ترامب ونتانياهو وعبد الله بن زايد والزياني يوقعان على اتفاق إبراهيم
ترامب ونتانياهو وعبد الله بن زايد والزياني يوقعان على اتفاق إبراهيم

منذ بداية الانتخابات الأميركية وكان التخوف هو الانقسام الكبير بين الحزبين سيؤدي إلى سياسة خارجية مضطربة، مما يؤدي إلى عواقب خطيرة وكارثية خاصة عندما يتعلق الأمر بمنطقة غير آمنة ومستقرة مثل الشرق الأوسط. 

لقد ورث الرئيس الأميركي، جو بايدن، من الرئيس السابق، دونالد ترامب، شرق أوسط سلمياً نسبياً - ليس خالياً من التحديات - ولكنه يتميز باتفاقيات سلام تاريخية بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل - الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان وكوسوفو والمغرب - بعد عقود من عدم الاعتراف بإسرائيل. 

كذلك تم تقييد النظام الإيراني، الداعم للميليشيات وحروب الوكالة، بضغوط قصوى من خلال العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترامب ضده وكذلك بالحد من تمدده العسكري والتي انتهت بمقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وهو مهندس حروب إيران في المنطقة وقائد ميليشياتها، وبجانبه أبو مهدي المهندس نائب قائد ميليشيات الحشد الشعبي العراقية الموالية لطهران. 

فحتى أشد منتقدي ترامب اضطروا إلى الاعتراف بأنه عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، فإن حقبة ترامب كانت ناجحة. لكن بدلاً من البناء على الإرث الواعد الذي ورثه عن سلفه، سعى بايدن بدلاً من ذلك إلى إبعاد نفسه عن إنجازات إدارة ترامب.

إن ما قامت به إدارة بايدن أقل ما يقال عنها أنها مؤشرات خطيرة لكل المتطرفين والمعادين للسلام بالمضي قدماً في تطرفهم، فعندما تهرول الإدارة بالمفاوضات مع النظام الإيراني – المعروف بدعمه للميلشيات والحروب بالوكالة – لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 مع أن النظام لا يزال يقوم بتخصيب اليورانيوم بما يتجاوز بكثير ما هو ضروري للأغراض السلمية وكذلك أغدقت عليه الأموال بحجة النظام بحاجتها بسبب التضخم والمشاكل الاقتصادية المحلية، مع العلم أن هذه الأموال معروف أنها لن تُستثمر محلياً بل سيتم تمويلها للحروب بالوكالة، وترفع الحوثي من قائمة الإرهاب، وتعطي ملايين الدولارات للسلطة الفلسطينية المتواطئة مع حماس بدون قيد أو شرط بالمحافظة على الأمن ومنع التعاون مع أي جهات إقليمية متطرفة، في الوقت الذي تجمد به بيع أسلحة لحلفاء أميركا، كل ذلك كان إشارات تفهم على أنها ضعف واستسلام من إدارة بايدن للمتطرفين واستهتار وتخاذل عن دعم الحلفاء. 

فإدارة بايدن قدمت المساعدات للسلطة الفلسطينية التي تقدر بـ 235 مليون دولار لإنها "تريد استعادة التواصل الموثوق به" بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بالفعل نظرة الإدارة كانت صائبة بدليل التصعيد الذي حدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين والذي أودى بحياة المدنيين. فحماس هي منظمة تمثل جماعة الإخوان المسلمين في غزة وتعتبر أيضا خط الدفاع الأول للنظام الإيراني وتعتبر إحدى الأذرع العسكرية لإيران التي تقدم لها المساعدات العسكرية. كما يشمل التعاون التدريب على إنتاج الأسلحة وتشغيلها، حيث يسافر مقاتلو حماس إلى إيران بشكل متكرر لإجراء تدريب متخصص، بالإضافة إلى زيارة منشآت إنتاج الصواريخ الإيرانية. يشرف على علاقات إيران مع حماس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، الذي يتبادل المعرفة حول إنتاج الصواريخ الإيرانية مع نظرائهم في حماس. فهذا التعاون الوثيق بين إيران وحماس ساعد حماس على زيادة مدى وفعالية الصواريخ التي أطلقت على البلدات والمدن الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، ونتيجة لذلك قامت إسرائيل بالدفاع عن نفسها بالضرب في أحياء في غزة والتي راح ضحيتها أبرياء بسبب اتخاذ حماس من المدنيين أذرع بشرية. 

