اسرائيل-صدامات-اللد
مدينة اللد الإسرائيلية شهدت مواجهات بين عرب ويهود.

مع دنو موعد انطلاق أكبر مناورة عسكرية إسرائيلية، تُحاكي حرباً ضد قطاع غزّة والضفة الغربية وجنوب لبنان، في آن واحد، وضعت إيران والفصائل التابعة لها أو المتعاونة معها، في كل من لبنان وسوريا وفلسطين، نفسها في أقصى حالات التأهّب. 

ومع حلول الموعد المقرر لانطلاق هذه المناورة التي كان مقدّراً لها أن تستمر شهراً كاملاً، وجدت إسرائيل نفسها تخوض حرباً حقيقية لا "افتراضية"، إذ إنّ "انتفاضة حي الشيخ جرّاح" فتحت جبهة قطاع غزّة على مصراعيها، فوصلت صواريخ "حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى "أبعد أبعد من حيفا"، ومن دون "جميلة" صاحب هذا الشعار: "حزب الله".

إلّا أنّ تغيير وظيفة الاستنفار الإسرائيلي، على أهميته ليس الحدث الفعلي، على اعتبار أنّ الجميع لم يكن يسأل عمّا إذا كانت الحرب سوف تقع، بل عن موعد وقوعها، ولهذا، فإنّ الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أعدّا لها ما يملكان من قوّة، فـ"حركة حماس" تحاول تغيير المعادلة التي تحاصرها بتوسّل صواريخها وإرباك "الإبراهيميين" العرب و"استقطاب" كبار الوسطاء، فيما إسرائيل ستتوسّل تفوقّها الاستراتيجي لتثبيت قوة الردع، من جهة أولى وإعادة إدارة الرئيس جو بايدن إلى "مربّع الدعم"، الذي كانت قد سكنته مع إدارة دونالد ترامب، من جهة ثانية واختبار صلابة "حلفائها" العرب الجدد، من جهة ثالثة.

إذن، فانتقال إسرائيل من خانة "المناورة العسكرية" إلى خانة "الحرب العسكرية" ليس الحدث الفعلي، بل مظاهر "الحرب الأهلية" التي اندلعت بين اليهود، من جهة والعرب، من جهة أخرى، في مدن وبلدات كان كثيرون يعتقدون بأنّها تصلح نماذج للعيش المشترك.

ومن يدقّق في ما يحصل بين اليهود والعرب داخل إسرائيل يُدرك أنّ الموضوع لا علاقة له بانتفاضة الفلسطينيين ضد السلطة الإسرائيلية، بل هو مواجهة أهلية حقيقية، يتحمّل مسؤولية اندلاعها اليمين اليهودي المتطرّف وليس السكّان العرب.

إنّ مسارعة كثيرين من الناطقين باللغة العربية إلى تمجيد المواجهات الأهلية بين اليهود والعرب الإسرائيليين على أساس أنّها انتفاضة وولادة جديدة، فيها الكثير من الاستخفاف بالواقع وتداعياته وانعكاساته.

وعلى سبيل المثال، ليست الحرب المندلعة بين قطاع غزّة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، هي ما قد تؤدّي إلى إخراج النظام الإسرائيلي عموماً ورئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، خصوصاً من الورطة الدستورية التي يعيشها، بل هذه "الحرب الأهلية" بالذات، بدليل ما برّر به رئيس حزب "يمينا" نفتالي بينيت لإعادة الحرارة الى مفاوضاته الحكومية مع نتانياهو، وتجميد المساعي التي كادت أن تولّد حكومة مناهضة له بدعم من "القائمة العربية الموحدّة"، برئاسة منصور عبّاس.

إنّ اعتبار بينيت رفضه تشكيل مناهضي نتانياهو لحكومة جديدة، لأنّ هكذا حكومة "لن تكون قادرة على التعامل مع أعمال الشغب والمواجهات في جميع أنحاء البلاد بين اليهود والعرب"، يُبيّن أنّ ما كان يمكن أن يفيد العرب من تحوّلهم إلى "بيضة القبّان" في ظل انقسام يهودي كبير، قد تلاشى.

