كان "العراق" مُجرد تعبير عن جغرافيا وديموغرافيا غامضة للغاية
كان "العراق" مُجرد تعبير عن جغرافيا وديموغرافيا غامضة للغاية

عملياً، كان مؤتمر القاهرة لدبلوماسيّ المستعمرات البريطانية، الذي عُقد في ربيع العام 1921، لتحديد ما يجب على بريطانيا فعله بشأن المناطق التي احتلتها خلال الحرب العالمية الأولى، كان الحدث الذي أسس دولة العراق الحديثة بشكلها الحالي. خلال ذلك المؤتمر الذي ترأسه وزير المستعمرات البريطاني وقتئذ ونستون تشرشل، تقرر من طرفٍ تعيّن الحدود السياسية للكيان العراقي، بعد جدالات طالت لقرابة خمسة سنوات، بشأن ضم ولاية الموصل -ذات الأغلبية الكُردية- من عدم فعل ذلك. كذلك أُقر المؤتمر تنصيب الأمير فيصل بن الحُسين ملكاً على العراق، واستبعد منافسيه الآخرين، الشيخ خزعل بن جابر أمير المحمرة وهادي باشا العمري، حيث كان الثلاثة، لغير صُدفة، من عائلات غير عراقية الأصل.

قبل ذلك الحدث، كان "العراق" مُجرد تعبير عن جغرافيا وديموغرافيا غامضة للغاية. كان العثمانيون ومن قبلهم العباسيون يقصدون بها الفضاء المحيط بمدينة بغداد والعتبات المقدسة جنوبها. كذلك كان الأمر بالنسبة للجيش البريطاني، الذي أحتل بالتقادم مناطق ما صار اسمه "العراق" طوال الأعوام 1914-1918. فقد كان البريطانيون قد عينوا حكومة محلية في مدينة بغداد، وصاروا يواجهون الانتفاضات المحلية واحدة تلو الأخرى، دون أي يكون لديهم أية رؤية لما يُمكن ويجب أن تكون عليها المرحلة التالية لاحتلالهم لتلك المنطقة. فالخرائط الأولى لتوافقات سايكس-بيكو عام حتى العام 1916، كانت تربط بغداد بجنوبها فحسب، بينما تُعتبر أغلبية المناطق السُنية العراقية جزء من منطقة النفوذ التي تضم حتى الأردن الحالية وصولاً للبحرين الأبيض والأحمر، فيما كانت بيروت جزءا من الساحل وأواسط الأناضول، وسوريا الداخلية تضم الحيز الغربي من ولاية الموصل، بما فيها المدينة نفسها!

بعد قرنٍ كاملٍ بالضبط على انبلاج وتثبيت الكيان العراقي على ما هو عليه، تبدو المعضلتين التأسيسيتين تلكم حاضرتنا وتنهشان جسد الكيان العراقي، مثلما كانتا على الدوام: تنازع أهلي، أساسه هيمنة جماعة أهلية ما واحتكارها لسلطة الحُكم المركزية. الأمر الذي كان يفرز على الدوام ارتباطاً للجماعات الأهلية العراقية بامتداداتها خارج العراق، أكثر من ارتباطها بغيرها من الجماعات الأهلية الشريكة داخل العراق، بالإضافة لوعيها وتمركزها السياسي حول هوياتها الأهلية أكثر من يناظرها من فضاء "وطني". المسألة الأخرى تتعلق بالخلاف الشديد بشأن حدود هذا الكيان العراقي، سواء بالعلاقة مع الكيانات المحيطة، أو بين الجغرافيات الداخلية العراقية نفسها.

غطى ذلك قرناً كاملاً من تاريخ هذا البلد، الذي يُمكن تقسمه إلى أربعة مراحل متمايزة، كانت كل واحدة منها تفجر مسألتي الصراع على الحدود وعلاقات القوة بين الجماعات الأهلية بطريقتها، لكنها متطابقة فيما بينها في أنتاج ذلك والعيش عليه، كقضيتين مركزيتين تدور حولهما باقي تفاصيل الحياة العراقية.

افتتح العصر الملكي نموذج "الحل/المجزرة" بحق الجماعة الأهلية المتمردة، عبر "مذبحة سيميل" بحق الآشوريين "العراقيين" عام 1933. كذلك كرس ذلك العصر الهوية الطائفية للسلطة في البلاد، حيث قرر أن تكون الكلية العسكرية شبه مُحتكرة لأبناء الطائفة السُنية، وتالياً صارت العقيدة السرية للجيش العراقي هو تابعيته للطائفة السُنية. كذلك كانت هوية الوزارات الحاكمة، إذ لم تتشكل إلا أربع وزارات برئاسة شخصية شيعية، من أصل ستة وأربعين وزارة في العهد الملكي "الديمقراطي!".