أرادت إدارة بايدن إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ترامب وهذا كان واضحاً للجميع وأعطى القوى المتطرفة إشارة مثل الحكومة الإيرانية بتنفيذ مخططاتها بتقويض الاستقرار، فالسلام الإسرائيلي الفلسطيني لا يمكن أن يأتي أولاً لأنه لا توجد قيادات فلسطينية يعول عليها فهي ترفض الحلول والتسويات منذ عقود أما التنظيمات الإرهابية مثل حماس لا تعيش إلا على الصراعات ولا تريد سلاماً من الأساس وكذلك لا يوجد مشروع دولة بدليل تعاونها مع نظام مهمته تمويل الميليشيات ودعم الحروب بالوكالة. لذلك كل ما قامت به إدارة بايدن إعطاء الحافز لهذه القيادات والأنظمة الإرهابية بنشر العنف والاضطراب بدلا من إقناع دول عربية وإسلامية أخرى بتوقيع معاهدات سلام لكي تضطر القيادات الفلسطينية من تغيير نهجها أو لدفع الفلسطينيين للبحث عن قيادات أكثر أهلية ونزاهة لحل مشاكلهم الاقتصادية والسياسية العالقة. فبلايين الدولارات التي صرفت على القيادات الفلسطينية كان بإمكانها أن تجعل من الضفة الغربية وغزة منطقة حرة تجارية توفر فرص العمل للجميع، لكن المصالح الشخصية وشجع هذه القيادات كان هو الأهم.   

من التعتيم على الحقائق القول إن الاتفاقيات الإبراهيمية وجدت لحل القضية الفلسطينية ونظراً للتصعيد الحادث بين الإسرائيليين والفلسطينيين الآن فهناك من يريد إثبات فشل هذه الاتفاقيات. الحقيقة هذه الاتفاقيات لم تكن لحل القضية فمنذ التوقيع عليها ذكر سفير الإمارات العربية المتحدة في الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، إن الاتفاقية التي وقعتها بلاده مع إسرائيل كانت في الأساس "تتعلق بمنع الضم". 

كما تم التأكيد أن هذا لا يعتبر تخطي على القيادات الفلسطينية فالحل عندهم وللفوز بأي قضية لابد من التنافس على خطة عمل جيدة، لكن في الوقت الحالي لا يوجد خطة بديلة من قبل القيادات الفلسطينية سوى الرفض على كل مبادرة، إذا الفشل بمن: في الاتفاقيات التي وقعت حديثاً أم بصاحب القضية منذ عقود؟ فهذه الاتفاقيات الإبراهيمية بالإضافة إلى دوافعها السياسية والاقتصادية، حافزها الأساسي غرس فكرة السلام ونزع الكراهية بين الشعوب وخاصة بين الأجيال الشابة وتربيتهم على الواقعية السياسية الخالية من الشعارات والأيديولوجيات، التي تربى عليها جيل الخمسينيات والستينيات وانتهى بهم المطاف بنكسات سياسية وكساد اقتصادي.    

وبعد هذا العنف الفلسطيني الإسرائيلي كل الذي أدلى به السيد بايدن محادثة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بإنهاء العنف "عاجلاً وليس آجلاً"، فهذا الطلب يبدو استخفافا بحجم مدى خطورة السياسة الخارجية للمنطقة من قبل هذه الإدارة. فإذا كان بايدن جاداً حقاً بشأن إنهاء العنف، فمن الأفضل له الاعتراف بنجاح سياسة ترامب في الشرق الأوسط وإكمال مشواره بدلاً من إهدار طاقته وكرامة الولايات المتحدة الأميركية في محاولة استرضاء آيات الله في طهران.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.