الفيلم الدنماركي يقتحم عالم الرجال الذين يخفون في المعتاد مخاوفهم
الفيلم الدنماركي يقتحم عالم الرجال الذين يخفون في المعتاد مخاوفهم

تتفرد بعض القصص ذات الفتنة الاستثنائية بخاصية سحرية يمكن وصفها بديمومة الجاذبية، بحيث تتمكن هذا الخاصية ليس فقط من حجز مكان دائم لها في الذاكرة، بل باستعادة مشاعر الاستمتاع ذاتها مع كل استرجاع لها، وهو مايحرض العديد من المبدعين إلى إعادة استلهامها بأشكال وأدوات فنية جديدة ومختلفة، قد تكون في السينما أو المسرح أو التناص معها في إنتاجات أدبية جديدة. 

تعرَّف هذه الاستعادة بإعادة الصناعة Remake  التي أتحفتنا بأشكال فنية ثرية ومبتكرة لعدد من القصص من بينها على سبيل المثال لا الحصر قصة البؤساء لفيكتور هيجو، وقصة فيلم الحي الغربي الذي قدم قبل ستين عاماً مستندا في متنه لحكاية روميو وجولييت لشكسبير، وافتتح به حفل الأوسكار الأخير بعد إعادة تصنيعه بتوقيع المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ. 

في السياق ذاته يمكن اعتبار الفيلم الدنماركي جولة أخرى Another Round الذي وقع الاختيار عليه مؤخراً لشراء حقوق نسخته بالإنكليزية وإعادة تصنيعه مفاجأة السينما لهذا العام. وهو فيلم أخرجه وكتب السيناريو له توماس فينتربيرغ بمشاركة توبياس ليندهولم، وستبدو جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي التي نالها تتويجاً متوقعاً له بعد رحلة من الجوائز الدولية الرفيعة التي حصدها المدعمة باستقبال حافل وسيل من التقييمات العالية التي منحت له من أهم نقاد العالم.  

في متابعة هذا الفيلم الذي حرض قريحة شركات الإنتاج الهوليودية ومن بينهم شركة الإنتاج الخاصة بالنجم العالمي ليوناردو دي كابريو ممثلة بشخصه للتنافس لشراء حقوقه، ستعثر على الجواب الذي يكمن في سحر القصة وأسباب الرغبة في إعادة تصنيعه. وهي قصة يصح أن تصنف بأنها جديدة أو بشكل أدق جريئة في اقتحامها المبتكر للمسكوت عنه في العالم الذكوري، وتحديداً الرجال في سن الأربعين، أو ما يعرف بأزمة منتصف العمر. 

بشكل مختصر تحكي القصة البسيطة العميقة التي غلفت بطابع فكاهي خفيف عن أربعة مدرسين أصدقاء في الأربعين من عمرهم يجربون تطبيق إحدى نظريات الطبيب الفيزيائي فين سكارديرود التي تتحدث عن فرضية تقول إن الحفاظ على مستوى نسبة الكحول في الدم بحدود 0.5% تجعل الإنسان أكثر استرخاء وإبداعاً. 

وهي نظرية تبدو وكأنها تتقاطع مع دراسة سابقة قدمت  العام 2009 لباحثين في جامعة كالغاري الكندية أظهرت أن احتساء الكحول بشكل معتدل وبنسب محددة يحسن من معدلات الكوليسترول الجيد ويقلص من خطر الاصابة بأمراض القلب، وهو ما يتقاطع أيضاً مع ما نسب للعقيدة المسيحية بالقول "قليل من الخمر تنعش القلب والروح". 

الحديث عن الكحول هنا ليس المعني بالقصة بحد ذاته، بل يشكل الأداة الفنية التي استخدمها النص للتسرب إلى دم الشخصيات وتحسين أمزجتهم ومنحهم بعض المتعة المؤقتة القادرة على  خلق المكاشفة النفسية المطلوبة وفتح عوالمهم المغلقة وكآباتهم المخفية وكسر جمود حيواتهم  المتأرجحة بحساسية شديدة عند عتبة فاصلين زمنيين. 

