ليس هناك أفظع من سلطة ترفض تشكيل حكومة
ليس هناك أفظع من سلطة ترفض تشكيل حكومة

أدار سائق التاكسي زر الراديو، فتهادى صوت الشيخ هادئاً ورائقاً: "واجب كل واحد منا طلب الشهادة. اسألوا انفسكم من يعمل يومياً على ذلك...؟".

معه حق شيخنا، فهذا هو المخرج الوحيد الذي يريد توفيره للبناني ليحل معضلته بعد أن ضاقت عليه الدنيا وسدت أمامه سبل العيش. حتمية تعميم الموت. إما المعنوي منه، وإما الفعلي والطوعي ليعمّدونه "شهيد" قتاله لإخوته العرب في بلدانهم.

هكذا يضرب الشيخ، ومرجعياته الحاكمة عصفورين بحجر. يكتسبون مقاتلاً من ناحية وينقصون عدد المدنيين الشكائين من ناحية أخرى. يجعلونه المتنفس الوحيد لما يحتقن في النفوس من يأس جراء الإفقار وافتقاد الأمل بإمكانية العيش. مجرد العيش، في جهنم التي فتحوا أبوابها.

فقد العيش في لبنان معناه. وفقدنا أي حس بالدهشة أو الاستغراب أمام الغرائب المتناسلة؛ بل نكاد نندهش إذا لم نكتشف يومياً فضيحة أو كارثة أو فعل جنوني أو سلوك خارج كل أعراف الدول والأوطان. ما حصل في مسلسلات القاضية عون التشويقية وسلوكها الشعبوي لا يعتدي فقط على المؤسسات المالية بحيث يضرّ بها وبلبنان، بل أيضاً يبهدل القضاء ويضرب صدقيته. فنصبح دون أي نقطة ارتكاز شرعية نستند اليها.

لكن ليس هناك أفظع من سلطة ترفض تشكيل حكومة.

الأمر الذي دعا الى قيام ثورة كنسية، للوقوف بوجه هذه الممارسات التي تصب جميعها في القضاء على المؤسسات التي تشكل أهم أركان الدولة وسمعتها. 

لخص المطران عودة الوضع الهزلي الذي وصلت إليه الممارسة القضائية: "بعد تدمير سمعة لبنان المصرفية يتم تدمير القضاء والجيش". وتساءل: هل يجوز أن يتمرد قاض على القانون وهو مؤتمن على تحقيقه؟ وهل يجوز اقتحام الأملاك الخاصة؟ وهل يجوز الاعتداء على الاعلاميين؟ وهل يجوز أن يخرج القاضي على القانون؟ 

أما البطريرك الراعي فأعرب عن ذهوله أمام: "واقعة قضائية لا تمت بصلة إلى الحضارة القضائية ولا إلى تقاليد القضاء اللبناني منذ أن وجد... ما جرى، وهو مخالف للأصول القضائية والقواعد القانونية، قد أصاب هيبة السلطة القضائية واحترامها وكونها الضامن الوحيد لحقوق المواطنين وحرياتهم... إلا اننا لا يمكننا السكوت عما يجري والتعبير عن مخاوفنا من مثل هذه الممارسات التي تضرب ما تبقى من صورة الدولة" مطالبا بتفادي سقوط السلطة القضائية بالكامل. إذ أن سقوطها "يشكل الضربة القاضية لدولة الحق والمؤسسات".

فما كان من أحد متعصبي العلمانية، وفي معرض دفاعه عن تصرفات القاضية عون!! أن أعرب عن سخطه من "سفاهة" تدخل رجال الدين بالسياسة والشأن العام.

انعدام الصدقية هنا أننا لا نسمع من ممثلي هذه الجوقة نفس الاستنكار أمام واقع ان الحياة السياسية ومصير لبنان وأمنه (أو لا أمنه) تدار من قبل شخص واحد معمم، يعتبر نفسه ومرجعه الإيراني أولياء الله على الأرض!!

وتجدر الاشارة هنا إلى أن مسؤولية تدخل رجال الدين في السياسة وإدارة الشأن العام تقع على فشل السياسيين في أن يكونوا رجال دولة. بل هم قضوا على الدولة، ورجال الدين المقصودين يحاولون لملمة فتاتها.

لكن الهدف من هذا الهجوم الدفاع عن بطولات وهمية لسلوك شعبوي قد يخدع بعض الرأي العام الذي يهلل ويصفق لها لأنها تتصدى للفساد وتسعى لاسترداد الأموال المنهوبة.

فهل حقاً ان خلع أبواب شركة مكتف المالية ومصادرة الكمبيوترات بالداتا التي تحتويها ستحارب الفساد وهي المدخل لاسترجاع المال العام المنهوب؟ 

الوقائع تقول إن شركة مكتف شركة تشتري وتبيع العملات الأجنبية النقدية وهي من فئة الصرافين "ألف" التي يسمح لها بنقل الأموال عبر المرافق الشرعية وتسجل في البيانات الجمركية وتخضع للرسوم والضرائب. الأموال التي تحولها ترتبط بالمصارف، فهي تنقل اموال المصارف من لبنان إلى الخارج والعكس. الشركة لا تتعامل مع الأفراد، بل مع المؤسسات المالية والمصرفية فقط. وهي تخضع لمراقبة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف.

