الملك عبدالله الثاني - الأردن
"أتفق، إلى حد بعيد، مع فكرة التحالفات الإصلاحية ولو بحدودها الدنيا، فالتقدم الإصلاحي ولو بخطوات أولى قد يعيد منسوب الثقة بين الأردنيين وقيادتهم"

في كتابه الشهير "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"، يروي إحسان نراغي حواراً دار بينه وبين الشاه، عندما سأله الأخير: "من أين يأتي العصيان؟ … من المحرّض عليه؟ من يدير هذه المعارضة؟" كان جواب نراغي صادمًا وواضحا: "أنت نفسك يا جلالة الشاه". 

الشاه: "ماذا يجري، يا نراغي، في إيران؟ وكيف أن أحدا من المسؤولين حولي لم ينبّهني إلى هذا السيل المتدفق من الغضب والرفض لي ولنظامي في الشارع؟ " 

نراغي: "يا مولاي، لم تكن لدى الحكم التكنوقراطي الذي أقمته حولك الوسائل، ولا الثقافة، لسماع صرخة الحقيقة في الشارع، هو الذي منع عنك الحقيقة". 

الشاه: "لكننا اخترنا كوادر الحكم من بين أفضل المتخصصين في الجامعات الأوروبية والأميركية، لماذا لم يستطع هؤلاء المهندسون والدكاترة إخباري بأمر هذه الأزمة التي نضجت على نار هادئة؟" 

نراغي: "هذا راجع، يا مولاي، إلى طبيعة نظامك الهرمي، وحكمك الفردي، لا يشعر أي وزير بأنه مسؤول على الصعيد السياسي، لأن القرارات المهمة تصدر عنك وحدك، وبما أنك انفردت بتحديد الأهداف، اعتبرت النخبة دورها ينحصر في تزويدك بالمعلومات التي تتفق مع خطك السياسي. استعملت ذكاءها وعلمها لتتبعك، وبعبارة أخرى لتمنع عنك الرؤية. التكنوقراط آلةٌ لا تجيب إلا عن الأسئلة التي تطرح عليها، ولا تطرح الأسئلة".

أطرحُ المثال "النراغي" خاليا من أي سوء نوايا، لكن عناصر التقارب موجودة بشكل مدهش حين أعيد قراءة النص وتفكيكه ثم تركيبه على الحالة الأردنية. 

من الفروق "الفارقة" أن الهوة لم تتسع حد الانفصال حتى الآن، في الأردن لا يزال الناس يرون الملك، ويلتقونه وبقليل من الجهد قد يصلون إليه، لكن الطريق ليس في اتجاهين كل الوقت ومع كل الأردنيين. 

إلا أن المتشابهات موجودة، فالملك تساءل علناً وأكثر من مرة عن سر "الغضب"، والملك طرح تساؤلات قريبة عن سر "العجز" في مفاصل الدولة التي استحضر لها هو شخصياً نخب حكم من خريجي الجامعات الأمريكية والأوروبية، والملك في مقابلات عديدة شعر بالراحة فيها مع صحفيين غربيين كان يعبر عن استغرابه من سماع صدى صوته فقط حين يطرح تساؤلات على المسؤولين في الدولة. 

وتفسير نراغي للشاه، قد يجد محله هنا في أسئلة الملك الأردني، فالملك الذي باسمه تم تعديل الدستور ليصبح منفردا أكثر بالقرارات، صار وزراؤه وغالبية رجال الحكم لديه لا يشعرون بمسؤولية سياسية من أي نوع.

هم يتلقون الأوامر، وينفذونها، يقومون بفلترة المعلومات بما يناسب "رؤية" الملك نفسه، لا ما يعكس الواقع، هم أذكياء فعلا، أذكياء جدا لتتبع "رؤية" الملك التي يتوارون خلفها، يتكاثرون بالتعيين " إسقاط براشوتي أو وراثة غير مستحقة" ثم يتمترسون خلف "رؤية" الملك حتى حجبوا الرؤية عن الملك نفسه، وهم لا يطرحون أسئلة، مبرمجون بآلية خوارزمية محددة للإجابة فقط. 

