عناصر من ميليشيا كتائب حزب الله في بغداد
عناصر من ميليشيا كتائب حزب الله في بغداد

 يصلح البيان الذي أصدرته كتائب حزب الله العراق في أعقاب اغتيال الصحافي إيهاب الوزني في مدينة كربلاء في الفرات الأوسط، نموذجاً لبيانات مستنسخة لطالما صدرت في أعقاب كل عملية اغتيال يشتبه بأن تكون نفذتها جماعات القتل في العراق تحديداً، لكن خارج العراق أيضاً!

البيان لم يشر إلى عملية القتل التي استهدفت الصحافي، انما لحال الغضب التي أعقبتها وأدت إلى احراق جزء من القنصلية الإيرانية في المدينة. والإشارة لوزني في البيان تمت من دون تسميته ومن دون الإشارة إلى أنه قُتل. هو جزء من "مجاميع الفتنة الممولة من الخارج" والتي تتحرك على وقع شعورها بالهزيمة المحتومة في الانتخابات المقبلة. لم تشعر الكتائب بالحاجة إلى ذكر الوزني في بيانها، والأرجح أنها لم تقوى على ذلك، فالجريمة وقعت تحت أنظار الجميع، والكاميرات قد تكشف هوية القتلة الذين من المرجح أنهم سيعبرون الحدود على نحو ما فعل قتلة هشام الهاشمي بعد أن كشفت هوياتهم. بيان الكتائب يصلح فعلاً لأن يكون بيان تبنٍ لعملية الاغتيال، ذاك أن القتيل بحسبهم قارب الخيانة، وهذا ما لم يرد حرفياً في البيان، إلا أن البيان أشار إلى سياق من الأحداث يفضي إلى ضرورة القتل.

القتَلة في العراق لم يعودوا مجهولين. الناس تعرفهم بالأسماء، واذا كان قتلة الهاشمي قد عبروا الحدود بعد انكشافهم، وإعلان أسمائهم، فمن المرجح أن يكون قتلة الصحافي الآخر أحمد عبد الصمد في مدينة البصرة قد لجأوا إلى بغداد واختبأوا في أحد مقرات الحشد الشعبي بحسب ما نقلت تقارير صحافية. علماً أن هؤلاء أيضاً صاروا معروفين بأسمائهم ووجوههم وانتماءاتهم. نقرة على محرك البحث ويظهرون مع الأدلة والفيديوهات التي وثقت جريمتهم. لا بل أن عبد الصمد قبل مقتله كان حدد هوياتهم وأرسلها إلى الكثير من أصدقائه.

قد يبعث هذا الوضوح على الريبة، إلا أن القرائن أقوى من أن تدحض، وهذا تماماً ما جعل كتائب حزب الله تتردد في إصدار إدانة شكلية لقتل الوزني، ذاك أن الجريمة معلنة ولا حاجة لمواراتها وراء إدانة لا سياق لإصدارها. ثم أن الكتائب لا ترغب بإدانة القتل حتى لا تستدرج إلى المصادقة على ذلك.

فرق القتل في العراق تخوض حرباً مكشوفة جعلت من إدانة الجريمة فعلاً هزلياً يمكن تفاديه. فطهران وصلت إلى قناعة هناك أن الشارع الشيعي غير ممسوك، وأن احتمالات إفلاته منها كبيرة، وأن المواجهة لم تعد تحتاج إلى أقنعة. المهمة الأولى في هذه الحال هو القضاء على وجوه الحراك. هذا يتطلب حملة تصفيات مباشرة لا يمكن خلالها إخفاء الوجوه. أقصى ما يمكن أن يحصل هو أن يعبر القتلة الحدود الطويلة، وأن يتواروا خلفها لفترة. أما السلطات العراقية المقيدة بالنفوذ الإيراني، فهي مقيدة أيضاً بسلاح الحشد الشعبي (القانوني)، ومقيدة بحضور الميليشيات في الوزارات، ومقيدة بالعجز عن عبور الحدود أو عن مطالبة السلطات الإيرانية أو السورية بتسليم القتلة. ونجم عن هذا كله، استمرار مأساوي للجريمة، وبدء عملية نزوح كبير إلى خارج العراق أو إلى مناطق كردستان، وخلو ساحات الاحتجاج من الوجوه المؤثرة.

نظرياً هذه هي خطة فرق الموت في العراق، وهي باشرت تنفيذها عبر عمليات القتل التي تشهدها المدن الشيعية منذ نحو سنتين، والنشطاء العراقيون اذ يُبدون مزيداً من الصمود في وجه حملات قتلهم، يشعرون بأنهم لوحدهم في العراء في مواجهة فرق القتل. فبيانات الإدانة الصادرة عن الهيئات الدولية صارت حدثاً مضجراً لا مردود له، والوعود الحكومية بالمحاسبة لم يتحقق شيء منها، والحدث الهائل المتمثل بانشقاق شارع شيعي عن طهران لم يجد من يستقبله على رغم استثنائيته. وهو إذا وجد من يلاقيه، فلكي يوظفه في مواجهة غير عراقية مع طهران من المرجح أن ترتد ويلاً وثبوراً على الناشطين.

مرجعية النجف بدورها لم تبد رغبة في استيعاب المزاج غير الإيراني الذي كشف عنه الحراك العراقي. الاغتيالات المتعاقبة والقتل المعلن للناشطين لم يخلف بالمرجعية غضباً كافياً كان، لو حصل، سيصعب على القتلة مهمتهم.

عواصم دول الجوار صارت تعج بالناشطين العراقيين العالقين خارج بلدانهم بحثاً عن رحلة إلى دولة أبعد تأويهم وتحميهم من القتل الذي ينتظرهم في بلدهم.

العراق اليوم بلد طارد لكل من تخول له نفسه الاعتراض على نفوذ إيران في مدنه وحكومته ومراقده وحشده. والعراقيون متروكون لوحدهم في مواجهة كواتم الصوت، ووحدها الكاميرات تسجل ما يجري وتلتقط ملامح القتلة. ولا أحد يحرك ساكناً.    

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.