في كتابه الشهير "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"، يروي إحسان نراغي حواراً دار بينه وبين الشاه، عندما سأله الأخير: "من أين يأتي العصيان؟ … من المحرّض عليه؟ من يدير هذه المعارضة؟" كان جواب نراغي صادمًا وواضحا: "أنت نفسك يا جلالة الشاه".
الشاه: "ماذا يجري، يا نراغي، في إيران؟ وكيف أن أحدا من المسؤولين حولي لم ينبّهني إلى هذا السيل المتدفق من الغضب والرفض لي ولنظامي في الشارع؟ "
نراغي: "يا مولاي، لم تكن لدى الحكم التكنوقراطي الذي أقمته حولك الوسائل، ولا الثقافة، لسماع صرخة الحقيقة في الشارع، هو الذي منع عنك الحقيقة".
الشاه: "لكننا اخترنا كوادر الحكم من بين أفضل المتخصصين في الجامعات الأوروبية والأميركية، لماذا لم يستطع هؤلاء المهندسون والدكاترة إخباري بأمر هذه الأزمة التي نضجت على نار هادئة؟"
نراغي: "هذا راجع، يا مولاي، إلى طبيعة نظامك الهرمي، وحكمك الفردي، لا يشعر أي وزير بأنه مسؤول على الصعيد السياسي، لأن القرارات المهمة تصدر عنك وحدك، وبما أنك انفردت بتحديد الأهداف، اعتبرت النخبة دورها ينحصر في تزويدك بالمعلومات التي تتفق مع خطك السياسي. استعملت ذكاءها وعلمها لتتبعك، وبعبارة أخرى لتمنع عنك الرؤية. التكنوقراط آلةٌ لا تجيب إلا عن الأسئلة التي تطرح عليها، ولا تطرح الأسئلة".
أطرحُ المثال "النراغي" خاليا من أي سوء نوايا، لكن عناصر التقارب موجودة بشكل مدهش حين أعيد قراءة النص وتفكيكه ثم تركيبه على الحالة الأردنية.
من الفروق "الفارقة" أن الهوة لم تتسع حد الانفصال حتى الآن، في الأردن لا يزال الناس يرون الملك، ويلتقونه وبقليل من الجهد قد يصلون إليه، لكن الطريق ليس في اتجاهين كل الوقت ومع كل الأردنيين.
إلا أن المتشابهات موجودة، فالملك تساءل علناً وأكثر من مرة عن سر "الغضب"، والملك طرح تساؤلات قريبة عن سر "العجز" في مفاصل الدولة التي استحضر لها هو شخصياً نخب حكم من خريجي الجامعات الأمريكية والأوروبية، والملك في مقابلات عديدة شعر بالراحة فيها مع صحفيين غربيين كان يعبر عن استغرابه من سماع صدى صوته فقط حين يطرح تساؤلات على المسؤولين في الدولة.
وتفسير نراغي للشاه، قد يجد محله هنا في أسئلة الملك الأردني، فالملك الذي باسمه تم تعديل الدستور ليصبح منفردا أكثر بالقرارات، صار وزراؤه وغالبية رجال الحكم لديه لا يشعرون بمسؤولية سياسية من أي نوع.
هم يتلقون الأوامر، وينفذونها، يقومون بفلترة المعلومات بما يناسب "رؤية" الملك نفسه، لا ما يعكس الواقع، هم أذكياء فعلا، أذكياء جدا لتتبع "رؤية" الملك التي يتوارون خلفها، يتكاثرون بالتعيين " إسقاط براشوتي أو وراثة غير مستحقة" ثم يتمترسون خلف "رؤية" الملك حتى حجبوا الرؤية عن الملك نفسه، وهم لا يطرحون أسئلة، مبرمجون بآلية خوارزمية محددة للإجابة فقط.
