Streaks of light are seen as Israel's Iron Dome anti-missile system intercepts rockets launched from the Gaza Strip towards…
القبة الحديدية تتصدى لمعظم المقذوفات القادمة من قطاع غزة

كل من الطرفين عند اعتباره لمواقفه، صاحب قضية محقّة. من خارج هذا الاعتبار، تكاد هذه المواقف أن تثير الاشمئزاز.

رئيس الوزراء الإسرائيلي يوشك أن يحلقّ من فرط الفضيلة حين يتباهى بأن قواته، وهي التي تعتنق شعار «طهارة السلاح»، قد اتصلت بالمقيمين في الأبنية التي شاء تدميرها. الرجل يبدو متوقعاً للثناء والتقدير على هذا الرقي والكرم. أما أن يكون المئات، أطفالاً ونساءاً ورجالاً قد لاقوا مصرعهم نتيجة مشيئته، فتفصيل عرضي، والكمال ليس من هذه الدنيا، وإنما الأعمال بالنيات.

رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بدوره ينضح تقوى وسؤدد، القدس نادت، وصواريخ حركته لبّت النداء، فسقطت أسطورة «القبة الحديدية»، كما سبق لحزب الله أن حطّم قبل عقدين أسطورة «الجيش الذي لا يقهر». في أدبياته على أية حال. أما أن يكون ثمن هذه الانتصارات المتوالية التيتيم والتثكيل والوجع والدموع، فإنما النصر صبر ساعة. وإن طالت الساعة واستطالت لتمسي ساعات وأياماً وأجيالاً وأعماراً.

ليست هذه المواجهة الأولى بين إسرائيل وحماس، وليس ما ينبئ بأنها سوف تكون الأخيرة. والنمط السائد هنا يسبق تشكيل حركة حماس. وفي حين أن مجرياتها المؤلمة تدعو المتابع إلى الاستهجان، وتدفع باتجاه اصطفاف يرى في الجانب المدان شرّاً مطلقاً، ربما أن المطلوب الإقرار بأنه لكل من الطرفين وجهة نظر لا تقتصر على الرغبة بإنزال الهزيمة بالعدو وإيلامه وإذلاله وأخضاعه، وإن كانت هذه المشاعر غير غائبة في كل الأوساط.

تسلسل الوقائع من وجهة النظر السائدة فلسطينياً تبتدئ مع المعاناة المستمرة للفلسطينيين، والمعاناة هنا لا تقتصر على صعوبة الظروف التي آلت إليها المراحل الماضية، بل هي مضاعفة نتيجة المسعى الإسرائيلي الممنهج للمزيد من التضييق والاستباحة. طرد العائلات من منازلهم في حي الشيخ جراح هو ابتداءاً ممارسة للتمييز العرقي بحقّهم، إذ من شأن المنظمات اليهودية أن تطالب بالحصول على منازلهم بناءاً على معطيات مبهمة أنها كانت ملكية سابقة لعائلات يهودية، ولكن في المقابل لا يحق لهذه العائلات الفلسطينية أن تطالب بالعودة إلى أملاكها الذاتية المؤكدة بالوثائق القطعية في يافا وحيفا. هي بالتالي «عدالة» فضفاضة لليهود، و «عدالة» مقتّرة لغيرهم.

ولكن المسألة تتعدى المظلومية الفردية، إذ الهدف من الطرد، وفق القراءة الفلسطينية بل وفق تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، هو تأكيد الهوية اليهودية للقدس، أي «تهويدها» وطمس هويتها العربية.

المرحلة التالية من تسلسل الوقائع، فلسطينياً، هي أن الوسائل السلمية والشرعية والقانونية تستنفد دون جدوى، ودون اكتراث من المجتمع الدولي، بل لا تنتج إلا المزيد من القمع والإهانة للفلسطينيين. الدليل الأبرز من الفترة الأخيرة هو «مسيرات العودة»، والتي أراد المشاركون فيها التعبير عن إصرارهم على استعادة الديار التي هجّروا منها، ليقتل منهم على مدى العامين من المجهود العشرات بل المئات، في تصيّد مفضوح لم يحصل على التفاتة دولية تذكر. تهزل مع هذا الواقع الدعوات إلى الاقتصار على السلمية في المقاومة، بل لا بد من التذكير به لإظهار حقيقة أن العنف لا يبتدئ بصورايخ حماس.

