كان أول رئيس وزراء إسرائيلي ديفيد بن غوريون واهما حين قال "الكبار يموتون والصغار ينسون" في قطع إلى أن القضية الفلسطينية ستصبح نسيا منسيا بعد عام 1948.
مرت أكثر من سبعة عقود منذ ما تسمى بـ"النكبة"، والصغار لم ينسوا فلسطين، والكبار قبل موتهم سلموهم مفاتيح بيوتهم التي طُردوا وهُجروا منها، وأوصوهم أن لا يفرطون بها.
جريدة هآرتس الإسرائيلية تعترف أن "جيل التيك توك الفلسطيني" لم ينسَ، ولا يقبل بالإذلال، معتبرة أن إسرائيل نجحت في حربها على غزة، وما فعلته في القدس، بتوحيد الفلسطينيين.
بعد عشرة أيام على العدوان الإسرائيلي على غزة، ظهرت حقائق لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، أبرزها أن لا حلول سلمية أو تطبيعية يمكن أن يكون لها وجود دون قبول وموافقة الفلسطينيين، والثانية أن حماس والجهاد الإسلامي أصبحتا لاعبا رئيسيا، وهما من تملكان قرار الحرب والسلم الفلسطيني، والاتصال بهما والتودد لهما أصبح شائعا، وأن السلطة الفلسطينية ورئيسها أبو مازن عاجزة، وغير قادرة على الفعل والتأثير.
ثالث الحقائق أن انتفاضة القدس ساهمت في توحيد الشعب الفلسطيني، وهدم القطيعة بين غزة والضفة، ومعطيات الواقع تشي عن تحولات فلسطينية قادمة تمهد لانقلابات داخل البيت الفلسطيني، وخاصة حركة فتح.
الحقيقة الرابعة أن المجتمع الدولي لم يعد قادرا على إغماض عينيه، وتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية، والتظاهرات العابرة للحدود والمؤيدة لفلسطين تتصدر شاشات التلفزة، ومنظمة العفو الدولية لا تتردد في اتهام إسرائيل بأنها تستخدم نمطا مرعبا للقوة المؤذية، وطالبتها بالتوقف عن عمليات التهجير والإخلاء القسري للفلسطينيين، والأنشطة الاستيطانية غير القانونية، وقبلها كان تقرير هيومن رايتس ووتش علامة فارقة، وإدانة مرعبة باعتبار إسرائيل دولة فصل عنصري.
آخر الحقائق والأكثر رعبا لإسرائيل أن عرب الداخل أثبتوا انحيازا وتمسكا بهويتهم، وأنهم قنبلة موقوتة قادرة على تفجير الأوضاع، وجر الحكومة الإسرائيلية لحرب استنزاف لم يعهدها في ظروف بالغة التعقيد.
مراقبة كلمات وزراء الخارجية والسفراء في جلسة مجلس الأمن في الأمم المتحدة تُظهر التحول الدولي في الموقف من إسرائيل، حتى مندوبة أميركا ليندا توماس ظهرت أقل انحيازا لإسرائيل، وأكدت أنه حان الوقت لإنهاء دائرة العنف، ولم تستطع أن تتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية بهدم البيوت، وبناء المستوطنات، والإعراب عن القلق من استهداف مقرات المؤسسات الإعلامية.
في إسرائيل -التي تعيش حالة رعب لم تمر بها منذ تأسيسها- اتهامات من شخصيات سياسية وعسكرية تتهم رئيس الوزراء نتانياهو أنه من أشعل الحرب حتى يبقى في الحكم، أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتحدث عن أن نتانياهو يُدير الحرب بطريقة مشبوهة، ودان حالوتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق يعلق بأن نتانياهو يُلقي عود الثقاب، ويحطم مؤسسات الدولة لمصلحته، ويُشير إلى جهاز الشرطة، والمحكمة العليا، ويشعل العنف الداخلي في المجتمع العربي، وليبرمان يرى أن نتانياهو يقود البلاد إلى الهلاك، وشعاره "أنا ومن بعدي الطوفان".
وحتى رئيس الأركان بالجيش الإسرائيلي رؤزفين ريفلين يخشى من فقدان السيطرة، ويقول "لقد صنعنا حربا بلا معنى"، ويحذر من حرب أهلية بعد الاشتباكات التي حدثت بن عرب ويهود في المدن المختلطة، ويطالب بإيقاف الحرب أو ما يُسميه "الجنون".
"انتفاضة القدس" لم تُحدث شروخا في الحكم الإسرائيلي فقط، وإنما ألقت بظلالها على كل العواصم العربية، و"جيل التيك توك" الفلسطيني لم ينسَ، وجيل "التيك توك" العربي ليس أقل تمسكا بفلسطين، فمنذ أيام يرابط آلاف الشباب والشابات ليس بعيدا عن السفارة الإسرائيلية في عمّان، مطالبين بطرد سفير إسرائيل، ويظلون في مناوشات مع رجال الأمن حتى ينفضوا، ويعودوا في اليوم التالي أكثر حماسا، وأكثر قناعة بمطالبهم، وأن "بوصلة لا تُشير إلى القدس مشبوهة".
