هناك 5 عادات يمكن للإنسان اتباعها لزيادة "مستوى السعادة"- صورة تعبيرية.
هناك 5 عادات يمكن للإنسان اتباعها لزيادة "مستوى السعادة"- صورة تعبيرية. | Source: Unsplash

قبل عشر سنوات، أصدرت الأمم المتحدة قرارا يدعو الدول الأعضاء إلى قياس مقدار السعادة عند شعوبها من أجل تطوير آليات العمل للإرتقاء بأحوال المواطنين عبر جعل السعادة هدفا بحد ذاته للإنسان والحكومات، وفي عام 2012 أقرت الجمعية العامة يوم عالمي للسعادة وصدر أول مسح شمل أكثر من 150 دولة تم فيه تصنيف دول العالم حسب سعادة أبنائها إعتمادا على عدة إعتبارات منها متوسط دخل الفرد وحجم الرعاية الإجتماعية وتوفّر البيئة الآمنة وحرية الإنسان وتنوع الخيارات المتاحة أمامه، ودرجة المساواة بين الأفراد، والحالة الصحية العامة ومتوسط العمر، وتدنّي مستوى الفساد كأحد المؤشرات على الحالة الأخلاقية للمجتمع، والتوازن بين الحياة الإجتماعية والعاطفية للفرد وضغوط الحياة العملية، والتنوع البيئي الذي يلعب دورا في السعادة، وكذلك إنتشار القراءة التي تنمي العقل وتطور المفاهيم وتوسع الأفق. 

ومنذ ذلك الوقت، كثرت الأبحاث التي أكّدت على أهمية السعادة والعوامل التي تساعد في الوصول إليها، وقد اتفقت الكثير من الدراسات على أن المال لا يستطيع لوحده تحقيق السعادة نتيجة التكيّف أو التعوّد على الأشياء التي يمكن الحصول عليها بالمال مهما كان الإنسان معجبا بها في السابق، ويقول البروفيسور تشوبرا، وهو هندي أميركي، إن التسامح والتحرر من عبء الكراهية والشعور بالإمتنان يؤدي إلى الإحساس بالسعادة.  

كما تأكّد أن السعادة تحافظ على الصحة وتقلل من الأمراض المرتبطة بالغضب والتوتر والقلق، والشخص السعيد ينشر السعادة حوله ويكون حيويا ومنتجا ومبتكرا، وكذلك ترتبط السعادة بالإنجاز والرضى النفسي والعطاء، فقد تبين أن أكثر الناس سعادة هم الذين يعملون في سبيل غيرهم، وبالتالي فإن سعادة الفرد ستنعكس عليه وعلى كامل محيطه ومجتمعه.  

واللافت للنظر أنه في جميع التقارير التي أصدرتها الأمم المتحدة حول مؤشر السعادة، كان موقع أغلب الدول العربية في ذيل القائمة. صحيح أن هناك دولا تمر بظروف حروب وتشريد وجوع وانعدام الأمن مثل سوريا واليمن وبدرجة أقل ليبيا والعراق، والتي من الطبيعي أن تقل فيها ظروف الحياة السعيدة، ولكن هذه البلدان نفسها لم تكن سعيدة قبل هذه الصراعات. 

والدليل على ذلك غياب السعادة عن دول عربية لا تشهد صراعات مثل مصر، ففي مؤشر هانك السنوي للتعاسة الذي تضمّن 95 دولة حلّت مصر في المرتبة التاسعة كأتعس بلد في العالم والأردن في المرتبة 12 والسعودية في المرتبة 18 والجزائر 22، رغم أن دولا غير ثرية مثل كوستاريكا في أميركا الوسطى كانت متقدمة على أميركا وبريطانيا وألمانيا في مؤشر السعادة مع أن متوسط دخل الفرد فيها مساوي لمتوسط دخل الفرد في الأردن. 

ولكن كوستاريكا دولة ديمقراطية وضعت حكومتها حدا للنزاعات العسكرية التي ابتلت فيها أميركا الوسطى واستعاضت عنها باتفاقيات تعاون اقتصادي تركّز على التنمية، حتى أنها لم تعد تملك جيشا كبيرا بل مجرد شرطة وقوات خاصة، وأولت اعتناء خاصا بالبيئة جعل 25 في المئة من أرضها محميات طبيعية ومنتزهات وطنية، كما أن بعض دول أميركا الجنوبية يتقدم على فرنسا وإسبانيا في مؤشر السعادة وهذا ربما يرتبط بإنتشار ثقافة حب الحياة والرغبة بالاستمتاع فيها في أميركا الجنوبية. 

