بكين تعتقل الإيغور لأسباب متنوعة

لا يثق الإسلاميون بالآخرين ويرتابون من تصرفاتهم بل يتوقعون الأذى منهم، ويفسرون أي عمل يقومون به بما يتماشى مع نمط التفكير هذا الذي يؤدي إلى شعورهم الدائم بالاضطهاد إن كانوا في بلادهم أو في مغترباتهم خصوصا لأنهم مؤمنون بأنهم دائما على صواب، يسمّى هذا الاضطراب النفسي طبيا "بارانويا"، وقد نجح الإسلاميون في نشره بشكل واسع في المجتمعات الإسلامية، مما أدّى إلى انتشار استثنائي لنظرية المؤامرة حتى أصبحت من المسلمات التي لا تقبل النقاش، والتي تعني أن كل ما يحدث في العالم مدبّر ومدروس ولا شيء يحدث صدفة أو بشكل عفوي، وأن ما يظهر للعيان هو غير حقيقي ومفبرك من قبل الذين يتحكمون في العالم. 

ولكن البارانويا تتطلب القناعة بأن لدى المسلمين صفات استثنائية عظيمة لا يمتلكها الآخرون، بينما في عالم الواقع أغلب الدول الإسلامية فقيرة وضعيفة ولا تمتلك من عوامل القوة ما يدفع الآخرين للتآمر عليها، فوجد الإسلاميون المخرج بالادعاء بأن هؤلاء المتآمرين يخافون من الإسلام نتيجة معرفتهم بأنه سيحكم العالم في المستقبل كما حكمه في الماضي، وقاموا بالمبالغة في تعظيم الماضي الإسلامي حتى اختلط فيه التاريخي بالأسطوري، رغم أن الكثير من الحضارات كان إنتاجها الفكري والثقافي والعلمي أكبر بكثير مما قدمه المسلمون للعالم.   

وعمل الإسلاميون بشكل مقصود على الترويج لنظرية المؤامرة لأنها تدفع عامة الشعب للالتفاف حولهم في مواجهة الأعداء المزعومين، كما تبرّر الفشل المتواصل الذي يتعرضون له بل تعطيهم نوعا من الرضى على الذات بسبب وجود أعداء أقوياء يتآمرون عليهم، وفي حين كانت نظرية المؤامرة شائعة سابقا عند الطبقات ذات المستوى الثقافي المنخفض أصبحت اليوم أكثر انتشارا عند مختلف شرائح المجتمع بفضل المنابر الإعلامية المرتبطة بالإسلاميين والأنظمة الديكتاتورية التي تشترك مع الإسلاميين في نشر نظرية المؤامرة، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب التي أتاحت لهؤلاء فرصة ذهبية للترويج لأفكارهم. 

ولكن نظرية المؤامرة المنتشرة في الأوساط الإسلامية ذات اتجاه واحد محدد موجّه بشكل مسبق ضد أعداء بعينهم هم "الصليبيون" والمقصود دول الغرب واليهود ودولة إسرائيل، ولا تتوسع قائمة الأعداء المتآمرين هذه حتى لو أساءت جهات أخرى للمسلمين، فالحكومة الصينية مثلا تقوم منذ سنوات بحملات اضطهاد منظمة ضد المسلمين الإيغور تتضمن وضع كاميرات مراقبة في منازلهم بحيث إذا أقلع أحدهم عن التدخين أو امتنع عن شرب الكحول أو اقتنى كتابا عن الإيغور أو سجادة للصلاة، تقوم الحكومة الصينية بانتزاعه من بيته وأرضه ووضعه في معسكرات اعتقال كبيرة تجري خلالها عمليات تعقيم للكثير منهم لمنعهم من الإنجاب. 

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش أن واحدا من كل عشرة من الإيغور قد احتجز في هذه المعسكرات بهدف محو الهوية الثقافية والدينية لهذا الشعب المسلم، ومن المستغرب أن الإسلاميين لا يستنكرون ما يتعرض له الإيغور، بل إن بعضهم يحاول إيجاد المبررات والأعذار لممارسات الحكومة الصينية، فقد شكك مثلا الداعية الإسلامي أحمد أبو العينين مما يقال عن الصين، وقال إنه متأكد أن الصين لا تضطهد المسلمين، لكنها تواجه النزعة الانفصالية عند بعض مكوناتها، ونصح بعدم الانسياق خلف ادعاءات الترسانة الإعلامية الغربية!

وفي مثال آخر، تواجه مصر اليوم أزمة وجودية بقضية سد النهضة الذي يهدد شريان حياتها المتمثل في نهر النيل، والمشكلة هي بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من ناحية أخرى، بالإضافة إلى الصين التي موّلت هذا المشروع من خلال تقديم قرضين لإثيوبيا استخدمتهما في بناء السد، الأول عام 2013 قيمته 1.2 مليار دولار والثاني عام 2019 قيمته 1.8 مليار، من أصل 5 مليارات دولار هي التكلفة الكاملة للمشروع، وكذلك الشركة الإيطالية التي قامت ببناء هذا السد. 

