معضلة الحجاب في فرنسا
معضلة الحجاب في فرنسا

"كل شعرة خارج الحجاب هي مؤامرة على الثورة الإسلامية". كان هذا أحد الشعارات التي طرحتها القيادة "الذكورية بتمامها وكمالها" في إيران، في أعقاب انقلاب الفصائل الإسلامية من الثورة على من ساندها من المجموعات اليسارية. تكاد الإضافة التي تقدّم بها مجلس الشيوخ الفرنسي، إلى مشروع القانون الذي أعدّه الرئيس، إيمانويل ماكرون، لغرض مواجهة النزعات الانفصالية الإسلامية، أن تحاكي هذا الشعار. "كل حجاب على رأس فتاة هو مؤامرة على الثقافة الفرنسية".

ثمة اختلاف هام بين الحالتين دون شك. في إيران، توظيف الجزئية الدينية كان من أجل تعزيز موقف السلطة السياسية في سعيها إلى فرض نظام شمولي على المجتمع وتشذيب ما تبقّى فيه من مواقع اختلاف. أما في الحالة الفرنسية، فإن الخطوة تقدّم على أنها دفاع، وإن بتفصيل واحد وحسب، عن المجتمع إزاء هجمة استغلت فجوات أتاحتها النظم الإدارية والقانونية الفرنسية، للتسلسل إلى عمق الواقع الفرنسي والمباشرة باقتطاع أجزاء منه، على حساب المجتمع المحلي والقيم الفرنسية الراسخة.

قبل زهاء ربع قرن، في لحظة صراحة نشط الرجل لتلطيفها وربما طيّها، كان جاك شيراك، وموقعه يومئذ عمدة للعاصمة ومرشح انتخابي، قد عبّر شعبويا عن استياء في صفوف المواطنين الفرنسيين إزاء الحضور المتعاظم لمن يختلف عنهم في العادات والقيم من المهاجرين.

"يبذل الزوج والزوجة الفرنسيان الجهود في العمل لتأمين العيش الكريم المتواضع لأسرتهما، فيما في الشقة المجاورة يقبع رب أسرة من المهاجرين، مع زوجاته المتعددة وعشرات من الأولاد، متعمدا البطالة ليحصل على الإعاشة والدعم من مؤسسات الرعاية الحكومية، فإذا أضفنا إلى ذلك الضجيج الصادح من شقة هؤلاء المهاجرين، والروائح المنبعثة منها، لفهمنا دواعي استهجان مواطنينا إزاء هذا الواقع".

في ضواحي العاصمة الفرنسية اليوم جدارية ضخمة يتوسطها رسم لشيراك، وعلى رأسه هالة القداسة، وإلى كل من جانبي الرسم كلمة: "الضجيج" إلى اليسار، "الروائح" إلى اليمين.

مضى الزمن الطويل على زلة لسان شيراك، صاحب "الصداقات" العديدة في المحيط العربي، والذي نال فائض التقدير من الخطاب السياسي السائد في هذا المحيط يوم اعترض في القدس الشرقية المحتلة علنا وبحدة على ممارسات الشرطة الإسرائيلية. ما جرى طوال هذه الفترة هو المزيد من "الاتضاح" حول طبيعة "التسلل"، أي استغلال النظم للإقامة والاستفادة، فانتقل تقييمه من القراءة الحضارية الاقتصادية، والتي ترى وجوب ترقية الوافدين من حيث الكفاءات الكفيلة بتوفير سبل العيش، ودمجهم بمنظمة السلوك والقيم الفرنسية، مع افتراض قابلية بل ربما رغبة لدى أجيالهم الصاعدة بذلك، إلى قراءة ثقافية دينية بل عرقية، مبنية على مفاجأة أن هذه الأجيال الجديدة تكاد أن تكون أكثر إصرارا على الانعزال والانفصال، بل تتعامل مع المجتمع العام بعدائية كانت أول إرهاصاتها أعمال شغب، قبل أن تنمو لتصبح حربا تقترب من أن تكون معلنة تطعن بالثقافة والتاريخ الفرنسيين، وتعلن الرغبة الصريحة للإطاحة بهما.

كثيرا ما يجري استسهال توجيه اللوم إلى السياسات الاجتماعية للدولة الفرنسية، وتفنيد مواطن فشلها في الاستيعاب، وتقصيرها المزعوم في تمكين الشباب من أبناء الوافدين، وهم فرنسيو الجنسية والمولد واللغة. ولا شك أن مواضع التقصير والخطأ عديدة.