ومن يعرف قصة نشوء دولة إسرائيل، يعرف أيضاً أنّها أرست دعائمها في مواجهات اندلعت بين العرب واليهود، ارتكبت في خلالها أبشع المجازر، وتالياً فإنّ هذا النوع من المواجهات ليس طارئاً، بل هو جزء من القواعد التأسيسية للدولة الإسرائيلية التي تعاملت، دائماً، مع "عرب 48" على أساس أنّهم "مشكلة كيانية"، ممّا دفع، في أكثر من ظرف، بعض المنظّرين الصهاينة الى وضع كثير من الخطط لاصطناع ظروف تسمح بإطلاق آليات ترحيل هؤلاء (ترانسفير).

وإذا كانت الانتفاضات والثورات تهدف إلى خدمة الفئات المقهورة أو المضطهدة أو المظلومة، فإنّ لا شيء يمكن أن يصيبها بنوائب إضافية سوى الحروب الأهلية، ولهذا، فإنّ الأنظمة القمعية والشمولية والتمييزية، وللتخلّص من عبء الانتفاضات والثورات، تختار الذهاب إلى حرب أهلية، مثلما حصل، على سبيل المثال لا الحصر، في سوريا.

ولهذا، قبل التهليل لهذه المواجهات الأهلية بين العرب، من جهة واليهود، من جهة أخرى لا بد من التدقيق في المعطيات والانعكاسات.

إنّ المواجهة العسكرية بين إسرائيل، من جهة وقطاع غزّة، من جهة أخرى مهما طالت ومهما دمّرت ومهما قتلت، فهي محكومة بأن تنتهي إلى اتفاق جديد يرعى "قواعد الاشتباك" بما يراعي "موازين القوة" التي سوف تُظهرها، قبل أن يجلس كل طرف مع نفسه ليقيّم أرباحه ويحصي خسائره، ولكن "الحرب الأهلية" فتحت جرحاً قديماً لا يمكن أن يُنهيه أي اتفاق، بل هو سيولّد مزيداً من القهر ومن المظلومية ومن التطرّف المتقابل، ومن الخطط التيئيسية ومن المؤامرات التهجيرية.

إنّ دولة إسرائيل، بكل ما تملكه، ستكون في خدمة اليهود، فمن تراه سيكون في خدمة الفلسطينيين، لأنّه، في هذا النوع من الانقسام، لا تنفع الصواريخ، مهما بلغ مداها، ولا الشعارات، مهما حسنت صياغتها؟

في ظل ظروف أفضل بكثير، حيث كانت القضية الفلسطينية مقدّسة، ضاعت حقوق الفلسطينيين، فكيف يمكن استعادتها، في الظروف الراهنة، حيث كل دولة عربية منشغلة بذاتها وبتحديّاتها، وحيث الشعوب، مثل الشعبين اللبناني والسوري، تمضي أوقاتها في انتظار صفيحة بنزين، وقارورة غاز، وحبّة دواء، وومضة كهرباء، وعلبة حليب، و... "صندوق إعاشة".

رائعة المشاعر وجميلة الأحلام وملهمة التمنيات، ولكنها، في حال لم تتوافر معطياتها الموضوعية وإمكانياتها الواقعية، تصبح مكوّنات لكارثة جديدة تلحق بشعب أرهقه إحصاء نكباته.

ليس المطلوب، بطبيعة الحال، أن ينكفئ الفلسطينيون عن الدفاع عن أنفسهم، بل أن يجري التعامل مع ما يحدث معهم، على أساس واقعي، وليس على أساس "ملحمي".

في الواقع، إنّ الفلسطينيين أنجزوا الكثير، يوم حملوا الحجر في مواجهة الدبابة، وأخرجوا أنفسهم من فخ "الحرب الأهلية" قبل أن تقتحمهم "العبوات البشرية" و"صواريخ الممانعة".

كادت "انتفاضة حي الشيخ الجرّاح" التي لقيت تعاطفاً شعبياً ودولياً عارماً أن تعيد الفلسطينيين إلى "دائرة المكاسب" لكنّ الصواريخ، من هنا والتطرف اليهودي، من هناك قلبا الحلم إلى كابوس.
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.