مشهد من الذاكرة

في حكاية كنت ذكرتها سابقا، أجدها الآن مهمة للدلالة، فقد كنت ضمن مدعوين صيف عام ٢٠٠٦ لحضور فعاليات مؤتمر لشباب "كلنا الأردن"، في قاعة مؤتمرات البحر الميت، والفعالية كانت برعاية الملك نفسه. 

ألقى الملك كلمته وغادر القاعة على تصفيق الجميع، فالكلمة وبحق كانت مكثفة جميلة، وملهمة!! 

أهم ما ورد في كلمة الملك أنه يطمح وبصدق لمعرفة رؤية "الشباب" الأردني، ممثلا هذا الشباب بهذه الهيئة الشبابية، وأوضح الملك أن رؤية الشباب التي ينتظرها ستوضع محل الرعاية والدراسة أمام الحكومة (الغائبة بكل وزرائها وممثليها عن حضور تلك الفعالية بأي تمثيل). 

زميلي على الطاولة يومها كان الراحل سامي الزبيدي رحمه الله، الذي سأل شابا وشابة من "تنظيم" شباب "كلنا الأردن" عن "رؤيتهم" لواقع الحال!! وهو سؤال فضفاض يفتح المجال لحوار يمكن البدء فيه من أي نقطة. 

إجابة الشابة، والتي لقيت تأييدا من الشاب زميلها كانت حاسمة وقاطعة : "رؤيتنا هي رؤية سيدنا الله يطول عمره"! 

تدخلتُ أنا، وقلت للصبية إن "الملك شخصيا طلب معرفة رؤيتكم أنتم"، لكن مداخلتي لم تغير قناعات الشباب بأن الرؤية الوحيدة هي رؤية "سيدنا" كما كرروا بضيق من إلحاحنا يومها الذي انتهى بتدخل من أحد مساعدي مدير مكتب الملك حينها وهو اليوم أكاديمي في جامعة أردنية. 

فكرة شباب كلنا الأردن كانت تشبه تنظيما لإعداد "قيادات" أو بالأحرى إعادة صياغة الشباب على نسق واحد. تنظيم يشبه "طلائع البعث" بدون أدبيات أو أيدولوجيا البعث، فقط رؤية الملك التي كان ولا يزال يبحث عنها بين الناس. 

يبدو، ملموسا من بعيد، أن هناك تحركاً جاداً نحو البدء بعملية الإصلاح السياسي في الدولة الأردنية، هناك محاولات تلمس للمداخل، وحركة ثقيلة سببها "روماتزم مفاصل الدولة"، لكن ومما لمسته من تواصل واتصالات مع مقربين من مركز صناعة القرار "بفروعه المختلفة" أن هناك توافقاً على فكرة أن السعي المتسارع نحو تشريع قانوني انتخاب وأحزاب، مهما كانا بالغي الحداثة والعصرية، لن يخلق حياة حزبية في الواقع السياسي الأردني.

فهناك مراحل سابقة متوسطة المدى وبعيدة المدى تشمل، فيما تشمل، ترميماً لكل ما تم تشويهه ومسخه في الوعي الجمعي، وهذا يتطلب بالضرورة عمليات تهذيب وتشذيب وإعادة بعض مراكز القوى التي تشكلت وتمددت وتوسعت فوق حدودها الدستورية إلى حجمها ودورها الطبيعي. 

مما قرأته فيما طالعت وسمعت من الأردن على مدار أسبوع، أن هناك خطوة نحو توافق بحده الأدنى لضرورة الإصلاح في الدولة، فصراعات مراكز القوى ما زالت محتدمة حفاظاً على الوضع الراهن الذي يهدد تغييره زوال مصالحها من الوجود والحضور (وهو ما يعني أيضا عودتها إلى مربعها المؤسسي الطبيعي والمرسوم بحدوده الوظيفية). 