عالم الشباب بطيشه وأحلامه وجموح هرموناته الذي يغادرونه لتوهم في مفترق سن الأربعين، والعالم الآخر، الزمن القادم، المتخيل والصعب الذي يتأهبون للدخول إليه نفسياً، بما يعنيه من أوهام مبالغ بها أحياناً، أو حقائق علمية عن فرضيات تراجع الحيوية واحتمال الإصابة بأمراض مزمنة متوقعة مع تقدم العمر الطبيعي. 

المتعارف عليه في المعتاد أن النساء أكثر كشفاً وبوحاً مع بلوغهن سن الأربعين، وهو المفترق الزمني الذي تبتعد عنهم أضواء الإعجاب ليدخلن دائرة الإهمال مع بدء اقتحام التجاعيد لبشرتهن وتراجع معدلات الإخصاب لديهن وبدء خفوت جمالهن المترافق مع ارتفاع معدل الكآبة والشعور بالحسرة وفقدان الشهية للحياة والحب والغرام.  

عند هذه النقطة تحديداً، تكمن حداثة فكرة الفيلم الدنماركي وجاذبية رؤيته الأشمل للحياة من خلال مساواته بين الجنسين في مواجهة الزمن وتبدلاته الفيزيولوجية والهرمونية القسرية وعدم اقتصارها على النساء، وذلك باقتحامه بشفافية لعالم الرجال الذين يخفون في المعتاد مخاوفهم وهواجسهم في مثل هذا المفترق الزمني حفاظاً على هيبتهم الذكورية. 

أو يلجأون إلى الالتفاف عليه عبر المواربة وإظهار سلوكيات معاكسة تخفي في طياتها ذعراً من تراجع الشباب وذلك بالانغماس في احتساء الكحول أو تناول المقويات الجنسية وخوض علاقات غرامية متعددة أو الإفراط في الطعام والنهل من ملذات متعددة، أو التورط بالزواج مرة أخرى من شابة صغيرة لإثبات كفاءتهم أمام ذواتهم أولاً والمجتمع ثانيا، أو ما يعرف شعبيا بـ"جهلة الأربعين".

الفارق بين نسبة الكحول المسموح بها والتي تنغمس فيها شخصيات الفيلم وتحقق لهم البهجة والحيوية، وبين النسبة التي تقودهم إلى الإدمان، تشبه الفارق بين التزود ببعض متع عالم الشباب وحيويته وعالم الضياع، وتشبه الأجيال الشابة التي يحتكون بها كمعلمين لهم ويتزودون من طاقاتهم الشبابية، وبين الجدية والعقلانية والرصانة المطالبين بالالتزام بالتظاهر بها أمام طلابهم. 

فوارق تجتمع  بحديها، تتأزم تارة أو تفرج تارة، لتتوقف مع مواجهة حقيقة الموت الذي يباغتهم بانتحار واحد من مجموعتهم، وهي حقيقة ستلجم اندفاعهم وتعيد ترتيب أولويات الحياة التي ستتكشف أمامهم بأنها ليست أكثر من جولات متتالية، تستحق أن تعاش في كل جولة جديدة، بحسب رؤيتك وفهمك لها، دون الخشية كثيراً بما تفعله هي بك.  

الأربعون عاماً التي تبدو للبعض نهاية أو بداية للنهاية، قد تعني في معتقدات أخرى البداية الحقيقية للحياة والنضج ورجاحة العقل، وهو عدد توقفت عنده الأديان ومعتقدات كثيرة وحمل دلالات كثيرة، منها معنى الحياة مع بدء تشكل النطفة داخل الرحم خلال أربعين يوماً، ومنها انتقال الجسد من البرزخ إلى الحياة الأخرى بعد أربعين يوماً تعقب الموت، ومنها معنى الخلاص ورحلة التطهر والمعرفة بعد أربعين يوماً من الصوم.  

يمتلك المرء دوماً حرية اختيار ما يلائمه من معتقدات، لكن حريته الكبرى تكمن في مقدرته على التحكم بشجاعة العبور سواء كان يقف عند ضفة الأربعين أو أية ضفة أخرى في الحياة. 

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.