السعودية وإيران
"ما بين مايو 2014 وأبريل 2021 مرت 7 سنين عجاف، كان يمكن للمنطقة تجنب الكثير من الأهوال"

نجحت بغداد في تحقيق الاختراق بين الجانبين، وأمنت لهما مساحة مشتركة يمكن استغلالها في محاولة إعادة بناء الثقة بينهما، ثقة تحتاج إلى ورشة عمل طويلة غير مقيدة بالوقت، لكنها محكومة باستعادة حسن النوايا. وهذا ما تحتاجه شعوب المنطقة قبل حكوماتها، بعدما استنزفت بحروب فرعية وأخرى بالوكالة، كان يمكن تجنبها أو التخفيف من تداعياتها لو اقتنعت بعض الأطراف بأنها لا تستطيع أن توسع مساحة نفوذها كما لو أنها توسع مقاساتها. فالجغرافيا ثابتة ولا يغيرها النفوذ أو الهيمنة.

ما بين مايو 2014 وأبريل 2021 مرت 7 سنين عجاف، كان يمكن للمنطقة تجنب الكثير من الأهوال. قبل 7 سنوات أعلنت حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني رغبتها في إعادة إحياء الحوار مع الرياض، قوبلت بترحيب سعودي على لسان وزير الخارجية الأسبق الراحل الأمير سعود الفيصل، حينها علقت الآمال على إمكانية التوصل إلى تسوية إقليمية بين قطبي المنطقة، تضع حدا لأكثر من عشر سنوات من الخلافات والأزمات، وإمكانية إطفاء حرائق امتدت من سوريا إلى العراق واليمن وصولا إلى لبنان.

رغبة الرئيس روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف اصطدمت بمشاريع الحرس الثوري التوسعية وتهديده المباشر للأمن القومي السعودي، خصوصا بعد سقوط صنعاء بيد الحوثيين سنة 2015 وتصاعد التهديدات الحدودية من الجانب العراقي، لكن الاحتقان انفجر بشكل مباشر في 2 مايو 2016 عندما قامت مجموعات متشددة إيرانية باقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مدينة مشهد وإحراقهما، ما أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين وتصاعد حدة الاشتباك، خصوصا بعدما أقر الرئيس ترامب العقوبات القصوى على طهران ومنعها من تصدير نفطها، فحاولت طهران حينها استهداف البنية التحتية للطاقة في السعودية عبر العراق واليمن.

مما لا شك فيه أن ما أُعلن في بغداد رسميا على لسان رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح، قد سبقة بعدة أشهر محاولات جس للنبض بدأت على الأرجح في السنة الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي لم يكن مستعدا للتورط بمواجهة مباشرة مع طهران، بالرغم من تفوقه العسكري الهائل، وهذا ما دفع الرياض إلى الابتعاد أولا عن أي مواجهة أميركية إيرانية، وثانيا إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين البلدين ليست في مصلحة أحد.

التواصل بين البلدين لم ينقطع وإن كان على مستويات منخفضة أو على مستوى الخبراء، لكنه في بغداد أخذ طابعا جديا بعد أن انتقل إلى مستوى صناع القرار، وجاء بالتزامن مع مفاوضات فيينا النووية، التي تعاني من مخاطر الفشل أو استهلاك الوقت، وقد لا تصل إلى نتائج ملموسة. وهذا على الأرجح ما دفع العاصمتين إلى تخطي بعض العقبات بينهما، بهدف تأمين مستويات من الاستقرار الضروري في المرحلة المقبلة، خصوصا أن طهران المنقسمة داخليا، تريد ترتيب بيتها الداخلي في مرحلة انتقالية حساسة تستعد فيها إلى اختيار رئيس جديد يفتح الطريق من أجل التهيئة لاختيار مرشح لخلافة المرشد.

مستقبل الحوار في بغداد مرتبط أكثر  بطهران، المُطالبة بالقيام بخطوات فعلية من أجل إقناع الطرف الآخر بأنها مستعدة لأن تكون جزءا من الجهود المبذولة لتكريس الاستقرار والازدهار في المنطقة بما فيه مصلحة الجميع، إلا أن التخوف من أن جهات إيرانية مصرة على ممارسة السلوك نفسه في المنطقة بعيدا عن حسابات فيينا وبغداد.

وعليه، نجحت بغداد في أن تستفيد من الليونة السعودية والارتباك الإيراني، الأمر الذي ساعد على  بناء أرضية مشتركة لبدء الحوار بينهما، متجاوزين ما تراكم من سلبيات وتباعد واختلافات عميقة وجذرية في وجهات النظر، بالرغم من أن هناك صعوبة في الوصول إلى نتائج إيجابية ملموسة وسريعة، تعكس ما هو مأمول من طهران وهو أن تقرر العمل على إعادة بناء الثقة مع جيرانها وخصوصا السعودية.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.