الوعي الاجتماعي والسياسي في الأردن، هو وعي ممسوخ ومزور ومشوه، وقد تمت عملية ممنهجة لتزوير وتشويه ومسخ هذا الوعي الجمعي طوال سنوات مضت؛ إلى درجة أن الدولة "بمفهومها الشعبي" لم تعد بحاجة إلى مهارات الأجهزة الأمنية لتزوير الانتخابات البرلمانية، فالوعي المزور والمشوه والممسوخ قادر لوحده وبدون جهد أن ينتج مجالس بائسة مثل الموجودة حاليا تعكس الوعي الممسوخ نفسه. 

محاربة الفساد الذي أصبح مؤسسة بحد ذاتها، ضرورة ملحة في فتح الطريق، لكن الطريق لا بد أن يكون باتجاه إعادة تأهيل الوعي بعد كل هذا التشويه الذي تعرض له، وأول الوعي هو باستعادة الدولة ومؤسساتها، وبدء عملية الحوار بمنهجية حقيقية، ومما رشح لي من مصادري في العاصمة الأردنية أن هذا بدأ يتبلور كتوجه في عقل الدولة. 

لكن تلك المصادر المقربة من دوائر الملك لا تخفي قلقها من مستويات صراع سياسي شرسة بين مراكز القوى المتصارعة على النفوذ الأكثر، والسلطة في المشهد الأردني، وكلها تتحدث باسم الملك. 

المستوى الأكثر إثارة للقلق هو مقاومة "جدية التغيير" التي "قد" يحملها الملك بطاقمه الشخصي ممثلا بمدير مكتبه جعفر حسان والذي كان، كما تقول لي المصادر، قريبا جدا من عملية الصياغات النهائية لأوراق الملك النقاشية خصوصا الورقة السادسة منها، وبرئيس حكومته الذي صار يملك وقتا أكثر ليقضيه في مكتبه كرئيس وزراء وقد حضر جعفر حسان في ديوان الملك مديرا لمكتب الملك.. (وأكثر!).  

على الطرف المقابل، يسعى من يؤمنون ببقاء الوضع الراهن إلى إفشال كل التجربة الإصلاحية، وهذه قوى تؤمن بالأمن منهجية إدارية للدولة، ولها أذرعها الإعلامية المؤثرة وأدواتها التي تعتمد تحفيز غرائز الخوف من التجديد، وهي فعليا مراكز قوى لم تعد تخفي تحديها للحكومات المتعاقبة، بل والتدخل في إسقاطها والتلاعب بالمزاج الشعبي حسب المتغيرات وهي يومية في الأردن. 

وحسب مصدر موثوق في عمان، فإن أي توافق بين رئيس حكومة الملك الذي يحتاج إلى جرعة ثقة بالنفس كي يتقدم في خطواته أكثر، ومدير مكتب الملك الذي يجب أن يعيد مفهوم الديوان الملكي إلى فكرته الأساسية كرافعة استشارية وإدارية للملك "وظيفياً" هو توافق يفضي إلى تحالف إصلاحي جاد وقوي قد يجترح شقا في جدار "الوضع الراهن" الإسمنتي والمحروس جيداً وبحذر مستمر من تلك القوى التي لا ترغب بنقب الجدار. وأن الإصلاح المرتكز على الأوراق الملكية بالإضافة إلى الوثائق المصفوفة على رف الدولة الأردنية بدءاً من الميثاق الوطني والأجندة الوطنية وليس انتهاءً بمخرجات لجنة الحوار الوطني، فإن أول خطواته تكمن في الحوار، وهي عبارة سهلة، لكن تطبيقها يكتنفه كثير من الغموض في منهجيات وآليات هذا الحوار، الآليات التي لا تملك ترف أن لا تكون حقيقة وجدية ومبتكرة، وأهم من ذلك، مفتوحة على الجميع في الساحة السياسية الأردنية.  

وأتفق، إلى حد بعيد، مع فكرة التحالفات الإصلاحية ولو بحدودها الدنيا، فالتقدم الإصلاحي ولو بخطوات أولى قد يعيد منسوب الثقة بين الأردنيين وقيادتهم إلى مستوىً يسمح بالإبحار إلى مياه أقل عكورة بكثير مما يحرم الصيادين صيدهم المعتاد. 