إنها تلعب دور الوسيط عندما يكون هناك فائض في العملة الورقية وخصوصا الدولار الأميركي فتشحنه للخارج أو تقوم بتأمينه للداخل. وظيفة هذه الشركة إذا كساعي البريد، تنقل الأموال تحت رقابة المصرف المركزي والحكومة عبر مفوضها في لجنة الرقابة على المصارف وهو الآن من حصة التيار العوني!! أليس الأحرى بالقاضية محاسبة الحكومة وممثلة العهد في لجنة رقابة المصارف على تغاضيها عن الفساد أينما وجد، سواء في الشركة أو في المصرف المركزي؟ 

إن من يريد مكافحة تهريب الأموال لا يحاسب ساعي البريد، بل من سمح بحرية نقل الأموال. فحتى الساعة يرفض البرلمان إقرار قانون الكابيتال كونترول. فمن يمنع البرلمان اللبناني من إقرار القانون الذي يمنع إخراج الأموال؟ ولماذا لا يحاسب من يقف عائقاً أمام إقراره؟ 

ثم هل يحق لمن طلب سلفة 200 مليون دولار، من أموال المودعين منذ أقل من شهر، لبالوعة وزارة الطاقة، أن يتكلم عن استرداد أموال المواطنين وودائعهم؟ 

ويجب التذكير هنا انه لم يبلغ علمنا أن وزارة الطاقة أعادت ملايين الدولارات من السلفات الماضية التي حصّلتها.

وما كان ينقصنا إلا تهريب الرمان الملغوم وملايين حبات الكبتاغون، وكان شيخاً فاضلاً مقرباً من حزب الله قد اتحفنا بتشريع جميع أنواع التهريب واعترافه بأنه في صلب المقاومة!!

وهكذا تم التوقيع على أن الدولة اللبنانية هي دولة فاشلة، تحولت مصنعاً مصدّراً للمخدرات والممنوعات. وثبت أن السلطة القائمة فقدت قدرة السيطرة الفعلية على أراضيها، بعد أن تخلت عن احتكارها لحق استخدام العنف المشروع لشريك أقوى منها ويعلن تبعيته لدولة أجنبية. والدولة العلية تعلن رسمياً، في معرض تبريراتها الصادمة، أن حدودها سائبة لا قدرة لها على ضبطها أو السيطرة عليها.

ما جعل لسان حال شعبها "بلدي بيوجعني" على ما تقول الأغنية، ويقول مع احدى مسرحيات الرحباني: "الأولاد بدهن يكبروا ما فيهم ينطروا الحكومة". الأولاد بلبنان "عمهاجروا" ما عاد فيهم ينطروا الفراغ.

 خلال مائة عام من عمر لبنان فشلت جميع محاولات وضع اليد على الدولة اللبنانية ولم يتمكن أحد من إلغاء حدودها وكيانها. منذ الثورة العربية مروراً بالناصرية الى منظمة التحرير والدخول السوري والاحتلال الإسرائيلي، ظلت الدولة قائمة ولو بالحد الأدنى وبقيت القوانين مرعية.

لم ينجح سوى الاحتلال الإيراني، بواسطة متعاوني الداخل، في إلغاء حدودها، كما حدود العراق وسوريا، وإخضاعها جميعاً لنفوذ امبراطورية الملالي. لتحولها ساحة واحدة، تدرجها في "استعادة الامبراطورية الفارسية" سيئة الذكر. وميزة هذه الإمبراطورية انهيار الدول فيها وتحوّل مواطنيها إلى رعايا فقراء معوزين وأذلاء مقموعين، بعد أن أضعفت الجيوش الوطنية لصالح ميليشيات أقوى منها زرعتها في كل مكان.

وإلى زاعمي السيادة والوطنية: لبنان على طريق الزوال. الدولة التي لا تحفظ سيادتها وحدودها ليست دولة. تحالفاتكم قضت عليها، لأن المسؤولية الكبرى تقع على الأطراف الذين جاؤوا بهذا العهد ويغطونه فعلياً حتى الآن، سواء باسم تسويات بين زعماء الطوائف وأحزابها أو تنازلات وصفقات، أو طمعاً برئاسة؛ فشكّلوا الغطاء الشرعي المطلوب من إيران كي يتبجح سليماني قبل مقتله بأن نصف أعضاء البرلمان اللبناني "مقاوم" وتحت سيطرته وأن إيران احتلت 4 دول عربية على رأسها لبنان.

انهم الآن أمام خيارين لا غير: عدم التراجع عما ارتكبوه، خوفاً على مكاسبهم أو تحسباً لإمكانية محاسبة الشعب لهم فيما لو نجح بثورته. فيكونوا شركاء في إنهاء لبنان الذي نعرفه والدولة اللبنانية لصالح مجهول مخيف. أو رفع الغطاء عن العهد ومن خلفه والاعتذار عما ارتكبوه.

لن يرحم التاريخ أحدا منكم يا سادة.

إن مسؤولية الحفاظ على لبنان تقع على هؤلاء بالتحديد وعدم اتخاذ موقف الآن بالاستقالة من هذا البرلمان "المقاوم" هو الخيانة العظمى بأجلى صورها.

أنها معركة تحرر وطني، لذا المطلوب الآن رفع الشرعية عن المحتل.

ولمن يعتقد أن بإمكانه محاربة الفساد تحت الاحتلال يكون على ضلال مبين.
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.