غياب سيادة الدولة وفاعليتها في العراق، لا يرتبط فقط بالإرادات الخارجية واختراقها لكيان الدولة
غياب سيادة الدولة وفاعليتها في العراق، لا يرتبط فقط بالإرادات الخارجية واختراقها لكيان الدولة

في عشرينيات القرن الماضي، كتب كارل شميت، المفكر السياسي والفقيه القانوني الألماني، كتابا بعنوان "اللاهوت السياسي" وصف فيه السيادة كمفهوم نظري مجرد، والنقاش يجب أن يكون محصورا حول التطبيق الفعلي للسيادة، وهذا يعني من يقرر في حالة النزاع ما الذي يشكل المصلحة العامة أو مصلحة الدولة، والسلامة العامة والنظام. ومن هنا، يحدد شميت وصف الحاكم السيادي، بأنه: "هو الذي يقرر في الحالات الاستثنائية"، و"الاستثناء ينبغي أن يفهم على أنه يعود إلى المفهوم العام في نظرية الدولة، وليس إلى مجرد مكون نظري يطبق على أي مرسوم طارئ".

ويصف كارل شميت "حالة الاستثناء" بأنها حالة مهلكة شديدة أو أنها تشكل خطرا على وجود الدولة، أو ما شابه ذلك، لكن لا يمكن تحديدها فعليا أو جعلها تتوافق مع قانون معد مسبقا. وإن حالة الاستثناء هي شيء مختلف دوما عن اللاسلطة والفوضى، وعلى المستوى القانوني، ثمة نظام كائن بداخلها حتى وإن لم يكن نظاما قانونيا".

أما الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين، انطلق من أفكار كارل شميت ومساجلة فكرة السيادة وحدودها في كتاب حمل عنوان "حالة الاستثناء"، محاولا استكشاف تلك المساحة المهجورة الواقعة بين القانون العام والشأن السياسي، وبين النظام القانوني والحياة. وتتخذ حالة الاستثناء شكلا قانونيا لما لا يمكن أن يكون قانونيا.

ويعتقد أغامبين أن "حالة الاستثناء" تميل على نحو متزايد لطرح نفسها كنموذج مهيمن للحكم في السياسة المعاصرة، ويهدد هذا التحول من إجراء مؤقت واستثنائي إلى أسلوب للحكم بإحداث تحول جذري آخر. بل إن "حالة الاستثناء" تبدو وكأنها العتبة التي يبدأ عندها انعدام التمايز بين الديمقراطية والاستبداد، والقاعدة العامة تقول: بأن الضرورة تفرض قانونها.

والضرورة في حالة الاستثناء تمنح السلطة التنفيذية حق إصدار مراسيم لها قوة القانون، ووفقا لهذا المفهوم، من المفترض أن تؤدي "حالة الاستثناء" إلى العودة إلى الدولة الأصلية ذات السلطات المطلقة.

وباعتباري مواطن عراقي يعيش في بلد يفتقد لمعنى السيادة وتطبيقاتها على أرض الواقع، أجد نفسي مغرما بهذه المقاربات النظرية والإطار العام لاستعادتها وتطبيقها من خلال "حالة الاستثناء". لكني أدرك جيدا أن حالة الاستثناء تحتاج رجالات دولة استثنائيين وليس من أتت بهم الصدفة والتبعية لدولة أخرى إلى المناصب السيادية العليا بالدولة.

أكثر مفهوم يعاني من الإرباك والضبابية في خطاب الفرقاء السياسيين هو "سيادة الدولة"، فالسيادة بدلا من أن تكون للدولة وتعلو بها على جميع الهيئات الاجتماعية، ويكون لها حق إجبار هذه الهيئات على طاعتها دون أن تجبر هي على شيء، في العراق باتت محصورة بأسياد الطبقة السياسية الذين يتسيدون على العراق وموارده وشعبه.

وإذا كان أساس سيادة الدولة ما هو إلا السلطة المطلقة لاستخدام القوات المسلحة للدولة لفرض الطاعة لإرادتها، فمظهر السيادة هذا غير موجود على أرض الواقع، فالجماعات المسلحة التي تعتبر نفسها أعلى من الدولة تصول وتجول من شمال العراق إلى جنوبه.

