن قطاع السياحة الذي يعد من ركائز الاقتصاد المغربي عرف تدهورا قياسيا بسبب تداعيات كورونا.

تلك كانت عناوين سريعة لواقع مغربي مرير خلال شهر، واقع يقف على الشفير، بتوصيف يحتمل كل نعوت وألوان الغبن ومرادفات التراجع. ألجمت الجائحة جموحه من أجل الانفلات والتغيير وزادت من جراحاته وانكساراته.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.