كان الشعر الجاهلي هو بوابتي الثقافية الأولى
كان الشعر الجاهلي هو بوابتي الثقافية الأولى

أيام المراهقة الأولى، على مشارف العام السادس عشر، أكتشف عالم الأدب عموما، وعالم الشعر خصوصا. أقرأ فيه كثيرا؛ حتى تحوّل من هواية إلى شغل شاغل يلتهم الساعات الباقية من يومي الدراسي، فضلا عن أيام الإجازات التي يلتهمها بالكامل. ونتيجة لذلك؛ لم تمض بضعة أشهر حتى دار الغرور برأسي؛ فتوهّمت أني مَهْديُّ الشعر المنتظر، بل وتجاوز الغرور حدّه في بعض الأحيان؛ فتخيّلت أن كبارَ شعراء الجاهلية (الذين كانوا في نظري آنذاك: قمة هرم الشاعرية!) ليسوا إلا مُقَدّمات تمهيدية للمعجزة الشعرية الكبرى المنتظرة التي سترى النور على لساني؛ ناسخة كل رِسَالات الشعر الأولى!  

ليس غرور المراهقة والجهل هو المثير هنا. الغرور الساذج في مثل هذه الحال طبيعي. ما ليس طبيعيا هو رفعُ الأدب/ الشعر إلى مرتبة القداسة في بيئة ليس الأدب من أولوياتها، فضلا عن أن يكون من مقدساتها، بل ربما كان الأدب ـ وهذا في سياقات خاصة ـ من مُدَنّسَاتها؛ لا لشيءٍ إلا كونه يُشاغِب بالمقدس الوهمي ـ وإنْ من غير قصد ـ حدودَ المقدس الحقيقي: الديني.    

أنا ابن بيئة دينية تقليدية. وزيادة على ذلك، مُنخرِطٌ في الدرس الديني على مستوى الدراسة النظامية. وِفْقَ مُقرّراتها؛ كنتُ حافظٌا للقرآن بإتقان، مُلِمّاً بكثير من قراءاته، وأيضا مُتَفقّه؛ بحكم ضرورة المتداوَل الاجتماعي. باختصار: كنتُ مشروعَ رجل دين، كما تُوحي بذلك الظروف الموضوعية التي تصنع آفاقَ التطلعات؛ وإن لم يكن مشروعا خاصا، أي لم يكن طموحا، منظورا، ومُخطّطا له على المستوى الشخصي. 

وفي النهاية، ترسم هذه البيئةُ ـ ضمنيا ـ حدودَ المتاح: فإن لم تكن أنت بهذه المؤهلات رجلَ دين في المستقبل المنشود؛ فعلى الأقل، دعها تبقَ في حدود الأمل المفتوح، ولا تفسد قداسة لحظات الانتظار التي تحتضنها هذه المؤهلات بولادة حَمْلٍ كاذب هو المسافة بين "موثوقية شيخ الدين" صِدْقا وعَدْلا، و "ارتيابيّة شاعرٍ غاوٍ" مِن الذين يقولون ما لا يفعلون. 

كي تتحقق المعجزة، لا بد لها من مؤمنين بها، ولو بمجرد تسجيل الحضور. لا معنى للشعر من حيث هو خطاب/ رسالة فن؛ إن لم يجد في مستقبِله تحقّقَ موضوعه. لهذا، كان لا بد أن أُسْمِع بعضَ من حولي شيئا من شعري، أن أُشْهِدهم مخاضَ معجزتي، خاصة أولئك الذين كنتُ أظن أن الشعر قد عَبَر ـ ذاتَ لَهْوٍ، أو ذاتَ قراءةٍ خاطفةٍ ـ على ذائقتهم فنقش عليها ولو شيئاً من وَشْم جُنونٍ خَافت. 

وطبعا، كنت ـ على الأقل ـ أنتظر الإقرارَ الصريح بالشاعرية، إن لم يكن الاعتراف بالمعجزة التي ليس بمقدور الجميع استيعاب أبعادها. لهذا، حينما قرأت بعض أشعاري على أحد هؤلاء الذين يجمعون بين "متن الدين" و "هامشية الأدب"، لم أتوقّع أن يقول ـ بلغة حائرة متردّدة بين "التشجيع الصريح" و"الخيبة المضمرة" ـ: "جيّد، الأدب قد يكون مفيدا للدعوة، وحسّان بن ثابت كان يدافع بشعره عن الإسلام". 

كان التشجيع المشوب بالإعجاب الحَذِر، مَبْعثُه أن هذا الذي لم يَتوقّع منه أن ينظم بيتَ شعر، هو الآن يقول من "الموزون المُقفى" ما يتجاوز العشرين والثلاثين بيتا للقصيدة الواحدة، في بضعة قصائد لم تَدُر رحاها على قطب هموم الدين والتديّن؛ كما هو المتوقع في مثل هذه الحال. 

