الدور الأميركي المتوقع بعد أحداث القدس
"السؤال الذي لا جواب عنه في أوساط من يريد لإسرائيل الزوال، هو كيف يعتزمون أن يصرّفوا أعداد اليهود الذين يقطنون أرض فلسطين"

هل هي الرغبات، إذ تنتقي من الوقائع ما يمكنّها من نسج روايات تحاكي ما تاق إليه أصحابها دون جدوى، أم هل هي مناسبة استعادة بعض الوهج لمن جعل موضوع القدس شعاره فيما هو يقاتل "وكلاء إسرائيل" من أطفال درعا وحلب والموصل ومأرب؟ هو الدم الفائر دون شك، ومن حقّه أن يفور، غير أنه ليته لم يكن مقتصداً في فورانه يوم كان قادراً على درء الشر حيث اختار أن يتعامى عنه.

ما يجري في القدس من سعي إلى إخراج عائلات من منازلها يدعو إلى مطلق الإدانة. طرد الناس من ديارهم، مهما كانت الظروف والمبررات، أمر مرفوض أخلاقياً، وما لم تتوافر المعطيات القطعية التي تستوجبه، فإنه اعتداء على حقوق الإنسان. يضاف إليه هنا في الحالة المقدسية أنه لا يمكن الاطمئنان إلى خطوات السلطات الإسرائيلية، لما هي عليه من نية صريحة للاحتفاظ بكامل القدس، غربيها الإسرائيلي وشرقيها الفلسطيني المحتل، ولما عُهد منها من مجاراة المتشددين  اليهود في الاستيلاء على أملاك الفلسطينيين والاستقواء عليهم وإذلالهم.

الواجب إزاء المقدسيين المهددين بالطرد دون تحفظ هو الإقرار بحقوقهم وأولوية صون كرامتهم. وبأن الاعتداء على أي منهم هو عدوان على الإنسانية جمعاء. هي مبادئ لا تخفى عن العقلاء في إسرائيل نفسها، ولا يسع هؤلاء التزام الصمت أو الفتور في المواقف.

حجة المتشددين اليهود في سعيهم اختراق هذا الحي الفلسطيني هو أن بعض منازله كانت قبل عقود ملك لعائلات يهودية. ربما، وإن كانت الوثائق التي تجول حول هذه القضية تنفي تفاصيل عدة مزعومة.

ولكن، مهلاً. هل بالفعل يريد هؤلاء المستوطنون ومن يمولهم تحقيق سابقة أن المستندات التي تشير إلى ملكية ما، في زمن ما، تستوجب إعادة الأملاك إلى أصحابها الأوائل؟ هل إسرائيل ومحاكمها وعلاقتها الدولية قادرة على تحمل عاصفة الدعاوى القضائية من أصحاب العقارات والحقوق من الفلسطينيين، بناءاً على سابقة هذا الحي المقدسي؟ أم هل أن الأمر، قبل أن يخرج عن السيطرة، كان مراعاة وحسب، لأغراض التعبئة والولاء الانتخابي، لمطالب جماعات، عند الهامش العقائدي الإسرائيلي، من أصحاب مقولة "لنا، ولا نعبأ بغيرنا".

ليست كل إسرائيل محكومة بهذه الذهنية. إسرائيل، كغيرها من الدول والمجتمعات، تضع ذاتها أولاً دون شك. و "الذات" هنا ملتبسة. هي يهودية، دون أن تحسم معنى اليهودية. وقانون يهودية الدولة، على ما ينضوي عليه من إشكالات وانزلاقات، لم يقطع في تعريف "اليهودية".

هل هي اليهودية "الناموسية" الدينية، والتي يصرّ عليها رجال الدين؟ أو يهودية الولادة لأم يهودية دون اعتبار للدين؟ أو اليهودية الثقافية، القائمة على الانتماء والصفة الذاتية والولاء والقيم؟ الإسرائيليون منقسمون حول الاقتصار على الهوية الثقافية، ولكنهم مجمعون على البناء عليها. والبعض منهم، صادقاً، لا يراها على تناقض مع احترام حقوق غير اليهود من الإسرائيليين. أي لا يرى مانعاً في التعايش مع الفلسطينيين في إسرائيل، مع الإقرار بالغلبة للهوية اليهودية.

ربما قد يثير هذا التوصيف الخالي من التجريح غضب البعض (الكثيرين؟) في المحيط العربي. أن يكون ثمة قناعة بمقام أعلى لليهودية، كدين أو كهوية قومية، هو "العنصرية" التي يعترض عليها من أطلق لنفسه عنان الشتائم والطعن والإسقاط بحق إسرائيل واليهود والصهيونية.