وكما أن الكثير من الدول العربية لها مكانة متدنية في مؤشر السعادة مقارنة ببقية دول العالم، فهي فوق ذلك تعيسة مقارنة بالوضع الذي كانت عليه قبل بضعة عقود، وفي حالة مصر تحديدا يمكن الرجوع إلى أرشيف كبير من الأفلام الوثائقية والتسجيلات التي صوّرت طبيعة الحياة في الماضي، والذي يدل بوضوح على أن مصر كانت على درجة جيدة من التطور مقارنة مع بقية دول العالم بما فيها الدول الأوروبية، والأمر المثير للانتباه أنه في التسجيلات القديمة كانت وجوه الأشخاص العاديين في شوارع المدن والريف المصري دائما مبتسمة والسعادة بادية عليها. 

بينما في التسجيلات الحديثة التي يتم تصويرها وبثها عبر اليوتيوب في نفس الشوارع والمناطق المصرية من الصعب عدم ملاحظة الغضب والتوتر والتعاسة المرسومة على الوجوه، كما تبدو السيدات والفتيات المصريات في التسجيلات الحالية خائفات ومسرعات في مشيتهن وكأن أحدا يطاردهن رغم أن أغلبهن محجبات، بينما كانت جدّاتهن في تسجيلات الماضي أكثر ثقة بالنفس وكان شعورهن بالأمان واضحا على وجوههن وفي طريقة مشيتهن وطراز الثياب المتحرر التي كن يرتدينها، ومما يؤكد على وجود هذه التعاسة في المجتمع المصري حاليا إنتشار واسع للجرائم بينها جرائم غير مألوفة مثل أب أو أم يقتلون أولادهم، أو أبناء يقتلون آباءهم في واقع لم تعرفه مصر طوال تاريخها. 

والمقارنة بين حاضر مصر وماضيها ومعرفة التغيرات التي حدثت خلال تلك العقود قد يعطي فرصة لتحديد الأسباب التي كانت وراء انتشار التعاسة في المنطقة العربية، وقد كان التغيير الأول هو ظهور نظام ديكتاتوري في مصر يعتاش على الصراعات، ومن مصر إنتقلت عدوى الأنظمة الديكتاتورية إلى عدة دول عربية بحيث أصبحت الشعوب في تلك الدول تعيش في حالة حرب دائمة مع عدوّ ما، فالحكم المصري والسوري استمدا شرعية وجودهما عبر شعارات تتعلق بالصراع مع إسرائيل، والحكم العراقي عبر الصراع مع إيران أو السعودية حسب الطائفة الحاكمة في العراق، أما المؤسسة العسكرية في الجزائر فهي تبرر إصرارها على التمسك بالسلطة من خلال صراعها مع المغرب، وبذريعة هذه الحروب "المصيرية" تقوم هذه الأنظمة بقمع الحريات وملاحقة السياسيين والمثقفين أصحاب الرأي المختلف بتهمة الخيانة. 

كما انتشر خلال نفس الفترة شكل من التديّن المتشدد بدفع من حركات الإسلام السياسي المختلفة، فإختفى الوجه السموح المتفهّم لرجل الدين وظهر الوجه الغاضب وانتشر شكل قريب من محاكم التفتيش التي تلاحق أفكار الأفراد وسلوكهم ومظهرهم وملابسهم وأصبح حب الحياة والرغبة في الإستمتاع فيها تهمة تلاحق مرتكبيها، فحسب هؤلاء المتشددين ما خلق الله الإنسان إلّا للعبادة وهذه الدنيا هي مجرد دار مرور للآخرة، وركّز الإسلاميون جهودهم وتزمّتهم على زرع الكآبة في قلب المرأة، وبما أن السعادة والتعاسة حالة معدية، فإن تعاسة المرأة لابد أن تنعكس على كامل عائلتها ومحيطها، بالإضافة إلى محاربة الإسلاميين للعلم والمعرفة والآداب والفنون حتى إنحدرت الحياة الثقافية بشكل لا سابقة له. 

وحتى  البيئة تواطأت في نشر التعاسة في الدول العربية حيث حلّت عقود من الجفاف انخفض خلالها منسوب الأنهار وجف بعضها تماما بحيث تصحّرت الطبيعة كما تصحرت الحياة السياسية والأدبية والفنية وسادت ثقافة القطيع وأصبح المتمرّد عليها خائن أو كافر، حتى وصلت هذه البلاد إلى ما هي عليه اليوم دون وجود مخرج قريب في الأفق لأنه ليس من مصلحة الديكتاتوريات أو الإسلاميين إنهاء هذه الصراعات والحروب لأنها مبرر وجودهم، كما أنهم نجحوا في دفع ثقافة الكراهية للتغلغل عميقا في تكوين الكثير من أبناء هذا الشرق التعيس الذي لا يكفي أنه لا يعطي أي أهمية للسعادة بل يؤمن بأن حياة الإنسان نفسه لا قيمة لها في عالم الشعارات الذي يعيشون فيه

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.