وكانت الخيبة المضمرة مبعثُها أن "المنجز الأدبي" عموما (وليس فقط هذه الأبيات المتواضعة خاصة) هو في النهاية ليس شيئا، أي ليس مما يَسرّ "المؤمن" أن يلقى الله به غدا يوم القيامة، ليس شيئا يمنح صاحبة الاحترام الخالص (المحتكر للمَهام الدينية)، حتى وإن حَظِي ببعض التقدير (التقدير المُشاع لعموم المهن والوظائف)، الذي يُكَدِّره كون البارعين في الشعر/ رموزه الكبار على امتداد التاريخ، هم ـ غالبا ـ مِن المَوسُومِين بالضّلال العَقدي أو بالفسوق والمجون المسلكي، أو بهما جميعا. وكما قال الأصمعي: "الشعر بابُه الشر، فإن دخل في الخير لان"، يقصد: ضعف وأصبح أقرب لمواعظ الخطباء.

لا ريب أن موقف الإسلام من الشعر كان سلبيا في عمومه. النص المقدّس الثابت/ القرآن، يضع الشعراءَ في سلك الغواية على مستوى المتن/ الكثرة، ثم يستثني قليلا منهم بشروط صارمة، ليس أقلها، أن يكون ذِكرُ الله مُتَغلّبا على خطابهم، وأن يكون خطابهم الشعري أصلا خطابا في رَدّ العدوان: التصدي للخطاب الشعري المضاد. أي بشرط، تحويل الشعر إلى أيديولوجيا ترقى به من "هامشية أدبية الأدب" إلى "متن المقدس الديني". وحينئذٍ ـ وفقط في مثل هذه الحال ـ يُمْكن التسامح مع "سلاح الغواية" هذا، أي بعد تجريده من "بُعْدِه الإلْهائي" المُتضمّن في عناصر التخييل والتوهّم والادعاء؛ ليرتبط بعالم الحقيقة والواقع: عالم الدين في متطلبه العملي: الأيديولوجيا.

لهذا، كان الأدب ـ حتى عند غير المتدينين على مستوى الانتماء الأيديولوجي الصريح ـ هامشيا. كان هكذا في مناهج التعليم التي تضعه من المواد المساندة، وإن لم يكن ذلك التهميش صريحا. فالطموح الدراسي المُنَمْذَج لا يتحقّق بأن يكون الطالبُ شاعرا/ أديبا. هذا هدف عارض، هذا انحراف غير معترف ـ صراحة ـ بانحرافاته، بل يكفي أنه غير منظور إليه كفاعل حضاري يفعل في الواقع على مستوى الضرورة، وليس على مستوى الترفيه الذي يقع ـ كما هو في المُتصوّر الذهني للوعي التقليدي ـ على هامش الفعل الحصاري. 

أذكر أن والدي عندما لاحظ انقطاعي للقراءة في الأدب، ارتابَ في هذا الذي أنا مُنْكَبٌ عليه بكل جوارحي إلى درجة انعزالي عن تفاصيل المعتاد من حياتي اليومية السابقة. ارتاب في هذا الشغف الذي جعلني رهين البيت. أذكر أنه وقف عليّ وأنا أنسخ بعض القصائد من تلك الكتب التي استعرتها من المكتبة العامة، لقد أخذ بعض تلك الكتب بين يديه، وتصفّحها سريعا، ثم قرأ في الأوراق التي كتبتها، فتعجّب ـ منزعجا ـ من انهماكي فيما يشبه العمل الدؤوب، الذي يبدو أنه ـ كما يراه ـ ليس له ما يُبرّره مطلقا، وقال ـ في تأنيب صريح ـ: ما هذا؟ دع هذا "الكلام الفاضي" واهتم بدروسك/ بمقرّرات الدراسة، فهي التي ستنفعك.  

طبعا، والدي ما كان ليقول هذا لي؛ لو كان الذي بين يديّ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وتفسير ابن كثير، وشرح الواسطية، وشرح الزاد. المتن المُعْتبر، هو: إما لـ"الدين" الذي هو الاستثمار العملي للمستقبل في عالم الغيب (وطبعا، في عالم الشهادة ضمنا؛ بحكم المكتسبات المادية والرمزية لرجل الدين في المجتمع المتديّن)، وإما لـ"الدنيا"، في علومها النظامية التي تمنحك شهادة تستطيع بها تحقيق المكتسبات المادية والرمزية في عالم الشهادة/ حياتنا الواقعية. إما هذا أو ذاك، وأما الأدب فليس إلا "ترفيها" يقع على هامش الحياة الدنيا وخارج نطاق الحياة الآخرة، وبالتالي، على هامش المكتسبات المأمولة لرجل الدين أو لرجل الدنيا.

