حي الشيخ جراح الذي تسكنه أغلبية عربية في القدس الشرقية
حي الشيخ جراح الذي تسكنه أغلبية عربية في القدس الشرقية

حتى وإن كانت التصريحات التي شاعت على منصات التواصل الاجتماعي للرئيس الفلسطيني محمود عباس مفبركة، فإن دلالاتها تعكس درجة الهوان والعجز التي وصلت لها السلطة الفلسطينية، ويسبقها من قبل في الفشل النظام العربي الرسمي.

الكوميديا كلها تتجسد  في هذا الكلام المنسوب للرئيس الفلسطيني "لم أنم ليلة أمس بسبب حزني وغضبي لما يحدث بالقدس والمسجد الأقصى، وأحذر أن صبري بدأ ينفذ"، وسواء قال أبو مازن هذا الكلام أو لم يقله فهو في الواقع لم يفعل شيئا، ولا يستطيع أن يفعل أكثر من التباكي والغضب.

لا يراهن المقدسيون على أحد في تصديهم لإسرائيل، فهم يعرفون أن النظام الرسمي العربي -إلا من رحم ربي- غارق في التآمر عليهم، والتطبيع العلني مع إسرائيل أصبح بضاعة للتباهي، وما كانوا يفعلونه سرا، يعلنونه على رؤوس الأشهاد.

الشارع العربي المقيد بالأغلال يتألم وهو يرى ما تفعله إسرائيل في القدس، ويشاهد بأم عينه كيف تستباح حرمات المسجد الأقصى، وأكثر ما يمكن أن يفعله أن يتظاهر مُنددا بتخاذل أنظمة الحكم العربية قبل أن يُدين القمع والبطش الإسرائيلي.

يصرخ المقدسيون "يا وحدنا"، ورغم ذلك فإن القدس تظل "خطا أحمرا"، وتابوها لا يستطيع أي زعيم فلسطيني، أو حاكم عربي أن يتخطاه، فالرئيس الفلسطيني أبو مازن مهما فعل خلال تنسيقه الأمني مع تل أبيب لا يستطيع، ولا يملك الشرعية للتنازل عن الحق الفلسطيني والعربي في القدس.

حاول الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أن يقدم للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات صفقة لا تعوض في "واي بلانتيشن"، ولكن أبو عمار رغم كل قوته، والثقة التي كان يحظى بها فلسطينيا، لم يستطع أن يغمض عينيه عن أي تنازل يتعلق بالقدس، وزار الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ليأخذ تفويضا ومباركة منه على ذلك؛ فخاف، وذهب إلى الراحل الملك الحسين عارضا تفاصيل الصفقة؛ فألقى الملك الكرة في ملعبه.

المعركة بين المقدسيين وإسرائيل مستمرة منذ عقود، وقصة حي الشيخ جراح لن تكون الأخيرة، ففي كل يوم تسعى إسرائيل إلى تهويد المدينة المقدسة، والاستيلاء بالقوة، أو بقرارات غير شرعية للمحاكم على بيوت وأراضي الفلسطينيين.

ورغم أن المكاسرة مستمرة بين قوة مدججة بالسلاح، وشعب لا يملك غير إرادته للمواجهة، فإن قصة حي الشيخ جراح تستحق أن تروى للدلالة على المحاولات الإسرائيلية في طمس الحقائق وتزييفها.

تقول الحكاية إن القصة بدأت عام 1956 عندما استقرت 28 عائلة من لاجئي نكبة فلسطين 1948 في حي الشيخ جراح باتفاق مع وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، وحينها كانت الضفة الغربية خاضعة للحكم الأردني.

وفرت الحكومة الأردنية الأراضي، وتبرعت الأونروا ببناء 28 منزلا، وأبرم عقد مع العائلات الفلسطينية أهم شروطه دفع أجرة رمزية على يتم تفويض الملكية للسكان بعد ثلاث سنوات من إتمام البناء.

حرب حزيران 1967، حالت دون متابعة تفويض ملكية المنازل وتسجيلها، وبتاريخ 29 نيسان 2021 أعلنت الحكومة الأردنية مصادقتها على 14 اتفاقية وسلمتها إلى أهالي الشيخ جراح، عبر وزارة الخارجية الفلسطينية لتدعم حقوقهم الشرعية بامتلاك البيوت والأراضي.

