الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية في الأعوام الأخيرة نشط بشكل كبير
الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية في الأعوام الأخيرة نشط بشكل كبير

قبل أزيد من خمس سنوات، في لقاء إعلامي خاص مع أحد وُلاة جهات منطقة الصحراء، كنت من بين حضوره، أذكر أنه في تلك المناسبة حدثنا السيد والي الجهة بمرارة عن النزاع الجزائري - المغربي ومدى انعكاساته السلبية على تطور وتنمية المنطقة المغاربية والعيش المشترك لشعوبها.

ما بقي عالقا بذاكرتي من ذلك اللقاء، هو ما استعرضه المسؤول الإداري أمامنا حول العراقيل التي "تجتهد الجارة الجزائر لنصبها للمغرب"، ومما جاء على لسانه: "إن السياسة الخارجية للجزائر تستند في الأول والأخير على عقيدة عدائية كاملة تجاه بلدنا، وأن كل برامج وجهود الخارجية الجزائرية موجهة لإذكاء النزاع حول الصحراء".

سيجد المتتبع لتطورات النزاع حول الصحراء الغربية، القائم منذ 1975، أن ما سمعناه من المسؤول الإداري المغربي من انتقادات لعمل الخارجية الجزائرية، ينطبق بصورة ما، على عمل الخارجية المغربية، حيث يهيمن الموضوع نفسه على ملفات ومشاريع واستراتيجية هذه الوزارة الأساسية.

ومما يسترعي الاهتمام، أن الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية في الأعوام الأخيرة نشط بشكل كبير باتجاه تعزيز الموقف المغربي في الساحة الدولية، إذ سعى المغرب بجدية كبيرة للتواجد ضمن الدواليب المتحكمة في صناعة القرار داخل المنظمات الدولية الاستراتيجية. بغاية تأكيد "السيادة الشرعية للمغرب على الأقاليم الصحراوية". وتجلى ذلك في مبادرات احتضان المغرب لعدد من الاجتماعات، واللقاءات والمؤتمرات الإقليمية والدولية. منها على سبيل الذكر، فتح المجال أمام الفرقاء المتصارعين في ليبيا، ليتحاوروا في سلسلة اجتماعات متوالية بالصخيرات وبوزنيقة. وهي المبادرة التي حظيت بإشادة دولية واسعة نوهت بدور المغرب وبجهوده للتمكن من إيجاد حل سياسي للأزمة في هذا البلد المغاربي.

في السنوات الأخيرة برز اسم ناصر بوريطة، عندما أسندت إليه مهمة وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة القاطنين بالخارج. وقد تدرج في وظائف ومهام الوزارة حتى تمكن من الوصول إلى قيادتها.

ورغم مساعدة وزيرين منتدبين، الأول مكلف بالتعاون الأفريقي، محسن الجزولي، تكنوقراطي، والثانية مكلفة بملف المغاربة المقيمين بالخارج، مونية بوستة، محسوبة على حزب التجمع الوطني للأحرار. وخلافا لما يشاع، لا يجمعها بوزير الخارجية السابق وزعيم حزب الاستقلال المرحوم امحمد بوستة، سوى اللقب. إلا أنه يجب التنبيه إلى أن السياسة الخارجية مجال محفوظ للمؤسسة الملكية، إذ تعد من الحقائب "السيادية"، وهو تقليد عُرْفي منذ منتصف الستينيات في عهد الملك الحسن الثاني. وتأكيدا لهذا المضمون، يمكن الاستناد إلى "ويكيليكس"، حيث تفيد وثيقة مؤرخة بـ11 ديسمبر 2009، صادرة عن القنصلية الأميركية بالدار البيضاء، تؤكد معطياتها للبيت الأبيض، كون "الملك هو الصانع الوحيد للقرار الدبلوماسي في المغرب".

منذ تعيينه وزيرا منتدبا إلى جانب الوزير صلاح الدين مزوار، حرص الوزير التكنوقراطي ناصر بوريطة على أن يطل بدينامية جديدة، محاولا القطيعة مع الصورة الباهتة والمرتبكة لأداء الدبلوماسية المغربية. وبعد ذهاب مزوار تولى بدله بوريطة المهمة كاملة في حكومة سعد الدين العثماني (أبريل 2017)، وتحول إلى وجه مألوف في المشهد الإعلامي. خاصة بعد رفعه لرهان تدشين عهد جديد من الدبلوماسية المغربية، بأداء يرتقي ليتفاعل مع التحولات الدولية المتسارعة.

ثم بدأنا نرى كيف صار المغرب ينأى عن أسلوب النعامة وسياسة التجاهل تجاه التقارير الدولية المنتقدة، خاصة تلك التي تصدر عن الهيئات والمنظمات الحقوقية، وعلى رأسها منظمة "أمنيستي أنترناسيوال" و"هيومان رايتس ووتش"، وبالأخص في ما يتصل بموضوع الصحراء الغربية.