المرحلة الثالثة هي عندما تواجه المقاومة النار بالنار، الدم بالدم ، والهدم والهدم. نعم، المقاومة تدرك أن قدراتها متضائلة بالمقارنة مع قدرات عدوّها، ولكن أن يتألم الفلسطينيون، فالإسرائيليون يتألمون كما تتألمون، وترجون من صبركم ما لا يرجون.

 

المرحلة الرابعة هي القربان. إسرائيل تضرب للإيلام والإذلال والإخضاع. فلسطين تنزف ولا تركع. العالم، استحياءاً، يتحرك. المرحلة الخامسة هي التسوية والهدنة والتدرج، مهما كان بطيئاً، نحو نصر قادم لناظره قريب.

 

ضريبة الدم التي يدفعها أهل فلسطين، وفق هذه القراءة ليست عبثية. والشباب الممسك بالجمر والذي يكافح ويناضل ويجاهد من أجل فلسطين، ليس مضللاً ولا مرتزقاً، وليس بالتأكيد «جرذاً» وفق التوصيف المعيب لمن نُعت بهذا النعت ظلماً بأمسه. «فلسطين ليست قضيتي»؟ لا يضرّها أصحاب هذا الكلام بشيء، بل هي بغنى أن تكون قضية لأحد عدا أهلها.

 

تسلسل الوقائع من وجهة نظر إسرائيلية مغاير تماماً. يبتدئ بالهدوء الذي يفترض أن يوظّف لتحسين أوضاع الجميع، إسرائيليين وفلسطينيين، كل طرف بجهده الخاص ثم بالتنسيق مع الطرف المواجه، وبدعم وتأييد من الأسرة الدولية. إسرائيل تواظب على الالتزام بمسؤولياتها، لذلك هي اليوم، رغم شظف طبيعتها وضآلة مواردها، في طليعة الدول الناجحة عالمياً، وأحد أبرز المراكز دولياً للابتكار والإنجاز. إسرائيل تبني إنسانها ومجتمعها، دون زعم الكمال، وتسعى إلى تفنيد العوائق التي تقف بوجه ما تعتنقه من انفتاح وتقدم وعدالة اجتماعية وطمأنينة ثقافية. المعضلة إسرائيلياً هي أن الجانب الفلسطيني لا يريد البناء بل التدمير، ولا يسعى للوئام بل يحضّر وحسب للمعركة المقبلة.

 

إسرائيل تريد لنفسها أن تكون يهودية، ولا حرج، ولكن أن تبقى منصفة بحقّ من ليسوا يهوداً من مواطنيها. ليس هنالك من مسعى لـ «تهويد» أورشليم القدس، فهي يهودية ابتداءاً، وإذا كان ثمة مسائل قضائية عالقة، فإن الجانب الفلسطيني يستغلّها للتهويل والتعبئة والتخريب. وأوضح دليل على فساد المقولة الفلسطينية هي أن نسبة الفلسطينيين من مجموع سكان القدس تزداد سنوياً منذ توحيد المدينة. نسبتهم عام ١٩٨٠ كانت أقل من ٣٠ بالمئة، وهي اليوم تتجاوز ٤٠ بالمئة من كامل المدينة، فيما هم أكثرية ٦٠ بالمئة في القدس الشرقية. أي تهويد هذا؟ بل الحاجة قائمة لضمان عدم ضياع الوجه اليهودي لمدينة تقطن عمق الوجدان الديني والحضاري لليهود.

 

المرحلة التالية، وفق القراءة الإسرائيلية، هي حين تستغل الفصائل الفلسطينية أية قضية عالقة، كما حال حي الشيخ جرّاح لتجعل منها مبرراً مزعوماً للقيام باعتداء سافر صريح، لا يحاول حتى أن يزعم أنه لا يريد قتل الإسرائيليين، بل يفعلها جهاراً نهاراً، ولا حدود لنجاحه في القتل إلا قدرة جيش الدفاع الإسرائيلي على منعه منه.