لقد آن الأوان أن يتحدث الملك نفسه، عبر شخصه أو حكومته عما يتحدث به في جلسات "شبه مغلقة" صار يعرف عنها الجميع، لكنها تحتاج ترسيخها بالعلن كمشروع دولة، لا توجه حكومة وحسب، مشروع دولة يرتكز إلى حوار حقيقي بمنهجية مبتكرة ليزرع بذور مصداقية مفقودة، في الحكومات والمؤسسات الرسمية.

الملك الذي كتب أوراقه النقاشية هو ذاته الملك الذي صادق على تعديلات دستورية تخالف كثيرا طرحه النقاشي وما يقوله في الجلسات المغلقة، ومن المسيء للملك نفسه أن تكون أوراقه النقاشية ميداناً للمبارزات الإنشائية في الصحف والمواقع بين كتاب ووزراء ومسؤولين مغرمين وموهوبين بالتزلف والمديح بدلاً من النقاش الحقيقي والجدل والاعتراض عليها أو التوافق حولها، تماماً كما يحدث في جلسات الملك المغلقة. 

إن اللقاء والحوار الوطني الذكي البعيد عن الإنشاء والمضمون بحريات الطرح والسقوف العالية أمر مهم وحيوي بل وضرورة وجودية للأردن، لكنه ليس غاية نهائية، فالأهم أن يكون إنفاذ مخرجات الحوار هو الغاية، وهذا يتطلب توسعة مساحات الحوار بلا خوف ولا شكوك ولا تردد، كما يتطلب شفافية أكثر تتجاوز ضيق أفق الخبر الرسمي المنشور في الصحف الرسمية. 

يحاورني زميل صحفي "واسع الاطلاع" عن يأسه من إصلاح يأتي من قبل حكومة الملك، وهو يؤمن بتدخل ملكي بطاقم الملك نفسه لفرض الخطوات الإصلاحية. 

الزميل كان يحدثني عن جعفر حسان، مدير مكتب الملك المعين حديثا " الأسبوع الماضي"، والرجل منذ لحظة تعيينه تعرض لحملة تشويه، وهي حملة قديمة تجددت، وكنت أحد ضحاياها قبل ثلاث سنوات حين زارني في بروكسل صديقان استفاضا بالحديث "الإقليمي" عن جعفر حسان ( وكان أيضا مديرا لمكتب الملك)  وطرده، حسب زعمهما، للكفاءات الشرق أردنية من الديوان الملكي أيامها، ثم سلسلة قصص لو كلفت نفسي عناء البحث في السيرة المهنية للرجل لاكتشفت كم هي ملفقة، وهو ما فعلته هذه المرة. 

الرجل حسب مقربين منه، شخصية عنيدة وصدامية غالباً وهي صفة تجمعه بابن دفعته الذهبية رئيس حكومة الملك، وهما بالنسبة لي مثل معظم رجال الملك لا يطرحون الأسئلة ولم يعتادوا إلا على تقديم الأجوبة ضمن الرؤية الملكية لملك يبحث جاهداً عن رؤية جديدة. 

تحالف أو تنافر الشخصيتين هو ما يجعلنا أمام تقاطعات أفقية وعمودية، قد يكون فيها أجوبة لواحدة من عديد الكلمات المتقاطعة في المشهد الأردني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشهد بكل تقاطعاته وسرياليته وفوضاه وتراتبياته وتناقضاته لا يحتمل استعراضات "الشخص الأوحد"، ولا فكرة "المنقذ" الذي تزهو به المناصب، ولا يكفيه قرار الملك وحده بإصلاح من طرف واحد. 

هي في المحصلة عملية مكلف بها الملك وبقوة الدستور، وهي عملية تشمل الجميع بلا استثناء، وتتطلب جهداً هائلاً لكسب قليل من المصداقية، مصداقية ومناخ من الثقة يعطيها زخماً لتكون خطة الإنقاذ للدولة الأردنية، وخارطة طريق لمئويتها الثانية التي دخلت بابها بارتباك واضح وأزمات عميقة. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.