محمد بن سلمان في صلاة عيد الفطر
محمد بن سلمان في صلاة عيد الفطر

في عام 1986 قدم آخر رئيس للاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف مشروعا طموحا لإصلاح الاتحاد الذي كان قد بلغ وضعا حرجا على جميع المستويات. عرف هذا المشروع بسياسة الغلاسنوست (العلنية أو الشفافية) والبيريسترويكا (إعادة البناء).

لم تمنع هذه السياسة في النهاية من انهيار الاتحاد السوفييتي، بل اعتبر البعض أنها سرعت في سقوطه. لكن المغزى هو أن الأفكار التي جاء بها غورباتشوف شكلت ضربة قاضية للأيديولوجية الشيوعية، التي هيمنت على العالم لأكثر من سبعين عاما، وبنتيجة ذلك عادت تياراتها وأحزابها إلى الهامش بعد أن كانت في صدارة المشهد الدولي. وفي حين خرجت روسيا الاتحادية والدول الأخرى التي كانت تشكل جمهوريات الاتحاد السوفيتي من جديد إلى المسرح الدولي، لم تتمكن الأيديولوجية الشيوعية أبدا من التعافي. في عام 2021 طرح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في المقابلة التي بثتها قناة العربية (27 أبريل) مشروعه لإصلاح الحالة الدينية للمملكة، والذي يمكن تسميته ببريسترويكا إسلامية، تدعو لأول مرة للقطيعة مع المدرسة السلفية الوهابية والتخلي عن ترسانة هائلة من الأحاديث النبوية التي استند عليها الفقهاء لقرون طويلة والتي شكلت مع الوقت التدين الشائع اليوم.

أهمية هذه الدعوة لا تأتي من مضمونها، فقد دعا إلى ذلك الكثير من التنويرين من قبل، ولكن لكونها تأتي من السلطة السياسية في السعودية، وهي التي جعلت من مذهب محمد بن عبد الوهاب القائم على سلفية بن تيمية وتلاميذه عقيدتها الرئيسية وعملت على نشرها في بقاع الأرض، سواء عبر الدعم المالي أو السياسي. بن سلمان تحدث أيضا بصراحة ووضوح لا لبس فيهما بأن السعودية لا يمكنها أن تتقدم وتحقق النمو الاقتصادي وتنعش السياحة وتجلب الاستثمارات وتخلق الأعمال والوظائف، بوجود فكر متطرف، وأنه لابد من القطيعة التامة مع التيارات السلفية واستئصال أفكار الإسلام السياسي، إن هي أرادت التنمية والنهضة الحضارية. هذه التصريحات الواردة في المقابلة تشكل ثورة كبيرة لمن يدرك أهميتها، لأنها تعني تخلي السعودية رسميا عن دعم الاتجاهات السلفية والدينية المتزمتة في العالم، الأمر
الذي سوف يترك آثارا مدمرة على هذه المدرسة، عاجلا أو آجلا، وهو ما يعادل في أهميته انهيار الشيوعية.

أصداء المقابلة وجدت صداها في عدد من المؤسسات الدينية في العالم العربي، لعل أبرزها مؤسسة الأزهر التي راح شيخها الدكتور أحمد الطيب يدافع عن نفسه ومؤسسته في مجال التجديد الديني، بعد أن كان في السابق يهاجم الداعين له. فقد صرح شيخ الأزهر في 3 مايو، أن فتاوى تيارات التطرف حول الجهاد والقتل مدلسة، وأنها شاركت في تشويه صورة الإسلام وشريعته. كما دعا قبل ذلك بيوم (2 مايو 2021) كبار العلماء للاجتهاد الجماعي في 25 قضية جديدة ومعاصرة، تشمل القضايا ال ُمتع ِلِّقة بالإرها ِب والتكفي ِر والهجرة، وتحديد مفهوم دار الإسلام، والالتحاق بجماعات العنف المسلح، والخروج على المجتمع وكراهيته، ومفاصلته شعور ًيا، واستباحة دم المواطنين بالقتل أو التفجير.


تصريحات ولي العهد السعودي لا تزال بالطبع في مجال الرؤية والمشروع ولا أشك شخصيا أنه سوف يطبقها على أرض الواقع مع الوقت إذا ما أتيح له المجال، لكن المهم هو أنها تأتي في سياق عام في المنطقة يتسم بتراجع واضح في دور وتأثير ونفوذ الجماعات الممثلة للإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين. وهذا يعني أننا نعيش اليوم نهاية المد الإسلامي الأصولي الذي تولد بنتيجة الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان في نهاية السبعينات، والذي شكل على مدى العقود التي أعقبت ذلك، ردة حضارية كاملة في منطقة الشرق الأوسط.

سوف تظل آلة الدعاية الإيرانية الشيعية السياسية فاعلة لبعض الوقت، وكذلك ذيول الإخوان المسلمين وممثلتهم قطر وقناة الجزيرة يستميتون لعكس موجة الأحداث، لكن ما يبدو واضحا أن المنطقة العربية تشهد اليوم صحوة على واقع مرير لا تحسد عليه. فالخيارات أمام دولها واضحة تماما. لا يمكن تحقيق التقدم والنمو الاقتصادي مع سيادة التخلف الاجتماعي والتطرف الديني، ولا يمكن لها أن تعول على السياحة أو الاستثمار أو أي شكل من الدعم الاقتصادي لإصلاح أوضاعها، في الوقت الذي يهيمن فيه التراث الديني والعقلية الناجمة عنه على المجتمع. يمكنها أن تدير الأوضاع الحالية ويمكن للحكومات أن تستمر في السلطة، لكنها سوف تواجه بعد قليل المزيد من العجز الاقتصادي والمزيد من المشكلات السياسية والاجتماعية وسوف يحوم حولها شبح الدولة الفاشلة.

هذا الواقع أدركته الحكومة السعودية ونأمل أن تدركه باقي الحكومات العربية، وبحيث لا تكتفي بإصلاحات جزئية، وإنما تصارح شعوبها بأن الوقت قد حان لإصلاح حقيقي ينطلق من تحرير الدولة من الدين أو الدين من الدولة، وبحيث تنفتح هذه الدول على العالم بصورة تجعلها جزءا لا يتجزأ من العصر الحديث، في قوانينها، وسياساتها، ومنطقها، وتعاملاتها. ولعل البداية الصحيحة تأتي من إصلاح منظومة التعليم، وخاصة الحكومي منه، والتي عاث ولا يزال يعيث فيها فسادا ممثلو الإسلام السياسي. هذه المنظومة تلعب اليوم دور المفرخ للعقليات والنفسيات المبرمجة على لغة الإسلام السياسي والتيارات الدينية عموما. لذلك فإن أي إصلاح
مجتمعي لا يجد ترجمته في التعليم سيبقى مجرد شعار خالي من المحتوى.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.