تفجير في العراق (أرشيفية)
تفجير في العراق (أرشيفية)

يشابه التجاور الجغرافي القدر المحتوم على الدول، ويفرض التعامل معه كواقع وليس خيار، وغالباً ما تنحصر العلاقات بين الدول المتجاورة في شكلَين لا ثالث لهما؛ فهي إما أن تكون علاقات تفاعل ايجابي، قائمة على أساس التعاون واحترام الآخر وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. أو أنها تتخذ شكل علاقات تصارعية، تقوم على أساس التنافس والتناحر أو التنازع والصراع.  

إلا أن وجود أكثر مِن دولة عربية في صدارة تصنيف الدول الهشّة، بات يفرض نمطاً جديداً  للتصارع في العلاقات بين الدول المتجاورة في مناطق الشرق الأوسط، إذ تحولت هذه البلدان الهشة إلى ساحة لتصفية الصراعات ولتبادل رسائل القوّة بين الدول المتصارعة على النفوذ الإقليمي، ولا يتخذ شكل الصراع مواجهة مباشرة بين الجيوش العسكرية، بل تنفذ أجندة الصراع عن طريق الوكلاء المحليين على شاكله المليشيات أو المافيات السياسية أو أمراء الطوائف والحروب.  

من يتابع أخبار لبنان، يتأكّد بأنَّ الحلول التي حملها (اتفاق الطائف) برعاية خارجية كانت بمثابة ضمان لتهدئة الأوضاع وليس حلاً لأزمة الصراع على الدولة، لأنَّ هدفه الدول الخارجية الراعية للاتفاق كان ضمان تقاسم السلطة بين مَن يقدمون أنفسَهم على أنهم زعماء الطوائف، الذين ابتلعوا الدولةَ واقتصادها وتقاسموا مؤسساتها، وبدلاً من أن يبنوا دولة واقتصاداً يضمن مستوى معاشي لأغلب المواطنين، ونجحوا في التأسيس لاقتصاد المافيات المرتبط بالاوليغارشيات الحزبية. والمفارقة المؤلمة لا يزال الكثير من اللبنانيين يراهنون على أن الحلول تأتي برعاية خارجية، ولذلك هم يتنظرون التدخل الفرنسيّ لحلّ أزمة تشكيل الحكومة! 

ورغم الانهيار الاقتصادي والانسداد السياسي في لبنان، إلا أنه يبدو أفضل حالاً مقارنة بما يحدث باليمن! فاليمن تعاني الدمار والفوضى على كافة المستويات، وتواجه عجزاً واضحاً في مواجهة ثالوث الموت: الفقر والمرض والحرب. وتتنظر مبادرات الحلول من الخارج، لأنَّ حربها هي تعبير عن صراعات النفوذ بين السعودية وإيران. وتبقى أرقام الوفيات وتزايد أعداد المجاعة بانتظار أن تلتفت الأطراف الإقليمية لحلّ مشكلة اليمن، لأنَّ الأطراف الداخلية المتصارعة لا تملك قراراً لحسم المعركة فهي بيادق في رقعة الشطرنج، إذ لا تزال اللعبة مفتوحةً بين الدول الإقليمية المتصارعة على النفوذ.   

أمّا سوريا، وبعد أن خلَّفت حربها آلاف القتلى ودمار مدنها وتشريد أهلها، لم تعد الدول الإقليمية والقوى الدولية الكبرى التي دخلت على خط الأزمة معنيّة ببقاء نظام الأسد أو زواله! وتحوَّل الموضوعُ إلى كيفية إدارة الفوضى ومناطق النفوذ للقوى الإقليمية والدولية المتداخلة في ملف الصراع السوري. ولذلك فشلت كلُّ مراهنات قوى المعارضة السياسية على تغيير النظام، وأصبحت خارج معادلة حل المعضلة السورية! لم يتعلَّم السوريون من المأزق العراقي، بأنَّ معارضةً برعاية إقليمية لا تسقط نظاماً شمولياً أو دكتاتوريّ، بل تحوّل المعارضين إلى ورقة ضغط ضدّ نظام بلدهم لا أكثر ولا أقل. 