"انتفاضة القدس" أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث، وهذا يخدم الأردن، ويتسق مع خطابه الرسمي، ويقلص الضغوط التي كان يتعرض لها، ويُحيي قصة الوصاية الهاشمية على المقدسات التي تتعرض للانتقاص إسرائيليا، وأحيانا عربيا.
لا يبدو الأردن بعد انتفاضة القدس، ودخول حماس على المشهد بقوة، واشتعال الحرب على غزة، الأكثر تأثيرا سياسيا ودبلوماسيا، فخطوط الاتصال بين عمّان وحماس شبه مقطوعة، وفي الشارع، وفي البرلمان من يُذكر النظام بخطيئة طرده لقادة حماس من الأردن، ويطالبونه بتصويب ومعالجة هذا الخلل، وإعادة العلاقات معها، وبالاتجاه ذاته فإن العلاقة بين الحكم والراعي والأب الروحي لحركة حماس، جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ليست على ما يُرام؛ وبالتالي فإن قنوات الاتصال مشوشة في ظل هذا الاشتباك السياسي الدولي والإقليمي، وهو ما يعطي أفضلية للعواصم المؤثرة في قرار حماس تتقدمها القاهرة التي تخوض الوساطات علنا، دون أن يقلل ذلك من دور الدوحة ، وطهران، وأنقرة.
يكره الأردن نتانياهو، ويرفض التعامل معه، ويتصدى لابتزازه السياسي، ويُجاهر في العداء له، ومع ذلك ورغم مرور ما يقُارب ثلاثة عقود على اتفاقية وادي عربة التي لم تُنتج سوى "سلاما ميتا"، فإن الحكومة حتى اللحظة الراهنة لم تستجب لمذكرة وقعها مجلس النواب بالإجماع يُطالب بطرد السفير الإسرائيلي، ولم تصغٍ لهدير الخطابات النارية التي ألقاها النواب لمدة 6 ساعات على مسامع الحكومة، حتى دعوة النائب خليل عطية بالاعتصام تحت قبة البرلمان لإلزام الحكومة بهذا القرار ذهبت أدراج الرياح.
في الشارع الأردني غليان، والتظاهرات تجاوزت الخطوط الحمراء باندفاع العشرات إلى الحدود مع إسرائيل لاختراقها، وتجاهل تحذيرات الأمن والجيش، والنتيجة عشرات من المعتقلين والموقوفين في السجون الأردنية، والقبض على أردنيين من قبل الجيش الإسرائيلي تجاوزوا الحدود.
ينشط العاهل الأردني الملك عبد الله في اتصالاته الدولية للتحذير من التطورات المأساوية في الأراضي الفلسطينية، والدعوة إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية، ويقدم وزير الخارجية أيمن الصفدي مطالعة سياسية وحقوقية حازمة خلال جلسة مجلس الأمن، وترسل الحكومة على عجل مستشفى ميدانيا عسكريا ثانيا لقطاع غزة، غير أن كل ذلك لا يُشفي غليل الناس، وتحولت خطابات البرلمان لبازار، ويصف أحد النواب ما يجري بمهزلة سياسية، ورغم كل هذا الضجيج والتوتر فإن مجلس النواب بإجماعه الكامل عجز عن طرح الثقة بالحكومة التي تُلقي بعرض الحائط بمطالبه.
التاريخ السياسي قُبيل انتفاضة القدس ليس كما بعدها، ومهم عنوان المقابلة التي أجريت مع وزير البلاط الملكي الأسبق مروان المعشر "دروس كُتبت بالدم"، فالمعاينة السياسية للمشهد ستتغير، واللاعبون الفاعلون قد يستبدلون، والكوفية الفلسطينية التي ولجت بقوة تحت قبة الكونجرس على أكتاف النائبة رشيدة طليب تُرسخ الرواية الفلسطينية أكثر فأكثر، وهوا ما يفتح باب الأسئلة عن المستقبل، وقد يكون السؤال عن انتهاء زمن الانحياز الأعمى لإسرائيل أول ما يطرق جدران العواصم السياسية.
"صواريخ عيّاش" التي أطلقتها كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، فرضت متغيرات في الميدان، والحقيقة الأخرى أن معركة تُدار رحاها على منصات التواصل الاجتماعي لا تقل ضراوة، والفرق الوحيد لا دماء، ولا ضحايا، ولا إصابات.
هاشتاغ "أنقذوا حي الشيخ جراح" أصبح الأكثر انتشارا عالميا باللغتين العربية والإنجليزية، ومثله وسوم "فلسطين حرة"، و"أوفقوا الاعتداء على غزة" تتصدر، هذا الصراع والتنافس كسر احتكار السردية الإسرائيلية في الفضاء الإعلامي والافتراضي، وظهور شخصيات عالمية مشهورة، فنية، ورياضية، مساندة للقضية الفلسطينية زاد من حملة التضامن العالمي، وكشف دون زيف عن المظلومية الفلسطينية، وأصابت وصدقت القيادية الفلسطينية حنان عشراوي بقولها "نحن البلد الوحيد في العالم تحت الاحتلال الذي يُطلب منه ضمان أمن مُحتله، وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تدّعي أنها تدافع عن نفسها من ضحاياها".

