أكثر من ألف صاروخ أطلق من قطاع غزة على إسرائيل منذ مساء الإثنين
أكثر من 1600 صاروخ أطلق من قطاع غزة على إسرائيل منذ مساء الاثنين.

مئات الجرحى بين المدنيين الفلسطينيين وأكثر من 87 قتيلا مقابل 7 إسرائيليين هي حصيلة الساعة من جراء التراشق الأخير بين حماس واسرائيل، والإنجاز السياسي الأول لصواريخ الحركة والطلعات الإسرائيلية، هو فوز لزعيم الليكود بنيامين نتانياهو، وتشريع الطريق أمامه للعودة إلى رئاسة الحكومة.

منذ أسبوع وقبل مواجهات إسرائيل-حماس، كان نتانياهو في مأزق بعد فشله في تأليف حكومة خلال مهلة الـ27 يوما، وللمرة الأولى منذ 2009 كان منافسوه على عتبة تشكيل حكومة توافقية يترأسها دوريا كل من نافتالي بينيت ويائير لابيد. يوم أمس الخميس وبعد 1600 صاروخ من حماس باتجاه إسرائيل، انقلبت اللعبة الحكومية رأسا على عقب وتراجع بينيت عن قراره منعطفا باتجاه مديره السابق نتانياهو، ومؤكدا على ضرورة تشكيل حكومة "وحدة وطنية" مع الليكود.

انعطاف بينيت هو فوز ثمين لنتانياهو إذ على الأقل سيضمن وجوده في الحكومة المقبلة إن لم يمنحه حصانة في مشاكله القضائية. وهو فوز ما كاد ليكون ممكنا لولا صواريخ حماس وتحويلها الضغوط بعيدا عن نتانياهو وأيضا بعيدا عن التجاوزات للأمن الإسرائيلي في القدس والحرم الشريف. 

قبل إطلاق حماس لصواريخها العشوائية التي سقط ثلثها في غزة، كان الضغط الدولي والشعبي على إسرائيل بسبب التصرفات الأمنية الفاضحة لها داخل وحول المسجد الأقصى. كان المشهد عنوانه انتفاضة شعبية للفلسطينيين أقرب للانتفاضة الأولى التي سبقت نفوذ حماس وكان عنوانها "انتفاضة الحجر". وخلافا للانتفاضة الثانية التي هيمنت عليها حماس، نجحت الأولى في تسليط الضوء دوليا ودبلوماسيا على الفلسطينيين وأجبرت إسرائيل على تقديم تنازلات بإسقاطها حكومة إسحق شامير وصعود مخيم السلام. أما الثانية التي اختطفتها حماس فسلبت حقوق الفلسطينيين وتراجع قضيتهم إقليميا ودوليا.

فلا عجب إذا أن تتحرك حماس وتخرب الموجة الشعبية في القدس بإطلاق صواريخ وتحويل الانتباه بعيدا عن الحرم الشريف وباتجاه استعراضاتها التي ستبقي نتانياهو في السلطة. وهذه ليست المرة الأولى التي تفعلها حماس وتلعب أوراقها لصالح نتانياهو. فمنذ 1996 وبعد اغتيال إسحق رابين والحركة تمارس الدور نفسه لتقوية اليمين الإسرائيلي. فالتشدد في إسرائيل يناسب القاعدة الشعبية والإيديولوجية لحماس.

فضلا عن ذلك، فالتمويل النقدي لحماس لم يتوقف من قطر خلال حكم نتانياهو ومن الواضح أن التسلح استمر على الرغم من رزوح أكثر من حوالي 60 في المئة في القطاع تحت خط الفقر. 

أما بالنسبة لنتانياهو، فالمصلحة متبادلة مع حماس. حكم الحركة للقطاع يعني عمليا استمرار الانقسام الفلسطيني واستحالة أي حركة جدية من الفلسطينيين بأي اتجاه كان. والمواجهات العسكرية التي خاضها نتانياهو ضد حماس منذ 2009 وحتى اليوم ساعدته في حشد قاعدته الحزبية ولعب الورقة الأمنية. فالحراك السلمي هو أكثر خطورة على نتانياهو من أي صاروخ تطلقه حماس.

أمام هذه المعادلة يواجه الجانب الفلسطيني المتحرر تعقيدات هائلة في إيصال صوته وتغيير واقع الاحتلال أو توحيد الصف. فصواريخ حماس وطائرات إسرائيل فوق غزة صوتهم أعلى من أي تحرك في القدس وضد هدم البيوت وطرد أصحابها. وضعف السلطة الفلسطينية يفيد حماس كما يفيد الليكود، بإطالة واقع الاحتلال والانقسام وإعلان بطولات فوق أشلاء الفلسطينيين من دون تحرير الأرض أو حتى السماء في غزة… 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.