رغم ذلك فإن مراقبين سياسيين أشاروا إلى أن الدبلوماسية المغربية لم تتجاوز أسلوب "ردود الفعل" عوض ابتكار دبلوماسية استباقية. ونتجت عن ردود الفعل المغربية مجموعة من التوترات، سواء مع بلدان عربية خليجية، مثل الإمارات، قبل وقت. أو مع دول من الاتحاد الأوروبي. وكلما كانت المسألة تتعلق بملف النزاع حول الصحراء، فإن الآلية الدبلوماسية المغربية تستنفر وتضاعف من طاقتها في اتجاه الضغط لتمييل الكفة لصالح الميزان المغربي. ويتطلب ذلك جهودا أكبر للتغلب على دبلوماسية البوليساريو وخلفها الخارجية الجزائرية، والتي تمكنت في السابق، من أن تسجل في أكثر من مكان ومناسبة نقاط تفوق لصالحها ضد المغرب.

لا يجب إهمال الإشارة إلى أن المغرب استطاع كسب معارك دبلوماسية كبرى في ملف الصحراء، منها إحباط مشروع توسيع صلاحيات "المينورسو" بالصحراء لتمتد إلى إنشاء آلية موازية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية. وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي من وراء المشروع. أو دفع السويد إلى التراجع عن الاعتراف بجمهورية البوليساريو.

من المؤاخذات على الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية، افتقاره لاستراتيجية واضحة في مواجهته لتحركات جبهة "البوليساريو" المدعومة من قبل الجزائر، التي تمهد للانفصاليين الاستقطاب الدبلوماسي. 

لكن المغرب يبدو اليوم أنه لم يعد يقبل بازدواجية التعامل معه من لدن المنتظم الدولي، حيث يعترفون له بموقعه الجيوستراتيجي كقطب جهوي يتميز بالاعتدال والتسامح، وكشريك استراتيجي في مجالات الاستثمار ومحاربة الإرهاب وفي سياسات الهجرة والتنمية. لكن عندما يحضر ملف قضية الصحراء تنخرط بلدان الاتحاد الأوروبي في لغة تقرير المصير وضرورة إجراء الاستفتاء، بدل ما يدعو إليه المغرب، أي دعم الدينامية "الإيجابية" في ملف النزاع وتأييد حل الحكم الذاتي، خصوصا بعد اعتراف الرئيس الأميركي السابق ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

في الفترة الأخيرة برز الخلاف مع ألمانيا، وكان ملف الصحراء على رأس التوتر، بين ملفات أخرى. وفوجئ المغاربة بالتصعيد في لهجة الخارجية المغربية، خصوصا تجاه بلد كبير من حجم ألمانيا. وذهبت بعض التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي حد التنقيص من وزن هذا البلد الذي يقود الاتحاد الأوروبي.

وسرعان ما عاد التوتر من جديد بين المغرب واسبانيا. ولأن طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد تتسم بدرجة قصوى من الحساسية التاريخية والسياسية، فإن إسبانيا غالبا ما تجد نفسها أمام تحديات حالة اختلال تهدد سياستها مع المغرب، وهي سياسة تنحو دائما باتجاه إيجاد حل "عادل وواقعي" للقضية الصحراوية يتماشى مع الموقف الدولي برعاية الأمم المتحدة.

في الشهر الماضي تسرب خبر استضافة إسبانيا زعيم الجبهة الانفصالية البوليساريو ابراهيم غالي، بغاية علاجه في مستشفى بإسبانيا، (دخله باسم مستعار لتلقي العلاج من سرطان في الجهاز الهضمي، وليس للتشافي من كورونا كما ردد الإعلام الجزائري). وتفاقم التوتر مرة أخرى، وبرز التباين من جديد بين إسبانيا والمغرب، لتطفو على السطح جملة من الخلافات، منها الظاهر والخفي، ما تكمن خلفه أسباب تاريخية أو اقتصادية، كوضع مدينتي سبتة ومليلية، وحرب الريف التي استخدمت فيها اسبانيا أسلحة بيولوجية (1921- 1927)، إضافة إلى تراكمات ملف الهجرة.

 كان هذا داعيا كافيا لتستدعي وزارة الخارجية المغربية السفير الإسباني في الرباط للتعبير عن "عدم الفهم والسخط"، والاحتجاج على محاولة التستر على وجود الزعيم الانفصالي في اسبانيا "الملاحق من قبل القضاء والمطلوب للعدالة الاسبانية على خلفية "جرائم الإبادة والإرهاب".
ولأن ملف قضية الصحراء من اختصاص المؤسسة الملكية، فإن الأحزاب لا تستدعى إلا من أجل الإخبار والمباركة والتأييد. في هذا السياق تمت الدعوة على عجل إلى زعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان، للاجتماع بسعد الدين العثماني رئيس الحكومة، بحضور وزير الخارجية ووزراء آخرين. إثر هذا اللقاء صدر بيان تمت الإشارة فيه إلى أن السلوك الإسباني المتمثل في استقبال زعيم الانفصاليين، يعدا "أمرا مرفوضا" ويضر بالعلاقات والمصالح المشتركة بين البلدين، و"خطأ يجب الإسراع بتصحيحه عبر تقديم المدعو إبراهيم غالي إلى العدالة".

