الحرب السورية - مفتشو الأمم المتحدة
"الكيانات السورية راهناً هي تمثيل دقيق لأشكال الصراعات والتوازنات الإقليمية تلك"

ستبقى سوريا على حالها هذه لمدة طويلة. سياقان سياسيان سوريان رئيسيان حدثا خلال الأسابيع الماضية، أثبتا أن تلك المقولة تكاد أن تكون الثابت الوحيد في المشهد السوري: مسرحية الانتخابات الرئاسية التي ينفذها النظام السوري بكامل أركانها الهزلية في مناطق حُكمه، دون أي اعتبار للحساسيات والتوازنات وتدهور الأحوال السورية.

إذ من بين الأشياء الكثيرة التي تقولها عملية إعادة انتخاب الأسد رئيساً لسوريا التي يحكمها، هو تفضيل النظام السوري حُكم بقعة مُحددة من سوريا بشكل مُطلق، أياً كانت مستويات تدهور أشكال الحياة داخلها، على أي شكل من الحُكم التوافقي، ينتج عن مساومة سياسية تُعيد ترتيب وتحسين عموم أحوال البلاد، ولصالح جميع المحكومين، بما فيهم مؤيدوه. 

السياق الثاني كان يتعلق بما نقلته وسائل الإعلام العالمية عن عرض روسي غير رسمي قدمته لكل من تركيا والولايات المُتحدة، يتمثل بالتوافق الثلاثي فيما بينهم على إيقافٍ طويل الأمد للصراع المُسلح بين النظام السوري والمعارضة وقوات سوريا الديمقراطية، ويؤدي تدريجياً إلى فتح المعابر الحدودية بين مناطق حُكمها الثلاث، يسمح للسكان والمواد بالتنقل السلس، ويسمح جزئياً بعودة المؤسسات الخدمية العمومية التي تديرها الحكومة السورية بشكل سيادي غير عسكري، كإصدار الوثائق العامة مثلاً.

فروسيا الحاكمة العُليا لأوسع بُقعة سورية، وعبر ذلك الطرح، إنما تقول إن تعايشاً مديداً مع هذا الواقع السوري، أكثر يُسراً من خلق أي حلول سياسية كلية متخيلة. 

على مثل تلك السياقات المذكورة، ثمة دلائل تفصيلية تكاد لا تُعد لكثرتها، تثبت كل واحدة منها أن الكيان السوري العمومي، بسلطة ذات شرعية في كافة مناطق البلاد، صار أمراً مستبعداً للغاية في الأفق القريب، وأن السوريين على مختلف حالتهم، سواء كانوا مهجرين أم في الداخل، مُجربون على التعامل مع هذا الواقع لأمد طويل، طال حتى الآن جيلاً كاملاً منهم، ورُبما يطول لأجيال كثيرة. 

سوريا موزعة راهناً على ثلاثة كيانات مرئية، منفصمة عن بعضها ومتصارعة فيما بينها والقلقة للغاية أكثر من أي سمة أخرى، وعدد من مناطق النفوذ غير المُعلنة ضمن تلك الكيانات، يديرها فصيل أو تشكيل أو حتى أمير حربٍ ما. وحيث أن ذلك الفصم الجغرافي يوازيه، وربما يتفوق عليه، فصام نفسي وسياسي بين الجماعات والجهويات والحساسيات السورية، التي تشعر باستحالة العيش المشترك من جديد.

إن هذه الحال السورية هي نتيجة موضوعية لتلاقي ثلاثة أشكال من الاستعصاء المرير: فالإرادات الإقليمية والدولية استعصت طوال عشر سنوات كاملة من أن تخلق فيما بينها أنواعاً من التوافق، تتجاوز سوريا عبرها موقع الملعب الذي تُصفَّى فيه الحسابات الإقليمية والدولية. وسوريا بموقعها وتنوع بنيتها الديموغرافية وحساسية الذاكرة الجمعية بين جماعاتها الأهلية، مؤهلة لشغل دور "الملعب" ذاك لأمد طويل منظور. فالكيانات السورية راهناً هي تمثيل دقيق لأشكال الصراعات والتوازنات الإقليمية تلك. 

الاستعصاء الثاني تمثل في التوازن الرهيب بين السوريين المتصارعين فيما بينهم. فعلى العكس من باقي بُقع الربيع العربي، التي حُسمت فيها المواجهة لصالح واحد أو آخر من القوى المجتمعية والسياسية في هذا البلد أو ذاك، وكلٌ حسب توازنات القوى داخله، إلا أن المسيرة السورية أثبتت شبه تعادل رهيب في القوة بين المتصارعين، بين نظام صفري مستعد لأي شيء في سبيل سُلطة مُطلقة، ومعارضة جذرية تستند لإرث مرير في مواجهة هذا النظام، يُستحال أن تستعاد الثقة به. 

كذلك ساعدت النخب السياسية السورية لأن تصل الحال السورية لما هي عليه. ربما لفقدانها لتجربة العمل السياسي لمدة طويلة، ولطبيعة نزعاتها الأيديولوجية/الثقافية التي كانت متفوقة على تفكيرها السياسي.

