أنتوني هوبكنز لا يجيد الأداء هنا لأنه ممثل محترف أو لاستناده إلى نص محكم فقط.
أنتوني هوبكنز لا يجيد الأداء هنا لأنه ممثل محترف أو لاستناده إلى نص محكم فقط. | Source: Youtube - Movie Trailers Source

منذ بدايتها قبل عام ونصف، عجّلت جائحة كورونا من موت الآلاف من كبار السن الذين كانوا على قائمة الانتظار القدرية، ويكاد لا يخلو منزل حول العالم من حالة فقد لأحدهم، أجداد، أم أو أب، أخوال أو عمات، ما أضفى على هذه المرحلة الزمنية العسيرة صفة الأسى الذي خلفه غياب هؤلاء الأحبة الذين يشكلون مظلة الأهل، وكأن العالم بات يتيماً بشكل غير مجازي.

يشكل كبار السن الذين يمضون أوقاتهم الأخيرة في دور العجزة، أو يحظون بعطف أبنائهم ورعايتهم في المنزل، الملامح العامة لصورتنا -نحن- في السنوات غير البعيدة القادمة، وصورة أبنائنا وجميع الأجيال القادمة في المستقبل. قد تبدو هذه الصورة كئيبة للبعض إن أمعن التدقيق في تفاصيلها، لكنه سيسلّم بها حيث لا مهرب من دورة الحياة الطبيعية لكل حيّ.

كل يوم، وفي كل مكان، يواجه العديد من الناس مثل هذه التجارب المضنية التي يمر بها أحد أحبتهم الكبار في صراعهم وتشبثهم لأجل البقاء ساعات أو أشهر مضافة، بما تعنيه هذه التجارب للأبناء من تشكل ذاكرة مريرة تتراكم إثر مراقبتهم للتحولات الجسدية المؤسفة لشيخوخة أحبائهم، المترافقة مع تلاشي الإدراك والقوى والقدرات، دون أن يكون بوسعهم في كثير من الأحيان تقديم المساعدة الحقيقية لهم.

في مواجهة مثل هذه التجارب، يتوقف المرء ويتساءل عن ماهية المساعدة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها، سواء للمصاب بأمراض مزمنة أم بأمراض الذهان الأشد وطأة، وهل الدواء والغذاء وملاءات السرير النظيفة هي أقصى احتياجات كبار السن؟

أسئلة صعبة يجرب فيلم "الأب The Father" أن يمنح مشاهده فرصة للتفكير بها ملياً قبل الإجابة عليها، وهو فيلم يتداخل فيه البعد الوجودي لمعنى الحياة، بالبعد العاطفي والأخلاقي لواجبات الإنسانية في تعاملها مع بعضها، ليشكلا معاً رؤية فلسفية للمصير العبثي الذي تنتهي به حياة الفرد، مهما صال وجال في ماضيه، ومهما علا شأنه، وأياً تكن سيرته الذاتية أو قيمته الاجتماعية.

من جانب آخر، يمكن فهم هذه الرؤية من زاوية الرغبة الحثيثة لإزاحة هيمنة المنظومة البطريركية أو مفهوم النظام الأبوي، وقد بات -بحسب هذه الرؤية- خرِفاً، فاقداً لعقله، مهترئاً بنيوياً، حتى وإن بدا مهيباً ومتماسكاً، مختلاً في توازنه، متشبثاً بأهداب الماضي وعظمته، لا يفسح للتغيير والحداثة في المجال، مبتزاً للعواطف بذرائع ملتوية، وفارضاً لواجبات قسرية لا يلين في تخفيف حدتها.

الأب، الذي يُحتمل أن العقل بذاته هو المقصود به، أي "أبو" كل جسد، الصانع لعقلنته وأمجاده، المزهو بخيلائه وجمال حاله، المتحكم في مسيرته، المهيمن على كل تفصيل وشريان وخلية ونفَس، ومصير هذا الجسد حين يبتدئ أبوه العقل بالخرف.

