النساء العاملات في المنازل يتعرضن لانتهاكات واسعة.
النساء العاملات في المنازل يتعرضن لانتهاكات واسعة.

كل من اشتغل على مقاربة مُكَوّنات الوعي العربي منذ جاهلية العرب الأولى، وإلى اليوم؛ لاحظ غيابَ الإنسان ـ الإنسان مجردا من كل الاعتبارات والصفات والإضافات ـ من الهَمّ والاهتمام الذي ينتظم هذه المكونات. وما اشتغال المفكر الإسلامي القدير/ محمد أركون على بعض تجليات النزعة الإنسانية عند بعض مفكري العرب القدماء (التوحيدي ومسكويه في القرن الرابع الهجري تحديدا) إلا دليل عن ضمور هذه النزعة/ هذا البُعْد، وكونه محدودا في مسار اشتغال العقل العربي الإسلامي على مدى أربعة عشر قرنا.  

الوعي العربي في صحرائه الأولى تأسس على مبدأ افتراسي: "ومن لا يظلم الناس يظلم"، و"رهبوت خير من رحموت"، و"أحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا"، و"بُغاة ظالمين وما ظلمنا ولكنا سنبدأ ظالمينا"...إلخ تجليات هذا العقل الافتراسي الذي يكون فيه الإنسان غائبا، وإن حضر لا يحضر إلا بمجرد كونه مادة لفعل الإلغاء المستمر الذي يُعَزّز من فعل الإلغاء ذاته في الوعي العربي/ الإسلامي العام. 

عندما جاء الإسلام بمبادئ تضع الإنسان ـ من حيث وجوده الأعم ـ على خط الرحمة الإلهية التي تتنزّل في الواقع رحمة إنسانية، أي "تكريم الإنسان لأخيه الإنسان"؛ جرى ـ في سياق التجاذبات العقائدية/ السياسية اللاحقة ـ تكييف وتأطير "هذا البعد الإنساني" ليكون بُعْدا عقائديا يتضمن المُفَاصَلة أصالة، أي ليكون داعما لمسيرة تعزيز الانتماءات الذاتية، في علاقتها التحيّزية ضد الآخر. ومن ثَمَّ، ليعود الإنسان العربي الجاهلي المتعنصر حول ذاته، ولكن بثوب جديد، بادعاء جديد، بعنصرية مضاعفة، لا تكتفي بادعاءات التفوق المادي/ القوة؛ حتى تُضِيف إليها ادعاءات الاصطفاء الإلهي، التي تتضمن ـ ولو على سبيل المتصور الضمني ـ تسخيرَ بقية البشر لهذا "الإنسان المسلم المختار"!

كل هذا تأكد على امتداد التاريخ: تاريخ تكوين الوعي العربي، وتاريخ تكوين الواقع العربي. أصبح "الإنسان" في المُتَصوّر العام/ السائد هو "إنسان"؛ وفقا لموقعه من دوائر انتماء الأنا. الموقع الديني مُحَدِّد أساس، ويتبعه الموقع المذهبي/ الموقع الطائفي، كما أن الموقع العِرقي: القبلي أو الشعبي، قد يفوق الدين والمذهبي أهمية وحضورا في كثير من الأحيان، وأيضا الموقع الوطني/ الجغرافي، الذي قد يتمظهر أحيانا في انتماء على مستوى منطقة أو مدينة أو حتى على مستوى قرية صغيرة نائية ضائعة في اتساع المكان والزمان. وطبعا، قد تضيق الدائرة في انجذابات أنانيّتها؛ ليكون "الإنسان" هو الأنا المتفردة، هو وحده المقصود في قوله: يجب الحفاظ على حقوق الإنسان، يجب احترام الإنسان، يجب تكريم الإنسان. 

تؤكد نظريات التحيّز ملازمة التحيّز للوعي الإنساني. أي أن الإنسان بطبعه كائن متحيز، متحيز لنفسه، ولعائلته، ولقبيلته، ولدينه، ولمذهبه، ولوطنه، ولقريته، ولوظيفته: التحيّز المهني، ولتاريخه، وللغته، وحتى لطعامه المفضل، ولِمُغنّيه المفضل أيضا.. إلخ، علائق الانتماء التي تفرض تصورا متحيزا واعيا أو غير واعٍ. لكن هناك فرق كبير/ فرق حاسم بين وجود هذا التحيّز ابتداء، وبين طبيعة الاشتغال عليه وعيا. فرق كبير بين الاستسلام ـ الواعي أو اللاّواعي ـ لهذا التحيّز، بل وتنميته وتغذيته ليأخذ ـ في بعض الأحيان ـ أبعادا افتراسية صريحة أو غير صريحة، وبين الاشتغال عليه، فَهْمَاً في البداية، ومن ثَمَّ، تفكيكا وتحويرا وتأطيرا.. وصولا إلى تَكييفِه ليشتغل بما يخدم البعد الإنساني العام، أي ليخدم في النهاية عملية الانعتاق من متلازمات التحيّز السلبي: التحيّز الذي يشترط الإنسان بما يُضَاف ـ لاحقا ـ إلى هذا الإنسان.

