Bookseller Dieter Dausien is seen in his bookshop, as the spread of the coronavirus disease (COVID-19) continues in Hanau,…
الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء

كان يتحدث عن باحثة شابة. سأل شخص بين الحاضرين عن كتبها، فرد الأول: "تبدو لي سطحية ومغرورة. من الأفضل أن تقرأ لفلان وفلان"...

شيء ما في رده كان مثيرا للفضول، فدفعت محاولة الفهم لأبعد من تلك الجملة العابرة.

سؤال بعد الآخر، أدركت أن هذا الشخص لم يقرأ أي كتاب أو مقال للباحثة موضوع الحديث. بنى "حكمه" الحاسم على انطباع شخصي وعما يقوله الآخرون!

فاجأني الأمر من شخص قارئ متتبع يعتبر نفسه مثقفا... أفهم أن نقرأ لكاتب أو باحث وألا نعجب بكتاباته، أسلوبه، لغته، منهج البحث الذي يعتمد عليه، مواقفه... كما أفهم أن يعتمد أحكامَ القيمة أشخاص بسطاء لم تسمح ظروف تعليمهم وتأطيرهم باحترام الغير والاختلاف وبتقييم الأعمال وليس الأشخاص... لكني أجد صعوبة في البحث عن أعذار لشخص "مثقف" يعطي لنفسه الحق في الحكم على الغير دون اطلاع حقيقي.

أولا، يفترض أن الأعمال التي نقرأها تكون محط تقييم لذاتها: أن تعجبنا، أن تناسب ذائقتنا الفنية، أن تغنينا معرفيا، أن تفيدنا منهجيتها في البحث، إلخ...؛ لا أن تكون مطية نحكم من خلالها على الكاتب\الباحث نفسه! بل الأدهى هنا أن هناك من "يحكم" على الكاتب نفسه بالسطحية والغرور، ليس فقط لأن أعماله أعطته هذا الانطباع (فهو لم يقرأها أصلا)، بل من خلال انطباع فضفاض وعام عنه، حتى دون قراءة.

بكل أسف، هذا السلوك ليس استثنائيا... اليوم، أصبح من السهل إصدار الأحكام على الآخرين دون حرج، بل وإهانتهم، باسم حرية التعبير. إمكانيات التعبير التي تتيحها وسائل التواصل جعلت من السهل، بالنسبة لمعظم الناس، التواصل مع فنان يحبونه، كاتب يقرؤون له، صحافي يتابعونه على التلفزيون... وبدل أن تكون هذه الإمكانية فرصة لإغناء النقاش، أصبحت تعطي للبعض الانطباع بأن كل شيء من حقهم، بما في ذلك الأحكام المتسرعة!

الكتاب والباحثون ليسوا أشخاصا مقدسين فوق الانتقاد. من المؤكد أن من حق الجميع انتقاد إنتاجاتهم أو التعبير عن موقف سلبي منها. لكن هناك أبجديات نحتاج دائما للتذكير بها، لأن الكثيرين لم يستوعبوها بعد في علاقتهم بالآخرين:

يفترض أولا أن ننتقد العمل (فيلم، كتاب، قصيدة، بحث علمي...) لا أن ننتقد منتج العمل (والأدهى أن نُجرح فيه). عدم إعجابنا بعمل فني أو أدبي أو علمي معين لا يعطينا الحق في الحكم على الكاتب\ الفنان\ الباحث الذي قدمه وفي التجريح فيه كشخص.

كما يفترض ببساطة أن نطلع على العمل الذي ننتقده، سواء كان كتابا أو فيلما أو أغنية، قبل أن نتحدث عنه.

تبدو هذه الأمور بديهية، لكن الكثيرين لا يأخذون بها، للأسف، في تقييمهم للآخرين ولإنتاجاتهم الفكرية والفنية والأدبية، بمن فيهم بعض الأشخاص المحسوبين على الميدان الثقافي والفكري أنفسهم.

كيف يعقل أن يصنف المرء نفسه في خانة "المثقفين" وأن يعطي لنفسه الحق في الحكم على كتب لم يقرأها وعلى فاعلين في الميدان العلمي \ الإعلامي \ الفني لم يطالع أعمالهم أو تابع بعضها بشكل سطحي؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.