مشهد من جنازة ديبي
مشهد من جنازة ديبي

قبل بضعة أسابيع، فكرت في كتابة مقال على هيئة رسالة مفتوحة إلى الرئيس الراحل إدريس ديبي أحثه فيها على أن يسن سنة حسنة قبل مماته بأن يتنحي عن السلطة ويكرس ما بقي من حياته في إرساء دعائم الديمقراطية بزرع بذرة التداول السلمي للسلطة ووضع حد للمعتقد السائد في أوساط الكثيرين بأن القوة وليست صناديق الاقتراع هي السبيل الوحيد للوصول إلى الحكم في تشاد.   

لكنني عدلت عن الفكرة حتى قبل إعلان مقتله إيمانا مني بأن رسالتي لن تجد طريقها إليه وإن وجدته فمن المستبعد أن يعمل ديبي بما فيها من مقترحات فضلا عن أنها لن تضيف جديدا إلى ما يطرحه باستمرار قادة وأنصار التغيير السلمي في تشاد عبر كل المنابر عن أهمية تلك الخطوة من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد ورفع مكانتها بين دول العالم.  

وعوضا عن ذلك، قررت أن أتوجه برسالتي إلى أنصار التغيير السلمي في تشاد إيمانا مني بأنهم الأولى بها والأقدر على إحداث التغيير المنشود وذلك لأن حبهم للبلاد وحرصهم على مصلحتها ورغبتهم في العيش أحرارا في دولة تكفل لهم الحقوق والحريات والمساواة والكرامة الإنسانية وتحقق لهم الرفاهية هو ما يدفعهم إلى معارضة النظام من الداخل والمطالبة بحقوقهم عبر الطرق السلمية ومقارعة عنف السلطات بصدور عارية. 

يا أنصار التغيير السلمي في تشاد، لقد حدث ما كان متوقعا من أن ديبي كان يخطط لتوريث السلطة لأحد أبنائه، فهاهو محمد إدريس ديبي ينصب نفسه حاكما عسكريا على البلاد في انتهاك صريح لدستور البلاد وهو أمر اعتاد والده القيام كلما قارب موعد خروجه من القصر الرئاسي بحكم مواد الدستور على الانتهاء.  

وكما فعل والده خلال عقود حكمه، هاهو الأبن يعيد على مسامعنا في خطابه الأول ما كان يكرره ديبي الأب ويربط استيلائه على السلطة بداعي حرصه على الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد. ولكن الحقيقة التي لا تخفى على أحد هي أن آل اتنو لا يريدون التنازل عن السلطة ويحرصون على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وعلى تجاهل مطالب الشعب في العيش في دولة يحكمها نظام ديمقراطي حقيقي ويتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات. 

وإن كان حال البلاد سيئا في عهد ديبي الأب وإن كانت مهمة أنصار التغيير السلمي صعبة حينها، فإن الحال اليوم أسوأ وقد باتت المهمة أصعب بعد استيلاء محمد ديبي ومجلسه العسكري على مقاليد الحكم وفي ظل وجود تمرد مسلح يملك من القوة والعزيمة والدافع المعنوي خاصة بعد تمكنه من قتل الرئيس إدريس ديبي ما يغريه على التقدم نحو العاصمة من أجل إسقاط النظام وانتزاع السلطة. 

إن من المؤسف القول إن ديبي هو من أعطى حركات التمرد مقومات التشكل والبقاء بسبب تشبثه بالسلطة ورفضه التنازل عنها ولو أنه أرسى دعائم التداول السلمي للسلطة في البلاد لما لجأ أبناء الوطن إلى حمل السلاح من أجل تحرير البلاد ممن نصب نفسه حاكما أبديا على البلاد وخطط لتوريث السلطة إلى أبنائه.  

وفي ظل هذا الواقع المعقد فإن من المهم أن يوضح أنصار التغيير السلمي موقفهم الرافض والمعارض للمجلس العسكري والتمرد المسلح على حد سواء لأن المجلس ومن فيه ماهم إلا امتداد لنظام إدريس ديبي ولأن الاستيلاء على السلطة عن طريق السلاح سيجر الويلات على البلاد والعباد. 

إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة يتمثل في تنازل المجلس العسكري عن السلطة لصالح حكومة مدنية تكون من أولويات مهامها تنظيم حوار وطني شامل يشارك فيه كل الفرقاء السياسيين والحركات المسلحة وتحقيق المصالحة الوطنية ومحاسبة المتورطين في عمليات فساد وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة بالإضافة إلى إعادة هيكلة للجيش الوطني وحصر مهامه في الدفاع عن الشعب وحماية أرض الوطن ومؤسساته.   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.