بالمقابل، سارعت وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس لايا للتأكيد أن إبراهيم غالي "نُقل إلى إسبانيا لأسباب إنسانية بحتة من أجل تلقي الرعاية الصحية"، مشيرة في السياق ذاته إلى أن هذه الخطوة "لن تؤدي لتشويش العلاقات مع المغرب". وشددت وزيرة الخارجية الاسبانية على أن "المغرب بلد جار وصديق وشريك مميز، والعناية الطبية التي يتلقاها غالي لن تكون مزعجة لعلاقاتنا الثنائية". إلا أن الوزير المغربي لم يقتنع بهذا التبرير، وصرح أن بلاده لا زالت تنتظر ردا مرضيا ومقنعا من طرف الحكومة الإسبانية. وتساءل بوريطة حول ما إذ كانت هناك رغبة إسبانية للتضحية بالعلاقات الثنائية من أجل زعيم البوليساريو؟ مشيرا إلى أن المغرب لا يكف عن تقديم دعمه لمدريد في مواجهة الانفصاليين الكتالونيين.

في مستهل هذا العام، أيدت بعض المواقع الإعلامية المغربية منح صفة "رجل السنة" لوزير الخارجية ناصر بوريطة، ففي توليه المنصب تحقق اعتراف ترامب بمغربية الصحراء، ما اعتبر انتصارا جيوسياسيا للمغرب، كان لوقعه زلزال داخل أجهزة النظام الجزائري. كما فتحت أكثر من عشرين دولة قنصليات لها بالصحراء، تتقدمها قنصلية الولايات المتحدة الأميركية بمدينة الداخلة. إلا أن هذه الانتصارات يراها آخرون هدايا مسمومة لاقترانها بالتطبيع مع إسرائيل. ما قلص صورة بوريطة في أعين الكثيرين، خصوصا مع تحركاته تجاه التطبيع. 

ومع تطورات الأحداث الأخيرة في القدس وغزة، ومنع المظاهرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني في الشارع المغربي، توارت اجتهادات بوريطة، وها هو المحامي خالد السفياني، من القيادات المغربية البارزة المساندة لكفاح الفلسطينيين، يوجه رسالة مفتوحة عنونها بـ"إلى المدعو بوريطة"، كلماتها قاسية حد التخوين والاتهام ببيع القضية الفلسطينية وقضية الصحراء في آن. إذ يشار إلى أن ناصر بوريطة، بعد تغريدة دونالد ترامب والتطبيع المغربي مع إسرائيل، "أبدى حماسة مبالغ فيها، في التسريع في خطوات التطبيع مع إسرائيل"، وصلت مؤخرا إلى مشاركته في مُؤتمر "أيباك"، أكبر لوبي يهودي داعم للعلاقات الأميركية الإسرائيلية بواشنطن، في تزامن مع الاعتِداءات الإسرائيليّة على القدس وغزة.

لم يفت بوريطة التشديد على "التزام المغرب بقرار التطبيع مع إسرائيل عن قناعة"، قائلا: "سوف نذهب إلى أقصى حد ممكن في تطوير التعاون الثنائي". واغتنم بوريطة المناسبة للتأكيد على أهمية "الحاجة إلى تنسيق العمل كحلفاء، لمواجهة التهديدات الإيرانية، المرتبطة بالأنشطة النووية، وإيران تعمل على زعزعة استقرار شمال أفريقيا وغرب أفريقيا".

وفي سياق عدم تفعيل الإدارة الأميركيّة الجديدة لتعهّدات الرئيس ترامب بالاعتِراف بالسّيادة المغربيّة على الصّحراء، دعت افتتاحية لصحيفة "واشنطن بوست" الإدارة الأميركية الجديدة إلى التريث في تفعيل اعتراف ترامب. كما طالبت السّفيرة الأميركيّة في الأُمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد من مجلس الأمن الدولي السّعي من أجل استِئناف المُفاوضات بين المملكة المغربيّة والبوليساريو، وحثّت على تعيين مبعوث أممي إلى الصّحراء الغربيّة في أسرعِ وقت مُمكن. وهو ما أدى إلى امتعاض دوائر القرار في المغرب، وأرخى بظلاله الرمادية المعيقة لاستنتاج موقف واضح من إدارة الرئيس جو بايدن تجاه ملف الصحراء.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.