بحيث تصب جميع هذه الرؤى والتفسيرات في نهاية الأمر لتدعم تفرد بنيته الدرامية المتينة والإشكالية، المقتبسة في جوهرها عن مسرحية تحمل الاسم ذاته، للفرنسي فلوريان زيلر، الذي كتب بدوره سيناريو الفيلم بمشاركة السيناريست البريطاني، كريستوفر هامبتون، وأخرجه وقدمه للجمهور على أنه دراما وجدانية تتحدث في ظاهرها عن الشيخوخة.

لكنها في عمقها دراما وجودية ينهمك الفرنسيون بها منذ سنوات كهواجس ملحة تدعو إلى التأمل، وتعكس قلقاً لم يعد خفياً من آثار التداعي والبرود العاطفي للأسرة في المجتمع الفرنسي الحديث، وتحاول عبر الفنون أن تفسر القسوة التي باتت تغلف بشكل عام العلاقات الأسرية المتبادلة.

يحكي الفيلم قصة الأب أنتوني الذي يعاني من الخرف، وهي الشخصية والقصة التي بني عليهما النص بأكمله، لعبها النجم العالمي، أنتوني هوبكنز، واستحق عن دوره جائزة أفضل ممثل في حفل الأوسكار قبل أيام. يطوف الكاتب مثل متسلل خبير عبر دهاليز عقل بطله، يفتح الأبواب الموصدة، أو يكسر أقفالها أحياناً ليخرج منها المخفي والمسكوت عنه والمشتهى، كاشفاً البنية العقلية للإنسان في شيخوخته، والتي تكاد تلامس نعمة التحرر من الأنا العليا وضوابطها.

في عالم الخرف، كل شيء مباح، أن تسترجع ماضيك كذكريات حميمة أو فضائح محرجة. يمكنك أن تمنح مخيلتك ما تشاء من المساحات للعب، وأن تستحضر من أحببتهم حقاً في يوم من الأيام، أو كرهتهم بصدق مماثل، حيث لا مجال هنا ولا وقت إلا للصدق، واللعب المتاح بين الواقع والتخيل، ليس لعباً درامياً تنسجه مخيلة كاتب فقط، بل هو حقيقة موجعة يعيشها مرضى الخرف الأقرب بأعراضه من مرض ألزهايمر.

أنتوني هوبكنز لا يجيد الأداء هنا لأنه ممثل محترف أو لاستناده إلى نص محكم فقط، بل سيبدو لوهلة وكأنه يتحرك بدافع من ذعر خفي، وربما ترحيبه المسبق، لمصير مشابه قد يعيشه بعد سنوات وهو يقترب من سن الثمانين. بحيث يبدو الفيلم مع اكتماله وكأنه صمم ليكون أشبه بـ"بروفا" عامة يجهز الكاتب نفسه لها قبل حدوثها بعد سنوات، وكذلك الممثل وطاقم العمل، وكل مشاهد يتابع الفيلم.

دهاليز العقل التي يرسمها الكاتب المخرج بأناقة تشبه مهارة عمل بطله كمهندس معماري سابق، هي دهاليز بيته الأنيق ذاته، الخائف من احتمال فقدانه أو السطو عليه من قبل أقرب المقربين، الذين يحبهم والذين يكرههم معاً، لأن هذه الدهاليز، أروقة بيته، هي المكان الآمن، الذاكرة، المنزل الذي أمضى فيه حياته، ولا يرغب في مغادرته.

بحيث تُختصر الحكاية بالمنزل، بتفسيراته الوجدانية المتعددة كسكن ووطن وملاذ ومظلة وجسد وعقل، وأي خروج منه يعني الانهيار العاطفي، وهو في حقيقة الأمر ما يعانيه أي مصاب بأحد أمراض الذهان، حين يجبر على الخروج لتمضية ما تبقى من سنوات عمره في أحد دور العجزة الباردة عاطفياً، والتي تعني له الموت النفسي بكل قسوته.

في العودة إلى التساؤل العام عما يحتاجه كبار السن من احتياجات رئيسة، يبدو الجواب بسيطاً للغاية، إن أردت أن ترعاه مدفوعاً بواجبك الأخلاقي، لا تخرجه من منزله، وحين تقدم له وجباته من الطعام الصحي، لا تنسى أن تقدم له قبله جرعات وافية من الحب. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.