مشهد من الذاكرة
في حكاية كنت ذكرتها سابقا، أجدها الآن مهمة للدلالة، فقد كنت ضمن مدعوين صيف عام ٢٠٠٦ لحضور فعاليات مؤتمر لشباب "كلنا الأردن"، في قاعة مؤتمرات البحر الميت، والفعالية كانت برعاية الملك نفسه.
ألقى الملك كلمته وغادر القاعة على تصفيق الجميع، فالكلمة وبحق كانت مكثفة جميلة، وملهمة!!
أهم ما ورد في كلمة الملك أنه يطمح وبصدق لمعرفة رؤية "الشباب" الأردني، ممثلا هذا الشباب بهذه الهيئة الشبابية، وأوضح الملك أن رؤية الشباب التي ينتظرها ستوضع محل الرعاية والدراسة أمام الحكومة (الغائبة بكل وزرائها وممثليها عن حضور تلك الفعالية بأي تمثيل).
زميلي على الطاولة يومها كان الراحل سامي الزبيدي رحمه الله، الذي سأل شابا وشابة من "تنظيم" شباب "كلنا الأردن" عن "رؤيتهم" لواقع الحال!! وهو سؤال فضفاض يفتح المجال لحوار يمكن البدء فيه من أي نقطة.
إجابة الشابة، والتي لقيت تأييدا من الشاب زميلها كانت حاسمة وقاطعة : "رؤيتنا هي رؤية سيدنا الله يطول عمره"!
تدخلتُ أنا، وقلت للصبية إن "الملك شخصيا طلب معرفة رؤيتكم أنتم"، لكن مداخلتي لم تغير قناعات الشباب بأن الرؤية الوحيدة هي رؤية "سيدنا" كما كرروا بضيق من إلحاحنا يومها الذي انتهى بتدخل من أحد مساعدي مدير مكتب الملك حينها وهو اليوم أكاديمي في جامعة أردنية.
فكرة شباب كلنا الأردن كانت تشبه تنظيما لإعداد "قيادات" أو بالأحرى إعادة صياغة الشباب على نسق واحد. تنظيم يشبه "طلائع البعث" بدون أدبيات أو أيدولوجيا البعث، فقط رؤية الملك التي كان ولا يزال يبحث عنها بين الناس.
يبدو، ملموسا من بعيد، أن هناك تحركاً جاداً نحو البدء بعملية الإصلاح السياسي في الدولة الأردنية، هناك محاولات تلمس للمداخل، وحركة ثقيلة سببها "روماتزم مفاصل الدولة"، لكن ومما لمسته من تواصل واتصالات مع مقربين من مركز صناعة القرار "بفروعه المختلفة" أن هناك توافقاً على فكرة أن السعي المتسارع نحو تشريع قانوني انتخاب وأحزاب، مهما كانا بالغي الحداثة والعصرية، لن يخلق حياة حزبية في الواقع السياسي الأردني.
فهناك مراحل سابقة متوسطة المدى وبعيدة المدى تشمل، فيما تشمل، ترميماً لكل ما تم تشويهه ومسخه في الوعي الجمعي، وهذا يتطلب بالضرورة عمليات تهذيب وتشذيب وإعادة بعض مراكز القوى التي تشكلت وتمددت وتوسعت فوق حدودها الدستورية إلى حجمها ودورها الطبيعي.
مما قرأته فيما طالعت وسمعت من الأردن على مدار أسبوع، أن هناك خطوة نحو توافق بحده الأدنى لضرورة الإصلاح في الدولة، فصراعات مراكز القوى ما زالت محتدمة حفاظاً على الوضع الراهن الذي يهدد تغييره زوال مصالحها من الوجود والحضور (وهو ما يعني أيضا عودتها إلى مربعها المؤسسي الطبيعي والمرسوم بحدوده الوظيفية).
الوعي الاجتماعي والسياسي في الأردن، هو وعي ممسوخ ومزور ومشوه، وقد تمت عملية ممنهجة لتزوير وتشويه ومسخ هذا الوعي الجمعي طوال سنوات مضت؛ إلى درجة أن الدولة "بمفهومها الشعبي" لم تعد بحاجة إلى مهارات الأجهزة الأمنية لتزوير الانتخابات البرلمانية، فالوعي المزور والمشوه والممسوخ قادر لوحده وبدون جهد أن ينتج مجالس بائسة مثل الموجودة حاليا تعكس الوعي الممسوخ نفسه.