وكأنما قدر الجغرافيا المحتوم أراد أن يختبر العراق بجيرانه، فهو مُحاط بين أقطاب إقليمية متصارعة على طوال التاريخ، فالعراق ليس مكاناً يمكن تجاهله أو عزله، بل يمكن فقط التنافس عليه أو التنافس به وهو في الحالتَين كان ولا يزال الخاسر الوحيد. مشكلة العراق في الوقت الراهن ليست في أن جيرانه يتدخلون، بل في أنه عاجز عن أن يؤسس لنفسه هوية تجعله خارج إطار صراع الجيران، بل والأهم من ذلك، أن لا تجعله ساحة لتصفية الحسابات بين هؤلاء الجيران.  

وجميع دول الجوار أرادوا استثمار هشاشة الوضع العراقي لتحقيق مكاسب أو لدرء مخاوف، أو لربح نفوذ تفاوضيّ، أو لمجرد البحث عن دَور. وما زالوا يمسكون بأهم خيوط اللعبة العراقية، ولذلك بات التفكير في حلول للمأزق العراقي يستلزم استحضار دور الدول المجاورة.  

بلد مثل العراق الذي أثخنت جراحته التدخلاتُ الخارجية، لا يمكن أن يبقى ساحةً لمباريات التنافس والصراع، ولا يمكن أن تفرح الحكومات بدور ساعي البريد بين أميركا وإيران من جهة، وبين إيران والسعودية من جهة أخرى. والتهويل بدور الحكومة بتقريب وجهات النظر بين هذه الأطراف المتصارعة يجب أن يكون بضمانات لمصلحة العراق، وإذا كان هو الخاسر الوحيد في صراعاتهم، فما هي الضمانات بمعالجة مخلفات تدخلاتهم من فوضى وإرهاب ورعاية وحماية الفاسدين! 

وعندما تفشل الحكومات في مواجهة قوى اللادولة التي باتت خاصرتها الرخوة التي تنَفذ من خلالها التدخلات الخارجية وتنُفذ أجندتها بكلّ تفاني وإخلاص، عليها أن لا تفكر بأن رعايتها لاجتماعات أطراف الصراع الإقليمي تجعلها قادرة على استعادة دورها كدولة فاعلة وليست تابعة لأيّ مِن أطراف الحوار! 

والتعويل على حلّ أزماتنا من خلال الرهان على لقاءات التهدئة العَلَنية أو السريّة بين الدولة صاحبة النفوذ، هو نوع من الأوهام، فهو كمن يريد معالجة مرض السرطان بجرعات البنادول! فالجميع متورطون بدماء شعوبنا ولا اتفاقهم يراعي مصالح دولهم، ولا يأخذ بالحسبان الفوضى التي خلّفتها رعايتهم لقوى اللادولة التي تعيث في الأرض فساداً. 

على الرغم من ذلك، ويبدو أن هناك حراك دبلوماسي لحلحلة مشاكل الصراع بين أقطاب التنافس الإقليمي، لا سيما بعد أن أدرك جميع الفرقاء الدوليين المتصارعين أن إدارة بايدن ليست لديها خطط جديدة نحو المنطقة وصراعاتها الفوضوية. فالعيش في ظلّ هذه البيئة المأزومة بصراع المحاور الإقليمية، قد يجعل أي مساعي دبلوماسية يحمل بادرة أمل نحو الاستقرار في البلدان التي تحوّلت إلى ساحة لهذه الصراعات، وعلى أمل أن تخفف من حدة وضراوة وخطر الصراعات التي حوّلت الدول الهشّة في بلدان الشَّرق الأوسط إلى بلدان منكوبة بالموت والدّمار وتسلط الفاسدين.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.