صادق خان عمدة لندن
صادق خان عمدة لندن

أعاد سكان العاصمة البريطانية لندن الأسبوع الماضي انتخاب المواطن المسلم ذو الأصول الباكستانية، صادق خان، عمدة لمدينتهم للمرة الثانية. وكان المحامي السابق المتخصص في حقوق الإنسان قد فاز بالمنصب للمرة الأولى في عام 2016. 

وقد حُظي نبأ إعادة انتخاب خان لشغل منصبه بنقاشات طويلة في الصحف ووسائل الإعلام بسبب ما أثاره من تساؤلات حول مبدأ "المواطنة" الذي بات يشكل واحداً من المشاكل الكثيرة التي تعاني منها البلاد الإسلامية، أو بالأحرى مدارس الإسلام السياسي المختلفة.

وجاء فوز خان للمرة الثانية متزامنا مع حملة شعواء شنتها جماعات الإسلام السياسي في السودان على الحكومة الانتقالية بسبب توقيعها إعلان مبادئ مع إحدى الحركات المتمردة، ينص على إقرار مبدأ المواطنة وفصل الدين عن الدولة.

علاقة المسلمين بغيرهم كما تفهمها جماعات الإسلام السياسي، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، يحكمها ما يُعرف بـ"عقد الذمة"، والذمة لغة تعني العهد والضمان والأمان ومعنى عقد الذمة هو إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة، والأصل فيها كما يقولون هو قول القرآن (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

هذا النوع من العلاقة الذي ينبني على عقد الذمة بين المسلمين وغير المسلمين يُناقض طبيعة العلاقة في الدولة العصرية (الدولة - الأمة)، ويترتب عليه مطالبة غير المسلمين (النصارى مثلا) بدفع الجزية، وهو أمر يتنافى مع الأساس المدني للدولة الحديثة التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات (المواطنة)، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني أو الطبقي. 

تعتقد جماعات الإسلام السياسي أن "العداء" هو الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، وأما البر والإحسان للكفار فيكون فقط من باب رد الجميل إذا هم لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).

الأمر الذي يدعو للدهشة هو تكرار احتفاء عدد كبير من المنتمين لجماعات الإسلام السياسي بفوز صادق خان واعتباره انتصارا للإسلام، بينما هم يحملون الأفكار والمفاهيم التي ذكرناها والتي تتعارض جذريا مع تلك التي استطاع خان بموجبها الوصول لذلك المنصب الهام.

منذ تقلده المنصب للمرة الأولى عام 2016، عبرت أصوات داخل جماعات الإسلام السياسي عن فرحتها بانتصار خان رغم علمهم بأنه فاز بأصوات مواطنين بريطانيين ينتمون لأديان مختلفة، كما أن بينهم لا دينيين، وأن هؤلاء قد دعموه من واقع البرنامج الانتخابي الذي تقدم به لخدمتهم وليس بسبب انتماءه الديني. 

إن النظرة الواقعية المنصفة لانتخابات بلدية لندن تقودنا إلى أن فوز صادق خان للمرة الثانية كان في حقيقة الأمر انتصاراً للديمقراطية وللمبادئ التي تستند عليها وفي مقدمتها مبدأ المواطنة، حيث يعلم كل من تابع تلك الانتخابات أن المنافسة على منصب العمدة انحصرت بين مُرشحيْن اثنين من أبناء المهاجرين، أحدهما شون بايلي الذي ترجع أصوله لجامايكا والثاني خان ذو الأصول باكستانية، وكلاهما ينتمي للطبقة العاملة وتربى في سكن اجتماعي (مدعوم من الحكومة) متواضع.  

لم يتردد حزب العمال في ترشيح خان رغما عن المشاكل الكثيرة التي تتعلق بالإسلام والمسلمين في بريطانيا، ولم يستثمر الحزب المنافس في تخويف الناخبين من وصول شخص مسلم لذلك المنصب الهام، والأهم من ذلك أن المنافسة الانتخابية لم تكن بين "الإسلام والمسيحية" بل كانت بين مرشحين لحزبين يطرح كل منهما برنامجاً سياسياً يتوسل به لأصوات الناخبين، وتلك هى لعمري المزية الأعظم لمبدأ المواطنة.

إن النظام الديمقراطي ليس نظاما مثاليا خاليا من النواقص والسلبيات، ولكنه النظام الأفضل من بين جميع النظم التي عرفتها البشرية حتى الآن، ومن أعظم نقاط القوة في ذلك النظام هي قدرته الكبيرة على تصحيح أخطاءه وتجاوز أوجه القصور الكامنة فيه وهو الأمر الذي تثبته التجربة يوما بعد يوم.

وها هي تجربة انتخابات عمدة مدينة لندن تُثبت قدرة النظام الديمقراطي الفائقة على تجاوز عوائق الأصول الدينية والإثنية والطبقية وإدارة التعددية الثقافية في المجتمعات، وعلى الرغم من أن الدول الغربية مازالت تعاني من الكثير من المشاكل الاجتماعية والسياسية فيما يرتبط بالأقليات، إلا أنها تمتلك نظاما فاعلا يُعينها على علاج تلك المشاكل بتكلفة أقل من النظم الأخرى.

إن أفضل تعبير عما يجسده مفهوم المواطنة هى تلك الكلمات التي عبَّر بها خان عن انتمائه لمدينته وافتخاره بأنه مواطن ينتمي لبلد اسمه بريطانيا (أنا من سكان لندن. المدينة في دمي لكنني أيضا رجل إنجليزي وطني وبريطاني فخور بتمثيل العاصمة الرائعة للأمة). 

من ناحية أخرى، فإن مجتمعاتنا الإسلامية ستظل تعاني من حالة الجمود الحضاري ولن تستطيع النهوض واللحاق بركب العصر إلا بتجاوز مفاهيم العصور الوسطى التي ظلت تسيطر على الفكر الإسلامي وتوجه مساره ومنها تلك المتعلقة بإدارة العلاقة بين المواطنين داخل الدولة عبر رابطة العقيدة.
 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.