محاربة الفساد الذي أصبح مؤسسة بحد ذاتها، ضرورة ملحة في فتح الطريق، لكن الطريق لا بد أن يكون باتجاه إعادة تأهيل الوعي بعد كل هذا التشويه الذي تعرض له، وأول الوعي هو باستعادة الدولة ومؤسساتها، وبدء عملية الحوار بمنهجية حقيقية، ومما رشح لي من مصادري في العاصمة الأردنية أن هذا بدأ يتبلور كتوجه في عقل الدولة.
لكن تلك المصادر المقربة من دوائر الملك لا تخفي قلقها من مستويات صراع سياسي شرسة بين مراكز القوى المتصارعة على النفوذ الأكثر، والسلطة في المشهد الأردني، وكلها تتحدث باسم الملك.
المستوى الأكثر إثارة للقلق هو مقاومة "جدية التغيير" التي "قد" يحملها الملك بطاقمه الشخصي ممثلا بمدير مكتبه جعفر حسان والذي كان، كما تقول لي المصادر، قريبا جدا من عملية الصياغات النهائية لأوراق الملك النقاشية خصوصا الورقة السادسة منها، وبرئيس حكومته الذي صار يملك وقتا أكثر ليقضيه في مكتبه كرئيس وزراء وقد حضر جعفر حسان في ديوان الملك مديرا لمكتب الملك.. (وأكثر!).
على الطرف المقابل، يسعى من يؤمنون ببقاء الوضع الراهن إلى إفشال كل التجربة الإصلاحية، وهذه قوى تؤمن بالأمن منهجية إدارية للدولة، ولها أذرعها الإعلامية المؤثرة وأدواتها التي تعتمد تحفيز غرائز الخوف من التجديد، وهي فعليا مراكز قوى لم تعد تخفي تحديها للحكومات المتعاقبة، بل والتدخل في إسقاطها والتلاعب بالمزاج الشعبي حسب المتغيرات وهي يومية في الأردن.
وحسب مصدر موثوق في عمان، فإن أي توافق بين رئيس حكومة الملك الذي يحتاج إلى جرعة ثقة بالنفس كي يتقدم في خطواته أكثر، ومدير مكتب الملك الذي يجب أن يعيد مفهوم الديوان الملكي إلى فكرته الأساسية كرافعة استشارية وإدارية للملك "وظيفياً" هو توافق يفضي إلى تحالف إصلاحي جاد وقوي قد يجترح شقا في جدار "الوضع الراهن" الإسمنتي والمحروس جيداً وبحذر مستمر من تلك القوى التي لا ترغب بنقب الجدار. وأن الإصلاح المرتكز على الأوراق الملكية بالإضافة إلى الوثائق المصفوفة على رف الدولة الأردنية بدءاً من الميثاق الوطني والأجندة الوطنية وليس انتهاءً بمخرجات لجنة الحوار الوطني، فإن أول خطواته تكمن في الحوار، وهي عبارة سهلة، لكن تطبيقها يكتنفه كثير من الغموض في منهجيات وآليات هذا الحوار، الآليات التي لا تملك ترف أن لا تكون حقيقة وجدية ومبتكرة، وأهم من ذلك، مفتوحة على الجميع في الساحة السياسية الأردنية.
وأتفق، إلى حد بعيد، مع فكرة التحالفات الإصلاحية ولو بحدودها الدنيا، فالتقدم الإصلاحي ولو بخطوات أولى قد يعيد منسوب الثقة بين الأردنيين وقيادتهم إلى مستوىً يسمح بالإبحار إلى مياه أقل عكورة بكثير مما يحرم الصيادين صيدهم المعتاد.