المفارقة هنا بالطبع هي أن "أدبيات" التشدد الإسلامي والتي تطفح بها محافل الشباب المسلم في فرنسا لا تشتكي من "التقصير" من جانب الدولة والمجتمع هنا، بل تطرح الواقع الحالي على أنه فرصة انتصار للإسلام، الكامل الشامل الفاتح، والذي لا بد أن يطبّق بحذافيره، شاء من شاء وأبى من أبى.

الإشكالية، بل المعضلة، التي تواجهها فرنسا اليوم هي بالتالي أن الالتزام بالقيم الجمهورية، القائمة على الحرية (بما في ذلك حرية المعتقد والتعبير)، والمساواة (بما في ذلك حق الدعوة والعمل، تحت سقف القانون، إلى تغيير الواقع السياسي، وصولا إلى الاجتماعي والثقافي والديني)، يتيح المجال أمام الانتشار، بالترهيب والتهويل والمضايقات، لعقيدة انفصالية إقصائية تسعى صراحة إلى نبذ الاستقرار الاجتماعي والثقافي والتاريخي في البلاد.

كان التشكي بالأمس من السائح العربي الخليجي، إذ يسير بعنجهية "ذكورية" ومعه أبنائه، وخلفه زوجاته وبناته وخادماته بأكياس سوداء منزوية، بما يتناقض مع المشهد الفرنسي والصورة الذاتية الفرنسية القائمة على مساواة بين الجنسين وتقارب بين الطبقات. أما اليوم، فالتشكي من أن هذا النموذج الذكوري ذي التراتبيات المرفوضة المتعددة لم يعد طارئاً على شوارع العاصمة في موسم السياحة، بل قد وجد له مستقرا في العديد من البلدات على مدى البلاد، ليحرج النساء والأطفال ثم الرجال، ويخيفهم جميعاً من أن بلادهم ليست لهم. أي أنها تحت احتلال، متحقق أو في طور التحقق.

هل في الأمر مبالغة؟ بالتأكيد. على أنه في تهوين ما يجري كذلك الكثير من المبالغة. الاختلاف حول موضوع الإسلام الوافد إلى فرنسا، ثم الإسلام المستورد طوعا وقسرا، ليبقى إسلام فرنسا على شاكلته، كان مسألة يتواجه فيها اليمين واليسار، ذاك يدرجها في سياق حضاري تاريخي، في تورية لأبعاد مواجهة أخرى تكاد أن تكون محظورة بين الكنيسة وخصومها، وهذا يجعلها جزء من محاولة خصمه تعمية الواقع الطبقي والاستغلال الاقتصادي.

أما اليوم، وبعد اعتداءات قاتلة وإرهاب وترويع، لا تقتصر على الجماعات بل تشمل مندفعين بمفردهم، خلفيات الموضوع وأسبابه أمست أقل أهمية، بل الإجماع، يمينا ويسارا أنه من الطوارئ التي تستحق السعي إلى المعالجة الفورية.

يمكن اختزال الحضور المسلم في فرنسا في ثلاث دوائر معششة (أي الأولى تحوي الثانية والثانية تحوي الثالثة). الدائرة الأولى هي مجموع الوافدين من خلفيات إسلامية والذين لم يصل فيهم الاندماج بمجتمعاتهم الجديدة إلى اكتمال التماهي، بما في ذلك الذين يشهرون أسماء غير فرنسية تاريخيا، أو الذين يحافظون على شعائر دينية إسلامية، أو الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم مسلمين أو من خلفيات مسلمة. معظم من هم ضمن هذه الدائرة لم يواجهوا إلى أمس قريب إشكالات إضافية، بالمقارنة مع سائر الفرنسيين والمقيمين في فرنسا، عائدة إلى ما هم عليه من صفة إسلامية. أي إن طالتهم ريبة أو تفرقة على أساس هذه الصفة، فإن ما يشبهها قد طال غيرهم لما هو عليه من صفات أخرى.

أما الدائرة الثانية فهي التي تجمع من تبرز تفاصيل التزامهم الديني إلى حد التذكير المتواصل باختلافهم عن سائر المجتمع. التوجه إلى الصلاة في أوقاتها، التعطيل لصلاة الجمعة، الوضوء في مكاتب العمل، اللباس المحافظ ربما، أو الغريب عن المعتاد، بعض أشكال اللحى، والحجاب طبعا. الحجاب هو أدنى هذه المظاهر، لأنه من شأن الفتاة أو المرأة التي ترتديه أن تكون فيما عدا ذلك على تطابق مع سائر تفاصيل السلوك العام المعتاد.

