محمد مرسي - مصر
"خُلع الرئيس وصُفّيت الحياة السياسية في مصر، لصالح ما قيل إنها مرحلة إدارة وتحديث مركزية ضرورية لمؤسسات البلاد ومجتمعه"

بشكل رمزي على الأقل، تذكر حوادث القطارات المتكررة الأخيرة في مصر بما كانت عليه الأحوال العامة في مصر خلال الشهور الأخيرة من حُكم الرئيس المصري المخلوع، محمد مرسي، حيث اُعتبرت حوادث القطارات والانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي وغيرها من القضايا المعيشية في البلاد وقتئذ دليلاً على فشل وعدم أهلية الرئيس مُرسي وجماعة الإخوان المسلمين على قيادة البلاد، التي قيل إنها أكبر وأكثر تركيباً وتعقيداً من أن تخضع لصراعات القوى السياسية المتنافسة في البلاد!.  

في مستوى أعمق، شكل ذلك الكلام العام المنطق الجذري لما حدث فيما بعد، حيث خُلع الرئيس وصُفّيت الحياة السياسية في مصر، لصالح ما قيل إنها مرحلة إدارة وتحديث مركزية ضرورية لمؤسسات البلاد ومجتمعه، تلك "المرحلة التحديثية" التي قال الفاعلون إنها تحتاج لتجميد كل فاعلية سياسية في البلاد، أي لتجاوز كل ما طرحه الربيع العربي من قضايا إنسانية مجتمعية، تتعلق بالحقوق السياسية والحريات العامة للمجتمعات.  

خلال السنوات التالية لما جرى في مصر وقتئذ، في مصر وسوريا والجزائر والمغرب والخليج العربي، ساد ذلك المنطق بكثافة في الأوساط السلطوية الحاكمة في تلك البلدان، وضمن القوى الثقافية والسياسية والإعلامية الرديفة لطبقة الحاكمين. كانوا يقولون: إن الأولوية المُطلقة في البلدان يجب أن تكون لتحديث المؤسسات والمجتمعات والاقتصاد والتعليم والبنية التحتية، وليس للحريات وحقوق الإنسان واجتراح فاعليات وديناميكيات سياسية تنافسية بين القوى المجتمعية والسياسية؛ لأن مجتمعاتنا تحتاج إلى التحديث والتنمية أكثر بكثير من حاجتها للحرية والديمقراطية، حسب ذلك المنطق، الذي أثبتت الأحداث المتراكمة فيما بعد تهافته تماماً.  

في التاريخ السياسي والاجتماعي لدول منطقتنا، حدثت موجتان سابقتان للتحديث، كانتا تتطابقان في مضامينهما الداخلية بما تطرحه وتعيشه تجربة التحديث المزيف الأخيرة هذه.  

ففي سنوات نشأتها الأولى، في عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم، عرض وجرب مصطفى أتاتورك في تركيا ورضا بهلوي في إيران وفؤاد الأول في مصر أشياءً من ذلك. فقد كانت تلك الزعامات تقود مرحلة ما بعد الإمبراطوريات التقليدية الكُبرى، وتسعى للقول إن القضية الجوهرية لتلك الكيانات كانت كامنة في أنماط الحياة المجتمعية الكلاسيكية التي كانت تعيشها مجتمعاتها، من أزيائها وأطعمتها، إلى كافة تفاصيل حياتها اليومية المُعاشة، وأنه بدون تحديث كل تلك التفاصيل، فإنها لن تُحرز أي تطور أو تنمية مستقبلية.   

شهدت خمسينيات وستينيات القرن المنصرم موجة ثانية من مثل ذلك "التحديث المزيف". تجارب جمال عبد الناصر في مصر ومحمد بهلوي في إيران وعدنان مندريس في تركيا وعبد الكريم قاسم في العراق كانت تعبيراً عن تلك الموجة. الفاعلون خلال هذه الموجة جربوا الانتفاض على طبقات الحُكم العُليا، البرجوازيات المحلية، واتخاذ سياسات "تحديث" شعبوية، مثل إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين على حساب تطوير العمل الزراعي، ونشر التعليم بشكل كثيف على حساب جودته، وتشييد مؤسسات صناعية حكومية كُبرى تعمل على استيعاب البطالة فحسب.  

عاملان مُشتركان رئيسيان كانا يجمعان هاتين الموجتين من "التحديث المزيف": يتمثل الأول بشدة الولاء للجيش، الذي كان يمثل بالنسبة للقائمين على تلك التجارب التحديثية الأداة والديناميكية التي يستطيعون عبرها تنفيذ توجهاتهم وضمان سلامتهم من أي ردة فعل على مشاريعهم. فخلا تجربة عدنان مندريس في تركيا، الذي ذهب ضحية لانقلاب عسكري، فإن كل تجارب "التحديث المزيف" تلك، كانت تبدو وكأنها تجارب الجيوش نفسها، التي تسعى لخلق مجتمعات على شاكلتها وحسب إرادتها.  

العامل الثاني كان يتحدد في المركزية الفائضة. فمحاولات التحديث المزيف كانت تميل لتفسير ورد تدهور أحوال الدول التي تحكمها إلى المُعضلات الجوهرية التي تقوم عليها مجتمعاتها، وتالياً كانت ترى في الدولة أداة لتغيير المجتمعات، لا العكس. وبذلك ما كانت ترى الحل في إتاحة المجال أمام المجتمعات لتنمية روح المبادرة والتجريب لتغيير ذاتها ودولها في الآن عينه، بل اعتبار الدولة/المركز أداة وحيدة لإحداث التغيير في الدولة والمجتمع. 

بناء على الجامعين الرئيسيين المذكورين سلفا، فإن موجتا التحديث المزيف التقليديتان في منطقتنا كانتا تملكان حساً مشتركاً لاحتقار العلوم الإنسانية ومنتجاته. لأنها كانت تُدرك في بواطن وعيها أن تنمية تلك العلوم، في المجالات الفلسفية والنفسية والأدبية والاجتماعية ستؤدي لإدراك المجتمعات لقاعدة معرفية بسيطة أثبتتها التجارب التاريخية، تقول إن عمليات التحديث الحقيقية، هي منتج حتمي وثانوي وصغير لتطور العلوم والمنتجات الإنسانية في أي مجتمع كان.

فالمساواة الجندرية في قوانين الأحوال الشخصية ومشاركة المجتمعات في الحُكم والحريات الإعلامية والسياسية والعامة...إلخ من منتجات العلوم الإنسانية، تؤدي بشكل حتمي إلى تحقق التحديث، والعكس ليس صحيحاً تماماً، حيث أن التحديث الشكلي يؤدي غالباً إلى الشموليات المركزية وتراجع التنمية وتصاعد أدوار البُنى الأهلية، وغالباً إلى الحروب الأهلية.  

 كل ذلك يتطابق تفصيلاً مع موجات التحديث الثلاث هذه. إذ ثمة الكثير من كل ذلك في آليات عمل القائمين على هذه الموجة من التحديث المزيف، ففي كل البلدان التي شهدتها، لم تحدث تنمية اقتصادية ولا لوحظ تقدم ملحوظ في مستويات التعليم، وفوق ذلك صارت أفق الحريات السياسية والعامة أكثر بُعداً، والمجتمعات الداخلية أكثر تشنجاً وقابلية لخوض المزيد من موجات العنف في مواجهة بعضها البعض. 

يقول مثل عراقي شهير: "لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي".    

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.