ما يجري تغييبه هنا هو التشابه، لا بل التطابق، بين الصهيونية والقومية العربية، والتي ترى بدورها أن العروبة لا تتناقض مع بقاء المجموعات العرقية الأخرى، مع إقرار هذه المجموعات بتفوّق الهوية العربية على ما عداها، والتي تجعل من الدعوة إلى التكافؤ بين النزعات القومية مؤامرة مرفوضة تستهدف العروبة. وهذا التشابه التطابق متحقق كذلك بين القناعة الدينية اليهودية بأن الدين اليهودي متقدّم على المسيحية والإسلام، ليس زمانياً وحسب، بل من حيث أنه هو الدين الحق، وأن ما تلاه أصداء له تشهد وحسب على علائه.

ليت المنادين بأعلوية العروبة أو الإسلام يقلعون عن الرمي بالعنصرية من، يتطابق معهم بالقناعات، حين يجعل موضوع أعلويته اليهود كأمة أو اليهودية كدين. ليس من باب انتفاء كامل أوجه العنصرية عنه، ولكن لأنهم، وفق معاييرهم هم، هم بهذا النعت أولى.

إسرائيل تزخم بالشحن الفئوي، لسياق تاريخها الذاتي، الحقيقي والمتخيل، ونتيجة أزماتها مع جوارها، ولهول المحرقة التي عاش مرحلتها الكثير من مؤسسيها، والتي ضاعفت في وشم ثقافتها بالتوجس من الأغيار. ثم يأتي فرسان العرب في انتصار كلامي بمعظمه لمن تشرّد من أهل فلسطين، ويتوعدون الإسرائيليين بالطرد والقتل والترحيل.

السؤال الذي لا جواب عنه في أوساط من يريد لإسرائيل الزوال، هو كيف يعتزمون أن يصرّفوا أعداد اليهود الذين يقطنون أرض فلسطين. هل بإبادتهم عن بكرة أبيهم؟ الأصوات الداعية إلى ذلك ليست نادرة. هل بإبقائهم فيها كأهل ذمة، مع مصادرة أملاكهم لإعادتها إلى أصحابها؟ أم هل تحزم حقائبهم ويدفع بهم إلى الخارج، "السؤال الذي لا جواب عنه في أوساط من يريد لإسرائيل الزوال، هو كيف يعتزمون أن يصرّفوا أعداد اليهود الذين يقطنون أرض فلسطين"من حيث أتوا"؟

ولكن، من أين أتوا؟ بعيد نكبة خروج مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم عام ١٩٤٨، استقبلت إسرائيل عدداً مماثلاً، ربما أزيد قليلاً أو أنقص قليلاً، من اليهود المطرودين، جهاراً أو مراوغة، من المحيط العربي. أحفاد هؤلاء هم القسم الأكبر من يهود إسرائيل اليوم، أبناء بلاد لم يعرفوا غيرها.

هل الفكرة أن "يعود" هؤلاء إلى اليمن حيث اختطف أيتام أجدادهم لينالوا حظوة الدين الإسلامي؟ أم إلى العراق حيث "فرهدوا" ثم أرغموا على القبول بالفتات مقابل أملاك وحياة كانت عامرة على مدى ألفيتين من سنوات الحضور؟ أم إلى سوريا والتي أبقاهم فيها النظام رهائن ومادة مقايضة؟ أم إلى مصر التي اقتطعوا منها عنوة بعد أن كانوا من صلبها؟ أم هل يرحّلوا جميعاً إلى الدول الغربية، حيث يكثر في صفوف المهاجرين من المجتمعات الإسلامية من يضمر لهم الأذى؟

محاولة الاستيلاء على المنازل المقدسية هي مسألة حقوقية، قضائية. وعلى الرغم من الانحياز العام النظري والإجرائي لصالح المتشددين، فإن الرصيد التاريخي للقضاء الإسرائيلي يشهد على سعي متواصل للموازنة بين اعتبارات البقاء، والتي تدعو إلى تفهّم التشدد وربما مراعاته، واعتبارات الإنصاف، والتي تسعى إلى الالتزام المبدئي بالقيم العالمية وحقوق الإنسان.

لم يكن التوفيق من نصيب القضاء الإسرائيلي، ولا الثقافة الإسرائيلية ككل، في تحقيق هذه الموازنة بالكمّ الغالب، بل لا تزال إسرائيل تواجه مأزق أنها دولة احتلال.