عندما التحقت بالجامعة بعد ذلك اخترت قسم اللغة العربية. كانت اللغة والأدب والبلاغة والنقد هي المواد الرئيسة. ولكن، كلية اللغة هذه كانت تُدار من قِبل جامعة دينية تقليدية. وهذا قاد إلى مزاحمة المواد التخصصية بكثير من المواد الدينية/ الإسلامية، على اعتبار أن اللغة ـ بآدابها ـ لم تُدْرس أصلا إلا بوصفها بعض "علوم الآلة" التي ينهض عليها العلم الشرعي. فهي لا أهمية لها بذاتها، بل أهميتها فقط، تنبع من كونها "هوامش" غير ضرورية داعمة لـ"المتن" الضروري الذي تأسست عليه الجامعة منذ وضع لبناتها الأولى.

إضافة إلى ذلك، لم تكن "هامشية الأدب" في الجامعة تظهر فقط في اعتماد اللغة وآدابها كعلوم آلة/ وسائل إلى غايات، بل أيضا ـ وهو الأهم، والأكثر دلالة ـ تنبع من تصوّر مُباطِن لكل عملية التعليم في هذه الجامعة وأشباهها، تصوّر مفاده أن "الأدب هنا" هو محض وسيط "أيديولوجي"، أو قناة خطابية لتمرير أيديولوجيا دينية محكمة الإغلاق. فهنا، الأدب لا يرقى أبدا ليكون "متنا" كالخطاب الديني، إذ هو "هامشي" بالضرورة، وهامشيته هنا مقبولة ومستوعبة في سياق المتن؛ إن كانت وسيلة لتمرير وتأكيد وترسيخ هذا المتن. وهو/ الأدب مرفوض جملة وتفصيلا؛ إن كان متجردا من الأيديولوجيا الدعوية، التي قد يتجاوز سدنتها بعضَ صرامة اشتراطاتهم، فيسمحون بأن تكون تلك الأيديولوجيا هدفاً غير معلن، هدفاً متضمنا على سبيل القصد الغائي الذي لا يُعْلن عن نفسه إلا في نهاية الشوط الأدبي.    

الأدب في سياق اهتمامات هذه الجامعات هو ثغر من ثغور المرابطة. هذه الجامعات المؤدلجة لا تُنشئ أقسام الأدب فيها كتعبير عن الاهتمام الفني والجمالي، لا تنظر للأدب كعالم مستقل، لا تصنع كوادرها ليخلقوا حالة إبداع لوجه الإبداع، بل كل ذلك يحدث كجزء من مشروع واعٍ يتغيّا "تحصين جبهة الأدب" التي كثيرا ما تسلّل منها أعداء الأيديولوجيا السائدة. وكما قال لنا بعد ذلك أستاذُ الثقافة الإسلامية في مرحلة الدراسة العليا في الجامعة التقليدية ذاتها (حيث مادة "الثقافة الإسلامية" لطلاب دراسات عليا أدب، يُرَاد بها تحصينهم ضد خطر "الانحراف الأدبي")، قال لنا ـ صراحة ـ في أول محاضرة له : "الله الله أن نُؤتَى من قِبَلكم"، وعندما لاحظ بعض ملامح التعجّب على وجوه أكثرنا، أكمل قائلا: "نعم، فكثيرا ما كان الأدب وسيلة إغواء، الأدب هو أكثر مُسَاهِم في بثّ الأفكار المشبوهة وفي نشر الانحلال الخلقي، أليس أشهر من كتب ضد الدين في هذا العصر هم من الأدباء ؟!".

 اليوم، كل الدراسات الأدبية والنقدية والبلاغية في هذه الجامعات التقليدية لا تصنع أدبا ولا تُنتج أدباء، على الرغم من كل المقولات التي تتمسح بالأدب والنقد فيها. العاملون فيها، فضلا عن طلابهم والمتأثرين بهم، هم مجرد خطباء أيديولوجيين للتحشيد والتأييد وصدّ هجمات الخصوم، مجرد وُعّاظ يُلْقون المواعظ على "هيئة شعر" أو على "شكل عمل روائي". والدراسات هنا مخاتلة، إذ تشتغل ـ من حيث هي مواعظ في مؤداها النهائي ـ على مواعظ وخطب دعوية ـ وإن لم تكن صريحة ـ لتتوهّم أنها لا تشتغل بـ"الهامشي"، ولا بـ"الترفيهي": الأدب الخالص، بل بالعلم النافع عند الله: الأدب كأيديولوجيا. وهكذا يكون "تتفِيه الأدب" وتهميشه، بل وإلغاؤه حقيقة، بواسطة هؤلاء الذين ليس لهم من الأدب إلا الالتصاق ـ زُورا ـ بزمرة الأدباء، أو التماهي ـ ادعاء ـ مع ممتهني دراسة وتدريس الآداب.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.