فرنسا تتعرض منذ فترة لحملة منظمة من جماعات الإسلام السياسي
فرنسا تتعرض منذ فترة لحملة منظمة من جماعات الإسلام السياسي

يقول زميلي في الحرة الأستاذ عمران سلمان، والذي اعتبر نفسي من قرائه وبشغف: ".. بالطبع هناك من حاول ويحاول تصوير ما يجري في فرنسا أو غيرها على أنه نقاش ديني، وهذا مجرد تضليل وتدليس. فالنقاش ليس في الدين وليس حول فائدة وجوده من عدمه، ولكن النقاش هو حول الخطورة التي يمثلها تحويل الإسلام، أو أي دين آخر، من إيمان فردي خاص بالإنسان وما يعتقده، إلى عقيدة أيديولوجية مطلقة تحض أتباعها على العنف ونشر الكراهية، والسيطرة على المجتمعات، وقمع الحريات، وإرهاب المخالفين، باسم الدين وباسم الخالق، وهذا ما تسعى إليه بوضوح جماعات الإسلام السياسي على اختلاف أنواعها. لذلك فالنقاش هو ليس حول الإسلام نفسه وكيف ينبغي أن يمارس المسلمون إيمانهم، فهم يفعلون ذلك بكل حرية، في بيوتهم وفي مساجدهم (في فرنسا يوجد حوالي 2500 مسجد ومصلى)، لكنه حول أمن الإنسان وحريته وحقوقه".

تلك الفقرة كانت من نهاية مقاله الأخير "شيطنة فرنسا" على موقع الحرة، وهي فقرة موجزة ومكثفة وتنسحب على كامل الكوكب بكل معمورة بشرية فيه، لا فرنسا وحسب، وهي لا تتعلق فقط بنقاشات الدولة والمجتمع، بل يمكن بسطها براحة على أي نقاش حتى لو على امتداد فضاءات السوشيال ميديا، التي أغرقها العرب بجدالاتهم التي لا تنتهي وصار في تلك الفضاءات "نجوم" تدين، استلذوا فكرة التجارة الرقمية فنقلوا تجارة "الشنطة المقدسة" إلى صفحات يحاولون أن تصبح مقدسة حسب كثرة الأتباع والتابعين، الأتباع يبحثون عن حسابهم بحسنات يوم الحساب التي يقررها الشيخ ويكيف نصوص الدين فيها على مزاجه، والشيخ يبحث عن حسابه في عدد التعليقات و"الإعجابات" وحرف "K" الذي يبدأ فيه عداد رقم مشاهداته.

ونحن هنا نتحدث عن أي دين وكل دين، يخرج عن نطاق العقيدة الإيمانية إلى متاهات الإقصاء والتطرف.

ما كتبه الأستاذ عمران، يضعنا من جديد أمام مطلب حيوي وضروري ننادي به دوما ومرارا، ملخصه ببساطة أن ما يحتاجه العالم العربي هو حركة إصلاح في الوعي تبدأ من المواطن العربي نفسه، إصلاح في الوعي يتطلب لحظة مواجهة حقيقية مع الذات وقبولا للآخر ومراجعة لكل الموروث الثقافي المهترئ وإعادة قراءة حقيقية مدججة بالفهم لكل ما تمت محاكمته جورا في التاريخ، واعتبار كل ما سلف تراثا لا أكثر ولا أقل.

لا أحد ضد العقيدة أيا كانت، بل إن حرية العقيدة - أيا كانت أيضا- متطلب موضوعي لتأهيل الإنسانية فينا.

لكن العقيدة التي تعني الاعتقاد حد الإيمان بفكرة التفوق على الآخرين هي المرفوضة، تلك الحالة الذهنية التي تعكس نفسها في الخطاب والسلوك وتصل إلى حد اعتبار قبول الآخرين تفضلا ومنة، فيتجلى التفضل بعبارات مثل "التعايش" أو "شركاء الوطن" أو العبارة الأكثر ابتذالا لكثرة تكرارها "ملح الأرض"، وهي عبارات تتعلق بالمسيحيين - بكل طوائفهم- في عالم عربي أغلبيته مسلمة - بكلا الطائفتين وباقي الفرق- فنصل إلى مرحلة يخرج فيها التطرف رافعا رأسه بعدم جواز التهنئة او الترحم على غير المسلمين، ولا يجد له رادعا فالقبول أصلا تم ترسيخه كتفضل وتمنن من القوي على الضعيف، من الأغلبية على الأقلية.

لا يخطئ قراءة ذلك أحد "ووعيه بكامل الأهلية الإنسانية" في عالمنا العربي، فالتهنئة بأعياد المسيحيين كل عام تدخل جدليتها الموسمية بين جواز ذلك أو عدم جوازه، بحوارات مخجلة ومحرجة وجارحة. لكن في أعياد المسلمين فإن المسيحي (غير الملزم بالمقابل أن يهنئ أو يشارك) يضع عبارات التهنئة المدعمة بالقرآن والحديث، كفاية لشر التطرف ربما!

--

مجددا أعيد وأكرر أنه في عالمنا العربي، فإن قراءتنا للتسامح الديني يجب أن يحل محلها التسامح الإنساني. ويجب في تسامحنا المفترض كبشر، أن نتخلى عن ذهنية التفوق والتي تقود إلى التعصب الأعمى.

إذ حتى التسامح يصبح مشوها إن كان مشوبا بعقدة وهم التفوق في الاختيار الإلهي المقدس، وتحميل هذا العبد لله المسكين (مسلما أو غير مسلم فهو بائس) كل أثقال التاريخ المرسوم رسما على قياس نخبة رجال الدين وسدنة المعابد.

كنت قد تحدثت في الموضوع مع ذوات أثق بهم وأعرفهم، وكان سؤالهم لي محملا بالاتهام ومفاده: لماذا تصر على تضامن نراه أعرجا لديك، لا يمشي بتوازن مع المسلمين مثلما مع غيرهم؟

أجيب فأقول باسمي واسم غيري "من ورثة تفوق عددي وأغلبية جماعية" ممن يدافعون بشراسة عن إخوانهم في الإنسانية ولا يرون فيهم أي آخر: إن الإعلان عن التضامن مع مسيحيي المشرق العربي أو ضحايا الإرهاب من الشيعة أو السنة أو الدروز أو الإيزيديين أو أي أقلية شاء لها حظ إنسانيتها السيء أن تكون حاصل فرق الانتصارات التاريخية البائسة. فمرد هذا التضامن في الحقيقة هو خجلنا من عبء ألقاه التاريخ المختلق على كتفنا دون موافقتنا ولا حتى الأخذ باعتراضنا.

والاعتراض - بكل أسف- غالبا ما يصبح كفرا في شرق متخم بالمقدسات، أو خيانة وطنية في ذات الشرق الضاج بالقيادات الملهمة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.