لا يمكن لعملية "أنسنة الوعي العربي" أن تشتغل ـ ولو في حدّها الأدنى ـ إيجابيا؛ ما لم نُحلّل ونُفَكّك كل هذه التحيّزات التي تُعِيق رؤية الإنسان في الإنسان. وبلا شك، فإن غياب خطاب الإنسان على امتداد التاريخ العربي ـ وعيا وواقعا ـ يجعل المهمة أصعب، وبالتالي، يستلزم عملا مضاعفا في محاولة استدراك تاريخي؛ موازيا لعملية تشييد آني للإنسان في الواقع العربي: الفكري والعملي.

لا شك أن البداية قد تكون بالصدمة أو بما يشبه الصدمة. أي بوضع الأنا التحيّزية / كلَّ أنا؛ في مُواجَهة صَادمة مع موقفها اللاّإنساني، في مواجهة تصوّراتها اللاّإنسانية، كما في مواجهة مَسْلَكياتها اللاّإنسانية أيضا. فكثيرون يعتقدون ـ على مستوى التصور الواعي ـ أنهم "إنسانيون"، أو ـ على الأقل ـ أنهم ليسوا "غير إنسانيين" بالحد الذي يجعل منهم منتهكين أساسيين لحقوق الإنسان: متوحشين/ افتراسيين. بمعنى، أنهم ـ تحت ضغط اشتغال المبدأ التحيزّي ـ لا يرون في تصوراتهم، ولا في مسلكياتهم، أيَّ مؤشرات لانتهاك لحقوق الإنسان، بل لربما تصوّرا أنفسَهم إنسانيين؛ جرّاء مُقَارنات ومُوازنات غير عادلة، وطبعا، غير إنسانية في الأساس.

أحيانا، ولكون بعضنا يشتغل على "المبدأ الإنساني" ضمن حدود دائرة من دوائر انتمائه، يتخيّل أنه إنساني بالضرورة؛ بينما هو لا يشتغل على المبدأ الإنساني ذاته في دوائر أخرى لا ينتمي إليها، بل قد يكون في بعضها على الضد تماما ـ تصورا أو مسلكا؛ أو تصورا ومسلكا ـ من المبدأ الإنساني الذي يُصبح ـ في مثل هذه الحال ـ خاضعا لتكييف خاص يفرغه في النهاية من مضمونه الأصيل. 

مثلا، المرأة، وعبر تاريخ الإنسانية الطويل، تعرّضت لاضطهاد وقهر، بل واستعباد لا تزال بعض ملامحه حاضرة في كثير من المجتمعات الإنسانية اليوم، حتى في بعض جيوب العالم المتقدم. لهذا، عندما تُطرح مسألة حقوق المرأة الإنسانية، من الطبيعي أن تتفاعل معها المرأة على وجه العموم؛ بصفتها مسألة ذاتيّة تخصها كامرأة، وبصفتها مسألة إنسانية عامة، تتعلق باضطهاد وقع على شريحة إنسانية كبيرة متمددة باتساع الجغرافيا وبعمق التاريخ.   

هنا، الوضع طبيعي. ما ليس طبيعيا، أن يكون تفاعل المرأة ـ أية امرأة ـ مع هذه القضية مرتبط بشريحتها الاجتماعية خاصة، أي بالمرأة التي تقع هي في دائرة انتمائها؛ دون بقية شرائح النساء في هذا العالم، ممن يتعرض لاضطهاد أكبر بكثير، وـ بدرجة أخرى ـ دون بقية الشرائح الأخرى المُنْتهكة حقوقهم من غير النساء في هذا العالم، وهم كثير. ما يعني أن ما يبدو هنا تفاعلا إنسانيا، ليس هو كذلك في حقيقته، بل هو تفاعل تحيّزي، متعلق أصالة بمصالح الأنا، مُهْتَمٌّ أساسا بدفع ما يراه ظلما وقع على ذاته هو تحديدا؛ من حيث هو فلان أو علان، وليس من حيث هو إنسان.