لقد آن الأوان أن يتحدث الملك نفسه، عبر شخصه أو حكومته عما يتحدث به في جلسات "شبه مغلقة" صار يعرف عنها الجميع، لكنها تحتاج ترسيخها بالعلن كمشروع دولة، لا توجه حكومة وحسب، مشروع دولة يرتكز إلى حوار حقيقي بمنهجية مبتكرة ليزرع بذور مصداقية مفقودة، في الحكومات والمؤسسات الرسمية.
الملك الذي كتب أوراقه النقاشية هو ذاته الملك الذي صادق على تعديلات دستورية تخالف كثيرا طرحه النقاشي وما يقوله في الجلسات المغلقة، ومن المسيء للملك نفسه أن تكون أوراقه النقاشية ميداناً للمبارزات الإنشائية في الصحف والمواقع بين كتاب ووزراء ومسؤولين مغرمين وموهوبين بالتزلف والمديح بدلاً من النقاش الحقيقي والجدل والاعتراض عليها أو التوافق حولها، تماماً كما يحدث في جلسات الملك المغلقة.
إن اللقاء والحوار الوطني الذكي البعيد عن الإنشاء والمضمون بحريات الطرح والسقوف العالية أمر مهم وحيوي بل وضرورة وجودية للأردن، لكنه ليس غاية نهائية، فالأهم أن يكون إنفاذ مخرجات الحوار هو الغاية، وهذا يتطلب توسعة مساحات الحوار بلا خوف ولا شكوك ولا تردد، كما يتطلب شفافية أكثر تتجاوز ضيق أفق الخبر الرسمي المنشور في الصحف الرسمية.
يحاورني زميل صحفي "واسع الاطلاع" عن يأسه من إصلاح يأتي من قبل حكومة الملك، وهو يؤمن بتدخل ملكي بطاقم الملك نفسه لفرض الخطوات الإصلاحية.
الزميل كان يحدثني عن جعفر حسان، مدير مكتب الملك المعين حديثا " الأسبوع الماضي"، والرجل منذ لحظة تعيينه تعرض لحملة تشويه، وهي حملة قديمة تجددت، وكنت أحد ضحاياها قبل ثلاث سنوات حين زارني في بروكسل صديقان استفاضا بالحديث "الإقليمي" عن جعفر حسان ( وكان أيضا مديرا لمكتب الملك) وطرده، حسب زعمهما، للكفاءات الشرق أردنية من الديوان الملكي أيامها، ثم سلسلة قصص لو كلفت نفسي عناء البحث في السيرة المهنية للرجل لاكتشفت كم هي ملفقة، وهو ما فعلته هذه المرة.
الرجل حسب مقربين منه، شخصية عنيدة وصدامية غالباً وهي صفة تجمعه بابن دفعته الذهبية رئيس حكومة الملك، وهما بالنسبة لي مثل معظم رجال الملك لا يطرحون الأسئلة ولم يعتادوا إلا على تقديم الأجوبة ضمن الرؤية الملكية لملك يبحث جاهداً عن رؤية جديدة.
تحالف أو تنافر الشخصيتين هو ما يجعلنا أمام تقاطعات أفقية وعمودية، قد يكون فيها أجوبة لواحدة من عديد الكلمات المتقاطعة في المشهد الأردني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشهد بكل تقاطعاته وسرياليته وفوضاه وتراتبياته وتناقضاته لا يحتمل استعراضات "الشخص الأوحد"، ولا فكرة "المنقذ" الذي تزهو به المناصب، ولا يكفيه قرار الملك وحده بإصلاح من طرف واحد.
هي في المحصلة عملية مكلف بها الملك وبقوة الدستور، وهي عملية تشمل الجميع بلا استثناء، وتتطلب جهداً هائلاً لكسب قليل من المصداقية، مصداقية ومناخ من الثقة يعطيها زخماً لتكون خطة الإنقاذ للدولة الأردنية، وخارطة طريق لمئويتها الثانية التي دخلت بابها بارتباك واضح وأزمات عميقة.

