تيك توك
.

في مصر، تابع المهتمون، في أكثر من مرة، محاكمة فتيات يقدمن محتويات على التيك توك، يعتبرها البعض مسيئة لمنظومة قيمية معينة.

في السعودية، قتلت هديل الحارثي على يد أخيها بسبب حسابها على الإنستغرام، والتيك توك وما تقدمه عليهما.

وفي المغرب، تصدر "التريند" مؤخرا شاب ممن يحسبون على الظاهرة الجديدة: ظاهرة "المؤثرين"!

هذا الشاب دعا بقية الشباب للبحث عن عناوين الفتيات اللواتي يقدمن عروضا راقصة على التيك توك، بهدف إرسال رسائل لأسرهن أو تسليمها لهم شخصيا؛ ومن ثم الحضور، كشهود، على مشاهد العقاب والضرب التي قد تتعرض لها هؤلاء الفتيات من طرف أسرهن... وقد قام فعلا بمبادرة من هذا القبيل، حيث حضر للحظة غضب أم وضربها لابنتها... صوّر اللقطة ودعا باقي الشباب للقيام بنفس السلوك.

ليس ضروريا أن يعجبنا ما تقدمه هذه الفتاة أو تلك على مواقع التواصل. الإنترنت يقدم لنا ملايين المحتويات التي تتنوع بين الرقص وتحليل الكتب ونقد الأفلام وفيديوهات "روتيني اليومي" ووصفات الطبخ وفيديوهات تعليم اللغات وغيرها... حين تجد نفسك أمام محتوى لا يناسبك، لسبب ما، فالسلوك الطبيعي هو ألا تشاهده أو أن تضغط على الاختيارات التي تتيحها معظم المواقع، لكي لا تقترح عليك محتويات مشابهة.

أما أن تتابعها وتسب أصحابها، فهذا سلوك مرضي لشخص يريد أن يعطي للعالم صورة مخالفة عما هو عليه (وإلا، فكيف اطلع على هذا المحتوى الذي يبدو له رديئا أو مخلا بالأخلاق) أو شخص يريد ممارسة الوصاية على الغير. على أي أساس تقرر إن كان من حق هؤلاء الفتيات نشر هذا المحتوى أو ذاك؟ أي مشروعية لك في تحديد اختياراتهن الخاصة؟

ثم، لماذا انزعج هذا الشخص، كما ينزعج الكثيرون مثله في مصر والسعودية والسودان وفلسطين.. من الشرائط التي تقدمها الفتيات على التيك توك أو غيرها من المنصات؛ في حين أن هناك محتويات أخرى كثيرة يقدمها الشباب؟ هل هذا يعني أنه لا يوجد محتوى "مزعج" لرهافة حسهم يقدمه شبان من جنسهم؟ أم أن الانزعاج والرغبة في الدفاع عن الأخلاق لا تعبر عن نفسها إلا حين يكون صاحب المحتوى... فتاة؟

في النهاية، الإشكال هو نفسه، منذ قرون! الاختلاف الوحيد يوجد في أنماط التعبير عنه... 

أما المشكل الحقيقي، فهو أولا هوس البعض بأجساد النساء ورغبتهم المترسخة في ممارسة الوصاية عليهن؛ وهو ثانيا ربط الكثيرين للأخلاق والشرف بأجساد النساء وبجناسيتهن، بشكل حصري. انطلاقا من الحجاب للتحكم في جسد المرأة وممارسة الوصاية عليه، إلى الهوس بغشاء البكارة، وها نحن ننتقل اليوم إلى الحصار على وسائل التواصل التي تسمح لهؤلاء الفتيات بالتعبير عن أنفسهن بحرية. 

المشكل قد يكون مطروحا بالفعل حين يقدم أحدهم (رجلا أو امرأة) محتويات عنصرية أو محتويات تدعو للعنف أو الكراهية. ما دون ذلك، فلكل الحق في تقديم ما يشاء على مواقع التواصل. لا يهم أن نتفق مع ما يقدمه هؤلاء أو غيرهم. الحق الوحيد المتاح لنا هو الـ zapping... أن نتوقف عن متابعة حساباتهم وأن نتابع محتويات أخرى تشبه تطلعاتنا... أما أن نمارس الوصاية باسم دفاع كاذب عن الأخلاق، فالأمر في الواقع لا يتجاوز عقلية ذكورية ترغب في التحكم في اختيارات النساء... باسم الأخلاق!

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.