نعم، في كل مواجهة، أعداد الضحايا من الإسرائيليين أقل بمستويات عدة من أعداد الضحايا من الفلسطينيين، ولكن الأمر ليس صدفة، ولا هو عائد إلى «همجية» الجانب الإسرائيلي. بل الواقع هو أن الهمّ الأول إسرائيلياً هو تجنب سقوط القتلى، من الإسرائيليين طبعاً ثم من المدنيين الفلسطينيين، فيما الهمّ الأول فلسطينيناً هو مضاعفة أعداد القتلى من الإسرائيليين قدر الإمكان، ووضع القوات الإسرائيلية في موقع القاتل من خلال التترس بالمدنيين الفلسطينيين.

قالتها غولدا مئير بأمسها «نبغض العرب لا لأنهم يقتلون أطفالنا وحسب، بل لأنهم يرغموننا على قتل أطفالهم». والرأي الغالب إسرائيلياً هو أنهم بالفعل ما زالوا هكذا يفعلون. هذا الإصرار على جعل الدم حاجزاً بين الإسرائيلي والفلسطيني لا يقتصر على المواجهات المسلحة، بل هو الغاية حتى من الخطوات المزعومة سلمية. ما كانت الجدوى من «مسيرات العودة»؟ هل يعقل أن تسمح أية دولة في العالم أن تقتحم حدودها أفواج من الغاضبين المطالبين بإخراج مواطنيها منها؟ هل ثمة قضية للفلسطينيين الذين فقدوا ديارهم؟ دون شك، ولكن ثمة قضية كذلك لمن فقد جنى عمره من اليهود الذي طردوا من الدول العربية، وهم اليوم من صلب المجتمع الإسرائيلي، فالمسألة تستوجب الحل، إنما على أساس المعطيات الموضوعية، لا على أساس اقتطاع التفاصيل ثم تعبئة الجمهور ودفعه إلى مواجهات مع قوى الأمن الإسرائيليلة، لتدوير مصابه مزيداً من التعبئة.

المعركة مع الفلسطينيين ليست اقتصادية ولا سكانية ولا تاريخية، بل هي حرب في مواجهة وهم قد استوطن بواطن العديد منهم بأنهم قادرون على تدمير إسرائيل. هي أفكار أهوائية، تغذيها خزعبلات تتستر بالدين أحياناً، كحديث أحد الشيوخ عن أن «نهاية إسرائيل سوف تكون في عام ٢٠٢٢». كيف، لماذا؟ لإن حساب الجمل وغيرها من الأساليب البحثية الخارقة قد أفادته بهذه النتيجة الفذّة. ثم يأتي أمين عام قوة ضاربة مأتمرة بأمر خارجي، في دولة جوار، إذ يقف على أنقاض وطن كانت له اليد العليا في خرابه، ليعلن أن «القدس أقرب».

يكاد لسان الحال الإسرائيلي أن يكون: دعك من كل هذا الطيش والهرج في جوارك، واعمل على التوفيق بين حاجتك إلى البقاء وإصرارك على المحافظة على قيمك، وليكن الحكم عليك ضميرك، لا الرأي العام العالمي، يمتدحك ساعة ويذمّك ساعات.

تدمير الأبراج في غزّة هو البديل عن «قتل الأطفال» الذي اشتكت منه غولدا مئير. ليس لاعتبارات أمنية، بل هو وسيلة للتأكيد على أن التفوق النوعي القاطع مستمر، وأن وهم التدرج نحو نصر مفترض لن يجلب للفلسطينيين إلا التراجع.

عودة إلى الرؤية من الخارج. يمكن وخز كل من القراءتين الفلسطينية والإسرائيلية في ألف موضع. لا حاجة. على أرض الواقع، الأطفال يموتون، والأمهات والآباء والأقارب والأحباء يموتون. ولا عزاء.

الإنسان في أفعاله محكوم بالطمع والخوف. في مأساة الأرض «المقدسة» (يا لها من بلوى)، الخصم لا يرى لدى خصمه إلا الطمع. ربما أن الإقرار بأنه لدى هذا الخصم خوف يعيد إليه بعض إنسانيته، ويدفع باتجاه خروج من هذه الدورة.

عام ١٩٨٢، شهدتُها، عاينتها في بيروت. بتطابق تفاصيلها وتراكم طوابقها. والأذى والألم. كما هي اليوم في غزّة عام ٢٠٢١. إليك يا من قد تشاء الصدفة أن تقرأ هذه الكلمات عام ٢٠٦٠، رجاء لعالمك أن تكون الحكمة والرحمة قد وجدتا السبيل إلى بعض القلوب.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.