الأسس المعنوية للصورة الذاتية الإسرائيلية هي أن قيام إسرائيل يأتي لتصحيح الأذى الذي طال الشعب اليهودي عبر التاريخ، من أسْرٍ ونفي واضطهاد. والمفارقة، الأليمة بالنسبة للعديدين، هي أن إسرائيل اليوم هي بموقع الجلاد لما يعاني منه الشعب الفلسطيني من أسر ونفي واضطهاد. هي مفارقة تستوطن ثنايا الثقافة الإسرائيلية، سرّاً وجهاراً.

الكثر في إسرائيل يفضلون أن يتنصلوا من المسؤولية، ليلقوا اللوم على الفلسطينيين أنفسهم، دينهم، مناهجهم التربوية، قياداتهم الفاسدة، القوى الخارجية التي توظّف قضيتهم لأغراضها.

البعض في إسرائيل يشهر أنه لا يعبأ. هي سنّة التاريخ، يوم لك ويوم عليك. هل المطلوب أن يتحمّل الشعب اليهودي المآسي على مدى القرون، ثم يطالب بأن يرتقي، دون غيره، إلى الملائكية. لا، أزمة التعايش في المنطقة لم تبتدئ عند النكبة ولم تتوقف عندها، بل لا حساب لحقوق الفلسطينيين إلا بجردة كاملة لحقوق الجميع، من كافة الأديان والأعراق واللغات.

هي قلة ربما في إسرائيل، ولكنها تحاكي الضمير العام في مجتمعها وثقافتها، تلك التي تأبى بأن تكون إسرائيل ظالمة. محامون إسرائيليون يتطوعون للدفاع عن أصحاب الحقوق من الفلسطينيين، وشباب وكهول ينشطون لمد اليد للدعم والتأييد.

إسرائيل، كمجتمع وكدولة، قد تأخرت، تلكأت، في السعي إلى فرز هذه التوجهات، وتورّطت بأن أمست دولة احتلال، فأضافت إلى إشكالية التجاذب بين يهوديتها وديمقراطيتها، مسألة أنها تتحكم بمصير مجتمع مختلف عنها، لا يريدها ولا تريده.
 
هذه بالفعل قضية وجودية لإسرائيل. البعض، في جوارها، ممن لا يريدون لها الخير بأي شكل، يغبط بأن ما يجري بالقدس هو بداية النهاية لإسرائيل. وقد يكون بالفعل كذلك.
 
ليس المقصود هنا وجود إسرائيل كدولة وكقوة قاهرة قادرة على فرض نفسها، أو كمجموع سكاني غالبيته من اليهود، مهما كان التعريف. إسرائيل هذه حقيقة باقية، ليست مرشّحة البتة أن تزول تلبية لأماني الأعداء.
 
إسرائيل المعرّضة للزوال هي التي تتقاسمها التوجهات، بين من لا يعبأ بمآل غيره، ومن يعبأ مبدئياً ويتنصل فعلياً، ومن يريد أن يتحمل المسؤولية ويرتقي.
 
صواريخ غزة وشتائم الإعلام لا تنفع المقدسيين في شيء. ولكنها تأتي لتصادق دعاة الانعزال والتفرد، ولتدفع المترددين بين المبدأ والواقعية إلى أحضان منطق القوة. قد تتحول إسرائيل في نهاية المطاف إلى ما يشبه معظم جوارها في غلبة الهوى وطمسه للحق وامتناعه عن الاعتبار.

المقدسيون مستحقون لمطلق التأييد في مواجهة ظلم الطرد. والفلسطينيون مستحقون لكامل المساعدة للتخلص من الاحتلال والسعي إلى إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، وإن كانت الاحتمالات الموضوعية لحل الدولتين قد تراجعت إلى ما يقارب الامتناع. والإسرائيليون بدورهم مستحقون للدعم في سعيهم الذاتي إلى إيجاد الصيغة التي توافق بين القيم العالمية والاطمئنان إلى سلامة عائلاتهم ومستقبلهم. وبدورها مجتمعات المنطقة ككل، بحاجة إلى مساحة تنفس يبتدئ فيها سعي مقابل لهذه الصيغة.
 
ليس ثمة من يمد اليد من خارج المنطقة لتحقيق ذلك. أي أن الخروج من الأزمة هنا هو حصراً مسؤولية الناس هنا. ولا يكون ذلك إلا بالقناعة بأن الجميع باقٍ. وأن "الزوال" إن طال إسرائيل، فهو زوال اختلافها عن الأحادية الفكرية القاطعة في جوارها.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.