ولكن هذا الواقع لا يفيد الإسلاميين ولا يستطيعون استثماره ضد خصومهم التقليديين وخاصة إسرائيل، التي ليس لها ناقة ولا جمل في المشروع، ولذلك لجأوا إلى ترويج أكاذيب بعيدة عن الواقع لإقحامها في قضية سد النهضة، فقد كتب عبد الناصر سلامة، رئيس تحرير الأهرام، أثناء حكم الإخوان، مقالا قال فيه: "إن هذا السد قام بإيعاز غربي وإسرائيلي وكنسي للضغط على مصر، وأن التنفيذ الفعلي ابتدأ بناء على توصيات إسرائيلية تنبّأت مسبقا بما ستشهده مصر من اضطرابات عام 2011، كما تحدّث عن نشر إعلانات في الصحف الإسرائيلية للاكتئاب لبناء السد بعنوان معا ضد مصر، ولم يكتفي الصحفي الإسلامي بذلك بل ادّعى أن مهندسين إسرائيليين دفعوا باتجاه اختيار موقع للسد يحتوي على فوالق جيولوجية تجعل انهياره متوقع، بما يهدد مصر والسودان بالغرق!

وفي مقال آخر ضمن نفس التوجه، تحدثت مواقع إسلامية عن مشاريع ضخمة يتم تنفيذها بشكل سري تتضمن نقل مياه النيل عبر ستة أنفاق تحت قناة السويس إلى خطوط أنابيب مياه عملاقة في سيناء، تحت إشراف فريق هندسي وعشرات العمال والآليات الثقيلة تعمل على مدار الساعة هدفها تزويد إسرائيل بالمياه لري صحراء النقب، ويقوم بتنفيذ هذا المشروع القوات المسلحة المصرية ولا تعرف عنه شيئا الإدارات المحلية الأخرى، ورغم أن هذا الكلام لا يمكن تصديقه ورغم أن إسرائيل متفوقة في أمنها المائي على كل جيرانها، ولكن هذه الأكاذيب تجد جمهورا يصدقها في الأوساط القومية والإسلامية. 

وشرح أحد الكتاب الإسلاميين لماذا تقتصر هذه المؤامرة على الغرب وإسرائيل "منذ تسعينات القرن الماضي بدأت المؤامرة الكبرى الخبيثة للقضاء على الإسلام بعد تفكك الإتحاد السوفيتي وتفرّد أميركا بقيادة العالم بدعم من الصهيونية العالمية وقوى الغرب الصليبي فتحول العدو عندهم من الأحمر الذي يرمز إلى الشيوعية إلى الأخضر الذي يرمز إلى الإسلام للقضاء عليه، عبر التشكيك بصحة القرآن والسنة النبوية المطهرة والإساءة للرسول، ودعم وإسناد العلمانيين الجدد في العالم الإسلامي وتقديم رموزهم كدعاة للديمقراطية وحقوق الإنسان لاستبدال شريعة الإسلام بشريعة الغرب والغاب"، أي أجمل هذا الداعية مع الغرب وإسرائيل العلمانيين والديمقراطيين والمتنورين الإسلاميين. 

وفي كتاب المؤامرة على الإسلام، قال الشيخ سفر الحوالي "أحد جوانب المؤامرة نبش الأصنام القديمة والحضارات القديمة الوثنية وإظهارها في مصر والعراق وسوريا وغيرها لينسى المسلمون أنهم أمة واحدة وأن تاريخهم قبل النبي فوضى وهمجية وانحطاط يجب أن نستحي أن نذكره"، والذي يجب أن نستحي من ذكره حسب هذا الشيخ هو الحضارة السومرية والمصرية القديمة والآرامية والفينيقية، التي علمت العالم الأسس التي بنيت عليها الحضارة البشرية. 

إذا عند الإسلاميين ليس المهم من يؤذي المسلمين فقد سامحوا بوتين على تدميره 60 في المائة من الشيشان وقتل وتهجير مئات الآلاف من سكانها المسلمين، وهم لا يبالون بما تقوم به الصين حاليا بحق المسلمين الإيغور، لأن لهم عدو محدد مسبقا هو الغرب، ومن الطريف أن الإعلاميين الإسلاميين الذين أوقفتهم تركيا المحكومة من حزب إسلامي عن العمل مؤخرا ضمن صفقة سياسية مع مصر يبحثون اليوم عن فرصة للانتقال لدول الغرب نفسها، التي كانوا يهاجمونها لأنهم يستطيعون فيها التمتّع بحريّتهم وممارسة نشاطهم السياسي والديني دون الخضوع لضغوط أو ابتزاز ودون خوف من تسليمهم لسلطات بلادهم، وجو الحرية والانفتاح هذا هو الذي تخشاه أحزاب الإسلام السياسي لأنه يقدم البديل الحضاري الحقيقي عن مشروعهم الذي يقوم على العودة إلى الماضي.  

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.