لتلك الأسباب لم تتمكن هذه النخب من خلق وإفراز طروحات سياسية واقعية قادرة على انتشال سوريا من الاستعصاء الذي غرقت فيه. بل بقيت تُفضل طُهرانية زائفة وخطابية على إنقاذ مجتمعاتها من هذه المأساة. وهي مستعدة لمزيد من ذلك، على انفصام موضوعي مُطلق عن الواقع، في سبيل أشكال مزيفة من القومية، تأخذ مرة ثوباً وطنياً وأخرى ثوباً إسلامياً، وهكذا.

بالنسبة لكتلة وازنة من السوريين، من غير ذوي الأيديولوجيا الوطنية البائسة أو الفكر الاستحواذي الشمولي، ليس ثمة مُشكلة في انقسام سوريا إلى كيانات فيدرالية أو كنفيدرالية داخلية، أو حتى انفصالها واستقلالها النهائي عن بعضها، تلك الأدوات التي قد تكون "حلاً" أو شكلاً ما لإدارة المجتمعات السورية لأحوالها.

فتلك المسارات قد توفر طيفاً من المميزات الاقتصادية والشرعية والسياسية، تُخرج المُجتمعات السورية من بؤسها وتساعدها على تطوير أشكال حياتها الداخلية. فأعمق ما في باطن وعي السوريين يميل للقول إن كل شيء في المحصلة أفضل مما يعيشونه راهنا. 

لكن حالة الدويلات السورية الراهنة مانعة لذلك تماماً. فالدويلات الثلاث، وما ضمنها من مناطق للنفوذ المحلي، الخاضعة لسُلطة أمراء الحرب، تفتقد لأي شرعية سياسية ودولية مساعدة لتطوير أشكال الحياة داخلها. كذلك يعتبر حاكموها أنفسهم خارج أي مسؤولية أو محاسبة مُمكنة، لذا يستطيعون فعل ما يجدونه مناسباً بحق المحكومين. لأجل ذلك بالضبط، فإن أحوال الناس وسُبل عيشهم وحقهم المُطلق بالأمان وإمكانية تطوير حيواتهم داخل تلك الدويلات، إنما تواجه تدهوراً مُتقادماً دون حد. 

فملايين الناس محرومون راهناً من حقهم البديهي في الحصول على وثائق رسمية مُعترف بها وخاضعة لسُلطة القانون مثلاً، وثائق تتعلق بأبسط أشكال الإجماع الآدمي، مثل الحق في المُلكية أو السفر أو النسب العائلي، ومثلهم ملايين آخرون محرومين من أي عملية تربوية مُعترف بها من مؤسسات دولتهم وما يناظرها من مؤسسات دولية، ومثلها أشياء أخرى أكثر بداهة، لا تُحصى.

في أوج تعبيرها، فإن الدويلات السورية هذه، التي ستعمر طويلاً وتفرز مزيداً من المآسي بحق ناسها، إنما تُثبت تعاضد عدد من السمات السياسية التي كانت ولا تزال تحيط بهذا البلد والعلاقات الدولية منذ عقود كثيرة، لكنها تكثفت وظهرت راهناً بشكل واضح تماماً. 

فتمركز الجغرافيا السياسية السورية على هذا الشكل، وما يوازيها من أشكال الانفصال النفسي والسياسي بين المجتمعات السورية، إنما يثبت أن السوريين كانوا على الدوام أقل من "شعب" واحد، وأن إرادة القهر وسلطة الدولة كانت أكثر فاعلية من إرادتهم الحُرة في العيش سويا، وأن مزيداً من المجتمعات والجغرافيات السورية تفضل ذلك النوع من الفصام، لكنها لا تستطيع أن تحققه بفعل علاقات القوة. 

فوق ذلك، فإنها تثبت أن السوريين بأغلبيتهم الواضحة، بالذات النُخب السياسية والثقافية منهم، يفضلون كل أشكال العراك والصراع على الدخول في مساومات بينية لخلق وئام عام يشكل دولة توافقية تدير أحوالهم العامة، ذلك التوافق الذي هو جوهر المجتمعات الراضية والمناحة للشرعية لكيانات دولها.  

كذلك تثبت هذه الدويلات السورية أن القوى الدولية والإقليمية أقل اكتراثاً بتصاعد العنف وتفتت المجتمعات وإمكانية انهيار الأنظمة العامة وارتكاب المجازر، من نزوعها نحو تحمل مسؤولياتها التقليدية الواجبة لخلق توافقات تحمي أشكال الحياة الآدمية، تلك المهمة المنوطة بالقوى الكُبرى، حسب مختلف المواثيق الدولية.
 أخيراً، فإن الدويلات السورية تثبت كمية القهر المُطلقة المتأتية من أقدار الحدود وجغرافيات الدول.

فالحدود المُصطنعة التي سكها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى، عبر اتفاقية شديدة الفوقية، مثل سايكس بيكو، تثبت أنها أكثر قداسة من حق ملايين البشر في العيش بحياة عادية. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.