مسلسل "ضل راجل" وضع معايير جديدة للرجولة غير تلك التى يتصورها البعض.
مسلسل "ضل راجل" وضع معايير جديدة للرجولة غير تلك التى يتصورها البعض.

يعتبر الكثيرون الفنَ من أهم وأفضل وسائل تطوير المجتمعات ودعم الأفكار التنويرية. ومما لا شك فيه أن بعض مسلسلات رمضان التليفزيونية هذا العام قد ساهمت بطريقة أو بأخرى في قضية التنوير.

وعلى سبيل المثال لا الحصر جاء مسلسل "ضل راجل" ليضع معايير جديدة للرجولة غير تلك التى يتصورها البعض. فالرجولة في هذا المسلسل لم تكن صورة الرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة، بل كانت وتجلت في صورة الزوج الذي يقف بجانب زوجته المريضة ويحملها بين يديه لأنها كانت لاتستطيع الحراك. 

وتجلت معاني الرجولة والمسؤولية في رفض الزوج أن يتزوج من زوجة أخرى بسبب مرض زوجته الأولى. وذلك على عكس المفهوم الفقهي التقليدي وغير الإنساني الذي يجعل مرض الزوجة أحد المبررات للرجل يتزوج عليها. وقد أبدع الممثل ياسر جلال وهو من قام بدور الزوج والممثلة القديرة نرمين الفقي، في إيصال هذا المعنى للمشاهد عبر سيناريو وحوار قادر على التأثير على الجماهير.

وأتذكر في هذه اللحظات كيف تحول الأمر من مسلسل "الحاج متولي" الذي كان زيراً للنساء مستخدماً الدين كغطاء لتبرير شهواته ونزواته، إلى وضع جديد تكون فيه الرجولة الحقيقية هي وقوف الزوج بجانب زوجته في أي محنة حتى النهاية.

وأظهر هذا المسلسل أيضاً خطورة مايسمى بالزواج العرفي في المجتمع، وكيف قد يتسبب في مشاكل لاحصر لها للأفراد والمجتمعات والأسر.

ويأتي بعد ذلك مسلسل "لعبة نيوتن" والذي ألقى الضوء على واحدة من أهم القضايا المجتمعية ألا وهي قضية الطلاق الشفوي. ولا ينسى أحد في هذا السياق الصراع بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وشيخ الأزهر حين أصر الأخير – أي شيخ الأزهر- على إقرار الطلاق الشفوي بدلاً من الطلاق الموثق والمكتوب رسمياً. 

وتأتي "لعبة نيوتن" لتجعل العقول تدور في دوامة، حين تتزوج البطلة منى زكي زواجاً إسلامياً من رجل أعمال مصري أميركي في أميركا، وذلك بعد أن طلقها زوجها شفوياً برسالة عبر الواتس آب! وجاءت المشكلة حين ردها زوجها الأصلي دون علمها، مما جعلها تتزوج من رجل الأعمال المصري الأميركي زواجاً "إسلاميا" بدون أي أوراق. 

وجاءت الطامة الكبرى حينما حدث صراع بين الزوجين عليها فهي – أي الزوجة -  متزوجة رسمياً من زوجها الأول، لأنه لم يطلقها رسمياً بصورة مكتوبة وموثقة وفي نفس الوقت هي متزوجة "إسلامياً من زوج آخر! 

وأظهر الصراع هنا خطورة الزواج والطلاق بدون أوراق رسمية وجعل الزواج والطلاق المكتوب رسمياً بعقود موثقة هو الوسيلة الوحيدة المقبولة التي تضمن منع مثل هذه المشاكل المعقدة!

وبالإضافة إلى هذه المسلسلات، فقد حاولت بعض المسلسلات الأخرى مثل "القاهرة كابول" نقد المفاهيم الجهادية العنيفة عند الجماعات الإسلامية المتطرفة. وقد أوصلت هذه المسلسلات قدراً معقولاً من النقد لمفاهيم هذه الجماعات، ولكن كان في الإمكان تطوير السيناريو أو الحوار ليكون أكثر تأثيرا في هذا المضمار. 

وقد جانب الحوار الصواب في مواقف هامة مثل تلك التي كان الفنان القدير نبيل الحلفاوي يعاتب "الإرهابيين" لأنهم يقتلون "مسلمين". ومما لاشك فيه أن هذه النقطة كانت سقطة في الحوار، لأن البعض قد يفهمها بأنها قبول غير مباشر للعمليات الإرهابية إن تمت ضد غير المسلمين! ولذا وجب التنويه إلى أنه بالرغم من العديد من المسائل الإيجابية في المسلسل، فإن خطاً مثل هذا كان لا ينبغي أن يوجد في الحوار من الأساس، فقد كان يمكن عتاب "الإرهابيين" على قتل "الأبرياء والمسالمين" بدلاً من عتابهم لأنهم يقتلون "مسلمين".

وباختصار، فمما لا شك فيه أنه وبصورة عامة فقد ساهمت العديد من مسلسلات رمضان عذا العام في تطوير الوعي المجتمعي ودعم قضية التنوير التي حارب من أجلها الكثيرون بالكلمة والقلم بل وبذل البعض مثل الراحل فرج فودة دمه لأجلها! وأتمنى أن يتطور الأمر ويصبح الفن أقوى سلاح في مواجهة التطرف والكراهية والإرهاب!
وللحديث بقية!

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.