ولا تختلف الأوساط المسلمة الفرنسية في شأن هاتين الدائرتين عن نظيراتها اليهودية (أو السيخية وغيرها). أي ثمة من هو مندمج إلى درجة عالية في المجتمع والثقافة في فرنسا، وثمة من هو أقل اندماجا.

الإشكالية تنطلق من الدائرة الثالثة. من هم داخلها قد يكونون من الفرنسيين مولدا ومنشأً، على أن مرجعيتهم السلوكية والقيمية وصولا إلى السياسية هي ترجمات أساطين علماء السلفيين وشيوخهم، مع التوسع بكل مع يدعو إلى الولاء والبراء. ولاء لمن التقى معهم في العقيدة خارج فرنسا، وبراء من هو خارج فرقتهم في موطنهم فرنسا. ليس كل من هو ضمن هذه الدائرة من الجهاديين، غير أن إنتاج هذه الدائرة للمدفوعين بقناعاتها ومن الذين لا يرون حرجا بتطبيق ما تبيحه هذه القناعات حينا، وما تفرضه أحيانا، من طعن ودهس وقطع رؤوس، يرفعها إلى مستوى الخطر الداهم، في فرنسا كما في سائر العالم.

الخطر الذي تواجهه فرنسا هو أن جماعات ضمن هذه الدائرة الثالثة تسعى بحكم عقيدتها إلى التوسع، بالقوة والإكراه والإحراج لتستوعب الدائرة الثانية، ومن ثم الدائرة الأولى، ومن ثم فرنسا بكاملها، ومن ثم العالم أجمع، وربما كذلك الجنّ والطنّ والرنّ. ليست الخشية من أن يتمكن هؤلاء من تحقيق أوهامهم، بل من أن في مسعاهم الأذى الكثير، لمن هم ضمن الدوائر الأخرى، ولعموم المجتمع الفرنسي.

في التوازي مع هذا الخطر الفعلي، الريبة مستمرة في أوساط غالبية الفرنسيين من وطأة هجرة وافدة، كثيرها من مجتمعات يغلب عليها الوجه الإسلامي، لا تزال غير مضبوطة بأشكالها وأنماطها وعواقبها.

الشعور بالخطر الداهم دفع باتجاه الدمج بين المسألتين، الهجرة المؤدية إلى الفوضى الاجتماعية والتشدد المؤدي إلى الإرهاب. والتداخل بينهما قائم بالفعل، ولكنه لا يصل إلى الكلية. لا بد من مراجعة هذا الدمج التعسفي.

في مسألة العلاقة بين الجزء ذي الوجه المسلم ضمن المجتمع الفرنسي وسائر هذا المجتمع، ثمة ضرورة قطعية لضبط الدائرة الثالثة ضمن ما تتيحه النظم القائمة، وحاجة مفيدة لتفهم سائر الدائرة الثانية مع تجنب افتراض الانعزالية فيها والتنبه إليها في آن واحد، وواجب معنوي ثابت لاحترام جمهور الدائرة الأولى على ما هو عليه والإقرار التلقائي باكتمال "فرنسيته" وإن احتفظ بوجه من الخصوصية. وفي موضوع الهجرة، لا بد من حوار وطني موضوعي، على صعوبته، لتجاوز القصور والتقصير.

والخطوات التي دفع الرئيس ماكرون باتجاهها فيها الكثير من المضمون البنَّاء. أما العودة إلى موضوع الحجاب، أي ضرب حق الفتيات والنساء عند أطراف الدائرة الثانية، ففيه اختلاط في الأولويات.

آليات تمكين الفتيات والنساء عموماً من الاستسلام للإكراه أو الخضوع للترعيب، لا بد أن تتشكل، وأن تكون القيادة النظرية والعملية فيها للنساء اللواتي عشن هذه التجارب المريرة. أما أن تلجأ السلطات التشريعية إلى فرض مشيئتها على أجساد النساء للتعويض عن عجزها عن معالجة هذه المواضيع الشائكة فأمر لا يليق بمنظومة سياسية تريد أن تكون وليدة الأنوار.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.