خلال عهد الانقلابين القوميين، ثُبّت الأكراد كأعداء وظيفيين ومُطلقين لما اعتبره زعماء الحُكم وقتئذ ملكاً مطلقاً لجماعتهم القومية "العربية"، خاضوا حروب إبادة مفتوحة ضد "مواطني بلدهم" في سبيل تجاوز حقهم الطبيعي في الشراكة. لكنهم قبل ذلك افتتحوا عصر إمحاء الحدود المعينة للكيان العراقي، عبر تجاوزه نحو التطلع للكل الإمبراطوري العربي المُتخيل، الذي كان يعني بالضرورة نفي حدود الكيان العراقي.

الزمن البعثي كان كثافة مطلقة لطائفية العصر الملكي وقومية الانقلابين العسكريين. فكان العراق وسلطته الحاكمة في عهدهم مجرد حرب مفتوحة ضد أكراد العراق وشيعته. وبشكل موازٍ، آلة ضحمة لنفي نفسه، عبر تحويل الدولة إلى مُجرد "قُطر"، الذي هو القطرة التي انفصلت عن الجسد الكُلي، حسب المخيلة البعثية، وحيث أن النضال كله يجب أن يكون لمحاربة حدود وأطار القطر نفسه، لتحطيمه وإعادة إذابته في الجسد الكُلي المتخيل!

 ثمانية عشر عاماً مع العراق الجديد بعد العام 2003، والمحصلة أمرين واضحين فحسب: كامل المناطق السُنية خراب عميم، مُدن وقصبات مُدمرة تماماً، وملايين المهجرين من سكانها في كل حدب. الأمر الآخر هو الرفض المطلق لتعيين الحدود النهائية بين السلطة المركزية وإقليم كردستان، بالرغم من المواد الدستورية الواضحة تماماً في ذلك الاتجاه، لكن النواة الصلبة لسُلطة الحُكم مُصرة على إبقاء مسألة الحدود كجرح داخلي مفتوح، لا تفرز إلا العنف والكراهية.

طوال قرن كامل، منذ تأسيس الكيان العراقي بإرادة خارجية تماماً وحتى الآن، بقي سؤال الأكبر والأهم في "عالم الاجتماع السياسي العراقي" دون إجابة واضحة، أو حتى دون أية إجابة: ما الدور الذي لعبه ذلك المستوى شبه المُطلق من عدم التجانس بين الجماعات الأهلية داخل العراق، التي تراكب عدم تجانسها مع مستوى عالٍ من الاصطناعية التي رُسمت حدود العراق حسبها، وحيث على ذلكم الأساسين تكون العراق الحديث، ما دورهما في أنتاج واستمرار كل هذا البحور من العنف والكراهية والانقلابات العسكرية والصراعات الطائفية والفاشية القومية والشعبوية الخطابية، ومعها طبعاً اشكال المجازر والمقابر الجامعية وتحطيم المُدن وتهجير السكان وإبادة الأقليات الدينية والقومي ..الخ ؟؟!!، التي بدأ وسار عليها الكيان العراقي في كل لحظة وتفصيل طوال قرن كامل، هو كل حياته.

ليس من إجابة واضحة على ذلك، لا معرفية ولا سياسية ولا إيديولوجية. على العكس تماماً، ثمة محاولات مستميتة لطمر ذلك السؤال واستبعاده قدر المُستطاع، في كافة مناحي وتفاصيل الحياة العامة العراقية، أو المهتمة بالعراق. ليس ثمة من إجابة ليس لصعوبة السؤال، بل لما قد تفرزه الإجابة من مضامين سياسية.

فالقول بتلك العلاقة العضوية بين الأمرين، بين شكل العلاقات الصراعية الدائمة بين الجماعات الأهلية واشكال الحدود ضمن الدولة العراقية، وبين كل ما أفرزه العراق من فظائع خلال تاريخه، سيستوجب التفكير وتحديد الموقف من العراق نفسه، ككيان ووجود، الذي هو ليس بداهة مُجردة، بل أقرب ما يكون لصُدفة قاسية، لم ينتج إلا الآلام، لقرن كامل، ولذويه الأقربين قبل الآخرين. وأن الناس يجب أن يكون أكثر جاسرة لتقبل الصُدف وكأنها مُقدسات، خصوصاً وأنها تحطم حيواتهم كل حين.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.