غياب سيادة الدولة وفاعليتها في العراق، لا يرتبط فقط بالإرادات الخارجية واختراقها لكيان الدولة، بل هو تهديد داخلي من القوى الموازية للدولة، وقوى اللادولة التي تعمل على إلغاء كل ثوابت السيادة وقوانينها، وتريد أن تحل محل الدولة بفرض إراداتها على المجتمع والنظام السياسي من خلال سيطرتها على مؤسسات الحكم، ومن ثم فإن هذه القوى هي كعب أخيل في جسد سيادة الدولة العراقية الذي تنفذ من خلاله التدخلات الخارجية التي تلغي سيادة الدولة.

وبعض من يقدمون أنفسهم زعماء سياسيين، لم يصلوا لسدة الحكم بسبب التقادم بالممارسة السياسية، وحصولهم على الرمزية السياسية، ولم يكن ذلك من خلال تاريخهم في العمل السياسي، وإنما جاء بفضل الإرادات الخارجية. ومن ثم ليس مستغربا عدم وجود إدراك لمفهوم السيادة وتطبيقاتها في تفكيرهم أو سلوكهم السياسي، لأنهم باختصار ليسوا رجالات دولة.

فمن يرهن القرارات السيادية لبلده لإرادات دول أخرى ويجعل لمصلحتها أولوية على مصالح بلده بالتأكيد لا يستشعر ماذا تعني السيادة، وأثر غيابها على ثقة المواطنين بالدولة.

وكأنما تشترط الطبقة السياسية على من يصل إلى سدة الحكم بأن يتنازل عن سيادة الدولة، بدلا من الالتزام باليمين الدستوري بالحفاظ على سيادة العراق، ولذلك نجد أن المافيات السياسية وقوى اللادولة تتصرف باعتبارها صاحبة السيادة، وليس الدولة، وهذه المفارقة قد تكون سمة تتميز بها الدولة الهشة، كما هي حالة العراق، ومن ثم بدلا من أن تكون حالة الاستثناء من الاختصاصات السيادية الحصرية للحكومة باعتبارها ممثلة عن الدولة، تنازلت عنها الحكومات المتعاقبة لصالح قوى اللادولة لتتيح إمكانية التصفية لشرائح كاملة من المواطنين باعتبارهم قوى ممانعة لمشروع الهيمنة على المجال العام.

لا أراهن على الحكومة الحالية في أن تستخدم حالة الاستثناء، لأنه من غير المنطقي أن نطالبها بذلك، وهي تعطل قدراتها العسكرية والأمنية في إيقاف الهجمات على البعثات الدبلوماسية، وخياراتها في مواجهة هذه المشكلة الذهاب لدولة جارة والتوسط لديها لإقناع أذرعها بتجميد، على وصف وزير الخارجية فؤاد حسين، استهداف مقرات البعثات وليس وضع حد لها، وتريد أن تعتبر ذلك منجزا لها بحفظ السيادة.

حالة الاستثناء، هي الفرصة الوحيدة لوضع حد لكل معالم الفوضى التي ترسخت في العراق بعد تكريس ممارسات إلغاء الدولة وتراجع الحكومات عن القيام بالوظائف والمهام الرئيسة للدولة لصالح القوى الموازية التي لا تؤمن بمنطق الدولة. ويبدو أننا سنبقى بانتظار من يصل لسدة الحكم ويحدث انقلابا على المنظومة السياسية التي تلغي سيادة الدولة وتريد أن تحل محلها سيادة زعماء الطبقة السياسية. ولكن يبقى الاشتراط الأهم في هذا الانقلاب أن يكون عنوانه استعادة الدولة وليس طموحا شخصيا لمن يريد أن يصبح دكتاتورا.

إذا، حالة الاستثناء باتت ضرورية في وضع العراق حاليا، وقد تكون هي الحل الوحيد لاستعادة الدولة في حال توفرت قيادات سياسية حقيقية تؤمن بالدولة وسيادتها، وتؤمن بما وصفه كارل شميت "الدكتاتورية المفوضة" التي ينحصر هدفها بحماية الدستور القائم واستعادته للحضور في إدارة الدولة ومؤسساتها، وفرض هيبة الدولة ورمزيتها على كل عناوين اللادولة وقواها.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.