ها هي فرنسا آخر الدول التي كانت مهتمة بإنقاذ لبنان
ها هي فرنسا آخر الدول التي كانت مهتمة بإنقاذ لبنان

 هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها نشر أخبار عن لقاءات "سرية" بين "مسؤولين أمنيين" سعوديين وسوريين. قبل سنوات، كان "الحدث" خبرا معلوماتيا عن زيارة قام بها إلى الرياض نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية اللواء علي مملوك. يوم الإثنين الأخير، كان "الحدث" أن رئيس المخابرات السعودية الفريق خالد الحميدان، هو من قام بزيارة مملوك، في دمشق.

وكما في المرة الأولى، كذلك هذه المرة تم تحميل هذه المعلومات كما هائلا من التحليلات التي بقيت ضمن المعقول في خصوص استشراف انعكاساتها على عدد من الملفات، ولكنها، بمجرد أن لامست الملف اللبناني، حلقت في فضاءات الذهول حتى لا نقول "الهذيان"، إذ سارع البعض الى اعتبار أن بشار الأسد يتهيأ لاستعادة ما فقده من نفوذ في "بلاد الأرز".

تسند هذه "النبوءة" نفسها إلى عدد من "القواعد"، من بينها أن المملكة العربية السعودية التي أخرجت نفسها من دعم المعارضة السورية، قبل سنوات، ونأت بنفسها عن دعم "حلفائها" التقليديين في لبنان، تطمح إلى أن تقوي نفوذ الأسد حتى يضعف سيطرة إيران وأدواتها العسكرية على سوريا ولبنان، ويكون سدا "عربيا" في مواجهة التمدد التركي.

وتنطلق هذه "النبوءة" من وضعية لبنان الراهنة، إذ إنه تصدر، بسرعة البرق، قائمة "الدول الفاشلة"، وتاليا فهو بات بحاجة الى "وصاية خارجية". وتغذي "النبوءة" نفسها من واقع دولي وإقليمي متغير، فالولايات المتحدة الأميركية لا تضع لبنان حتى في "ذيل" اهتماماتها، وإسرائيل التي تتطلع إلى توسيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، تبدي ارتياحها لروسيا في سوريا التي لا تكتفي بإتاحة المجال أمامها لضرب إيران ومنشآتها في سوريا، بل تسعى إلى عقد اتفاق سلام بينها وبين نظام الأسد الذي ساهمت، مرارا، في منع إسقاطه.

كل هذه الوقائع قد تكون صحيحة، ولكنها، بالمحصلة، لا تسمح باستشراف إعادة بشار الأسد "المنهك" و"المحتل" إلى لبنان، بل، يتم استعمالها، عن رغبة هنا وعن "هلع" هناك، تسويقا لتعزيز سيطرة "حزب الله" على البلاد، بحيث يتم تخيير اللبنانيين عموما ومعارضيه الذين باتت تتقدمهم بكركي خصوصا، بين حسن نصر الله وبشار الأسد.

وليس هناك من يصدق وجود فرق حقيقي بين نصر الله والأسد، فالاثنان "مرتهنان" لإرادة "الحرس الثوري الإيراني"، ولكن، في حمأة التغييرات الاستراتيجية في المنطقة التي أملاها وصول الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، ترسل الدول المعنية بهذه المتغيرات، رسائل "ود" إلى روسيا و"لفت انتباه" إلى الولايات المتحدة الأميركية، و"تحذير" إلى الاتحاد الأوروبي، على عتبة حلول الربع ساعة الأخيرة للبت بمصير الاتفاق النووي مع إيران.

وفيما تبذل روسيا كل ما في وسعها لتعويم نظام الأسد، فإن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يرفضان كل تعويم للنظام السوري، بأي شكل من الأشكال، قبل التزامه بإحداث تغيير جذري، وفقا لمندرجات القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وإحالة جرائم الحرب ولا سيما الكيميائية منها، على المحاكم المختصة.

ولكن من أين للبنانيين ألا يصدقوا كل ما يثير هلعهم، وهم يلمسون، يوما بعد يوم، الانهيار الكامل لوطنهم وتحلل دولتهم؟

وها هي فرنسا، آخر الدول التي كانت مهتمة بإنقاذ لبنان، تخصص زيارة وزير خارجيتها جان إيف لودريان لبيروت، من أجل نفض يدها من الطبقة السياسية، وتاليا من التصور الإنقاذي الذي سبق أن أخذته على عاتقها.