معاناة أهالي الشيخ جراح بدأت عام 1972 حين زعمت طائفة السفارديم، ولجنة الكينيست "لجنة اليهود الأشكيناز" أنهما كانتا في عام 1885 تملكان الأراضي التي أقيمت عليها المنازل، وطالبتا من المحكم الإسرائيلية بإخلاء المنازل لأنها حسب ادعاءاتهم اعتداء على أملاك الغير دون وجه حق.

المحكمة الإسرائيلية قررت أن الأراضي تعود ملكيتها إلى الجهات الإسرائيلية دون جهد في التثبت والتدقيق في شرعية الملكية، اعتمادا على قانون إسرائيلي يُجيز لليهود الذين فقدوا ملكياتهم عام 1948 أن يستردوها، في حين أن قانون أملاك الغائبين يجرد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، وينقل أصولها للدولة العبرية.

قصة الصراع، وسعي الاحتلال لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم في القدس لن تتوقف، وتستخدم المحاكم الإسرائيلية أحيانا لإضفاء شرعية على قرارات باطلة، فإسرائيل دولة مُحتلة وستبقى، وهذا ما أقره القانون الدولي، وأي تدابير وإجراءات يتخذها لا يعتد بها.

"انتفاضة القدس" السلمية أبعدت الأضواء عن الانتخابات الفلسطينية التي أرجأت، واستخدمت القدس ومنع اسرائيل لإجراء الانتخابات فيها مبررا لذلك، وعلى ما يبدو فإن صرخات المقدسيين المنتفضين ستحدث شروخا لا يمكن ترميمها في بناء السلطة الفلسطينية المتهاوية أساسا، وتعجل بنهاية شرعية الرئيس أبو مازن.

نتانياهو الرئيس الذي لم يفلح في تشكيل الحكومة بعد الانتخابات يحاول أن يستثمر في أزمة القدس ويشعلها أكثر، ففي أجواء العنف والصراع تكون اللحظة المناسبة لحشد اليمين حوله لتمتين الجبهة الإسرائيلية وتوافقها تحت قيادته.

يقرأ رئيس الوزراء الأسبق أيهود أولمرت المشهد بنفس الاتجاه في جريدة معاريف، ويقر أنه منذ فترة طويلة جرى عمل منهجي منظم يستهدف الفلسطينيين لإلحاق الضرر الاقتصادي والجسدي بهم، وتنامت ظاهرة خطيرة استفزازية تستهدف حشر الفلسطينيين في الزاوية، ولا يترك لهم أي خيار غير اللجوء للعنف.

ويرى أولمرت أن عنف المستوطنين الموجه للفلسطينيين للتنكيل بهم، وطردهم، وإبعادهم عن أماكن حياتهم، أضيف له بعد جديد يتمثل في استخدام العنف لتشكيل حكومة من الفاشيين.

ويعتقد أولمرت أن المستوطنين العنيفين لا يثقون بنتانياهو لكنهم يعرفون أنه جبان وقابل للابتزاز؛ ولهذا قرروا إشعال النار والعنف بالقدس، وهو ما يحتاجه نتانياهو للحديث عن حالة الطوارئ لتشكيل حكومة برئاسته، باختصار نتنياهو الأداة لإشعال عود الثقاب.

على سلم العنف يحاول نتنياهو الصعود إلى سدة الحكم مرة أخرة، غير آبهٍ باتفاقيات السلام التي أسقطها منذ سنوات، وكل ما يفعله مزيدا من التصعيد والاضطراب لعل هذه الازمات تنقذه، أو تؤجل مصيره المحتوم في المحاكم بتهم الفساد.

ما يحدث في القدس اليوم يدق جدار الصمت، ويؤكد ما توصلت له "هيومن رايتس ووتش" أن إسرائيل ترتكب جريمتي الفصل العنصري والاضطهاد.

التقرير الذي كتبه أريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يُدين إسرائيل بشكل واسع، وهو يضاف إلى تقارير المؤسسات الأممية وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
غولدستين اعتبر جريمتي الفصل العنصري والاضطهاد جرائم حرب ضد الإنسانية، وشرح بالتفصيل الأدلة التي قادته إلى هذه النتيجة.

مهما امتلكت إسرائيل من قوة، ومهما سكت المجتمع الدولي عن جرائمها، فإنها لن تستطيع أن تنهي أو تُبيد شعبا يملك إرادة كالشعب الفلسطيني، ولن تستطيع أن تمحو من التاريخ تقرير "هيومن رايتس ووتش" بأنها دولة فصل عنصري، وبالتأكيد لا تستطيع أن تمنع صرخات وهدير انتفاضة القدس.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.