كثيرا ما كتبت عن حقوق المرأة، وعن حقوق المرأة العربية على نحو أخص، وفي السياق: الحديث عن تهميشها ـ متعدد المستويات ـ منذ فجر التاريخ العربي، وصولا إلى جدلية حقوقها الراهنة،  وما تحقّق لها من مكتسبات قانونية/ نظامية، وعن الثقافة المجتمعية الموروثة التي لا تزال تنتهك كثيرا من حقوق المرأة/ حقوقها كإنسان له حق مساوٍ تماما لحق الرجل. وطبيعي جدا أن تحظى بالتفاعل الكبير مثل هذه الكتابات التي تلامس أوجاع كثيرات على امتداد العربي. وهو تفاعل ينطلق في الأساس/ في منطوقه الصريح، من مبدأ إنساني، ويُحِيل إلى مبدأ إنساني، ولا يحصر نفسه بكونه حديثا عن المرأة العربية تحديدا، حتى ولو كان الحديث عنها في أصل المقال.

لكن، عندما كتبت في بعض التغريدات التويترية عن "الحقوق الإنسانية للعاملات المنزليات"، وضرورة أن يحظين بمعاملة إنسانية لائقة تكون محل وعي مجتمعي عام (من تحديد ساعات العمل، وتقرير أيام إجازة.. إلخ الترتيبات التي يتعذّر على القوانين مراقبتها، بل لا بد من اشتغال الضمير المجتمعي عليها)؛ لم يحظ ما كتبته إلا بالقليل جدا من التفاعل، واللافت أن المرأة التي طالما تفاعلت مع كتاباتي عن حقوق المرأة، لم تتفاعل مع هذا إلا نادرا !، مع أنه ـ في المجمل ـ حديث عن "حقوق المرأة الإنسانية" ! 

السبب واضح هنا، وهو أن "العاملات" اللائي جرى الحديث عن حقوقهن لسن حاضرات في تويتر/ المنصة التي كتبت فيها عن حقوقهن؛ ليتفاعلن مع خطاب يؤكد على حقوقهن الخاصة. بينما الحاضرات الفاعلات لا تتقاطع "هذه الحقوق الخاصة" مع حقوقهن الإنسانية التي تشغلهن في دوائرهن الانتمائية الخاصة. بل على العكس، قد يتصوّرن أنهن الطرف المقابل المتهم بالتقصير في هذه الحقوق؛ على اعتبار أنهن من يدير مسارات التعامل اللاّمكتوبة (الخاضعة في كثير منها لتقدير إنساني مَرِن؛ يضبطه الشرط الثقافي أكثر مما يضبطه النظام !) مع العاملات. ما يعني أن دائرة التحيّز النسوية هنا تنقسم إلى دائرتين متمايزتين، بل ومتضادتين، فحقوق المرأة هنا/ في دائرة انتماء العاملات، لا تصبح مجرد حقوق نسوية لا تشغل بال المرأة في الدائرة الأخرى/ دائرة المستفيدات من عمل العاملات فحسب، بل تصبح حقوقا إنسانية للمرأة؛ لكنها لا تتحقق إلا على الضد من مصالح المرأة!

هذا يعني أن التوافر على "المبدأ الإنساني" في تأكيد كثير من النساء لحقوقهن ليس صادقا، أي ليس صادقا في "إنسانيته"، بل هو مجرد غطاء أيديولوجي لتوفير حق خاص، من حيث هو حق خاص، وليس من حيث هو حق إنساني عام. وقِسْ على ذلك كلَّ صور "التعاطف الإنساني" التي تشطر المبدأ الإنساني ـ في اللحظات الحاسمة المتعلقة بمنافع خاصة داخل دائرة الانتماء ـ إلى: إنسانية سَتُوفّر لي ـ على المدى القصير أو البعيد ـ فوائدَ/ عوائدَ مادية أو رمزية، وإنسانية ليس من المتوقع ـ لا على المدى القصير ولا على المدى البعيد ـ أن تُوفّر لي أيّاً من هذه الفوائد، التي اتضح أنها هي المحرك الأساسي لما أعده "اهتماما إنسانيا"؛ بينما هو محرك ذاتي، نفعي، خاص! 

لهذا، لن تكون "إنسانيا" حتى يكون تعاطفك الإنساني متجاوزا لكل دوائر انتمائك، لن تتحقق إنسانيتك حتى يشغلك الإنسان بما هو إنسان، أن تتأثر به، وتبكي لحاله لمجرد كونه إنسانا، وليس لأنه يشترك معك في دائرة انتماء ما، ولا لأنك تكون ـ أو ربما تكون ـ معه في سياق انتفاع مادي أو رمزي، على المدى القريب أو البعيد.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.