إن متابعة كواليس هذه الزيارة تبين أن لودريان لم يثر موضوع تشكيل الحكومة، بشكل جدي، لا مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب ميشال عون ونبيه بري اللذين زارهما، ولا مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري الذي استقبله في مقر إقامته في قصر الصنوبر.

وقال لودريان للشخصيات التي التقاها، بصفتها ممثلة المجتمع المدني في لبنان، إنه التقى "الرؤساء الثلاثة"، بفعل الاضطرار البروتوكولي، وليس رغبة منه في ذلك.

لودريان الذي اختار عدم عقد أي اجتماع مع أي فئة سياسية ممثلة في البرلمان، أوصل لهم رسالة واضحة المضامين: جميعكم مسؤول عن شل المسار السياسي، وعن عدم السير بالإصلاحات المطلوبة، ونحن نعرفكم اسما اسما، ولم تعد أبواب فرنسا مفتوحة أمامكم، والآتي أعظم، سواء بما سوف نتخذه من إجراءات وطنية أو ما سوف نتفق عليه مع شركائنا الأوروبيين والدوليين.

والأهم من الإجراءات والعقوبات التي تحدث عنها لودريان، كان في تأكيده، قولا وسلوكا، أن بلاده لن تخرج من لبنان بل من منازل طبقتها السياسية، لتحصر اهتمامها في مساعدة المجتمع المدني لتساعده في مساعيه الرامية إلى "إيجاد بدائل".

وفي إشارة لافتة، دعا القوى المنبثقة من "ثورة 17 أكتوبر" إلى توحيد جهودها تفعيلا لحضورها على الساحة اللبنانية، الأمر الذي يرفع من منسوب جاذبيتها في المنتديات الدولية، على اختلافها.

القول إن لبنان في خطر كبير، هو قول بات "كلاسيكيا". قيل بكل لغات الأرض وعلى ألسنة الجميع. استعمله كثيرون لتحريض الطبقة السياسية على انتهاج درب التضحيات والتفاني، تحقيقا للإنقاذ، لكن أغلبية هذه الطبقة، أهملته لمصلحة صراعاتها وطموحاتها ومصالحها وصفقاتها وتبعياتها التي كانت هي السبب وراء وصول لبنان إلى الدرك الذي وصل إليه.

إن من يرمي وطنه، عن وعي، في جهنم، يفعل كل ما هو مذهل، ولهذا لا يعاب على أحد إن اعتبر أن هؤلاء الحكام هم جزء من مؤامرة تهدف إلى إعادة توكيل وصي قديم على لبنان، هو النظام السوري، أو تكريس وضعه في عهدة "الوصي البديل" وهو "حزب الله" بصفته نقطة التقاء بين مصالح إيران من جهة ومصالح النظام السوري من جهة أخرى.

من الواضح أن إعادة الاعتبار لمفهوم إنقاذ لبنان لم يعد بيد الطبقة السياسية الحاكمة، بل أضحى بيد المجتمع المدني عموما ومن يطلقون على أنفسهم لقب "ثوار" خصوصا.

إن المجتمع الدولي، بعد التغيير الحاصل في الموقف الفرنسي، يفتح ذراعيه للمجتمع المدني اللبناني، ولكن الأسئلة التي تقلق الجميع كثيرة: هل هذا المجتمع هو، في الممارسة، أفضل من الطبقة السياسية؟ وهل هو قادر على توحيد طاقاته؟ وهل يملك أدوات تنظيف نفسه من الاختراقات المحبطة لأي إنجاز؟ وهل يمكنه أن يعيد الثقة إلى الشعب ليعود إلى الشارع؟ هل هناك قوى مترددة يمكن أن تطل على الساحة وتقود المواجهة؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة قادرة على رسم مستقبل لبنان، فإن كانت إيجابية فالضوء سيلوح في "آخر النفق"، وإن كانت سلبية، فبلاد الأرز تحكم على نفسها أن تذهب "فرق عملة" على طاولة الكبار.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.