من دون أن يسقط المرء في فخ اللغة الشعبوية التي غالباً ما ترافق الحروب، يمكن له أن يقول إن ثمة ولادة جديدة للقضية الفلسطينية تنتظر ان لا نبددها على نحو ما فعلنا في الانتفاضة الأولى. ولادة فرضت حقائق كانت في طريقها إلى أن تتبخر. وكي لا نبالغ في جلد النفس، يجب أن نسجل أننا لم نكن لوحدنا المسؤولين عن تبخرها، وهذا بحث آخر ينبغي الذهاب إليه.
نعم هناك قضية أسمها القدس. القدس الشرقية تحديداً، وهذه قضية كان اليمين الحاكم في إسرائيل قد توهم أنها في طريقها إلى الزوال، إلى أن عادت واستيقظت من حي الشيخ جراح، ولن يقوى بنيامين نتانياهو بعد اليوم من تجاوز هذه الحقيقة. وهناك قضية أخرى أيضاً أسمها الاستيطان في الضفة الغربية، وليس وقف الاستيطان هو الطريق للتعامل مع هذه القضية انما البحث بمستقبل المساحات التي جرى اغتصابها، إما عن طريق تفكيكها، وإما عن طريق مبادلتها أراضٍ يقبل بها الفلسطينيون. لكن الولادة الجديدة أنجبت مزيداً من القضايا التي تحتاج معالجة، ومنها قضية عرب الداخل. فنحو ربع عدد سكان إسرائيل تعاملهم دولتهم كمواطنين درجة ثالثة، على كل المستويات، وصولاً إلى تمثيلهم في الكنيست. في التعليم والتوظيف والأمن وتوزيع الثروات هم مواطنون درجة ثانية، وانتفاضة مدن الداخل الأخيرة كشفت احتقاناً هائلاً على هذا الصعيد.
أما القضية الرابعة، والتي قد تكون أكثر القضايا تعقيداً، فهي غزة. غزة القطاع وغزة المدينة. القطاع بوصفه امتداداً غير جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة، والمدينة بوصفها نموذجاً عن الاكتظاظ الذي فرضته إسرائيل، وما نجم عنه من قطع للأوصال.
نعم غزة هي القدر الذي اختارته إسرائيل لنحو مليوني فلسطيني، وهي قدر لم يمله الانقسام الفلسطيني البغيض فقط، انما كان أيضاً خياراً اسرائيلياً لبى الكثير من الوظائف للاحتلال، بدءاً من مقولة "غياب الشريك" ووصولاً لجعل النزاع العسكري صيغة العلاقة الوحيدة والضرورية مع قوة الأمر الواقع في القطاع.
لكن وبما أننا ذهبنا في تقديرنا إلى ما بعد الحرب على غزة، وما أملته الوقائع الفلسطينية في أعقاب وقائع حي الشيخ جراح، فعلينا فعلاً أن نسأل أنفسنا كيف أمكن لإسرائيل أن تتصرف على نحو يتجاوز هذه الحقائق؟ كيف لها أن تشيح أنظارها عن هذه الوقائع الثقيلة، وكيف يمكن لقوة عاقلة، حتى لو كانت غاشمة، أن تتوهم أنه بإمكانها تجاوز أكثر من 4 ملايين فلسطيني، وان لا تعرف ما تعنيه القدس لهؤلاء، وما يعنيه الزحف الاستيطاني على مدنهم وقراهم، وأن يعيش أكثر من مليون فلسطيني آخر كمواطنين درجة ثالثة فيها؟ لوكنت اسرائيلياً لفقدت الثقة بدولتي وبقدرتها على استشراف مستقبل لي ولأولادي. فالحرب هي الأفق الوحيد لهذا التعامي، والصدام هو المستقبل، والانفجار قدر لا يمكن تفاديه في ظل كل هذا الضيم الذي يلحق بأكثر من نصف السكان. هذا قبل أن نتحدث عن التوتر الناجم عن مجاورة الدولة لأحزمة من اللاجئين الذين طردتهم هي بنفسها إلى دول مجاورة.
مهما كانت القوة التي بلغتها إسرائيل، وهي بالفعل أقوى دولة في المنطقة، لكن يبقى أن واقعاً غير طبيعي وغير محمول لا يمكن أن تعوضه القوة. لحظة عابرة كتلك التي شهدها حي الشيخ جراح كفيلة بفقدان الدولة ثقتها بقوتها وتصرفها على نحو قد يوقظ غرائز تأتي على القوة والتفوق. ثم أن هذه الدولة التي تتيح لنتانياهو لأن يأخذها إلى حروب على وقع مخاوفه على مستقبله السياسي، وأن يدفعها أثمان طموحاته بأن يبقى رئيساً للحكومة إلى الأبد، وفي المقابل تعجز هي عن محاسبته على فساده طالما هو في السلطة، هذه الدولة لا تبعث فعلاً على الثقة، مثلما لا تبعث دول البعث والولي الفقيه على الثقة.
لوكنت اسرائيلياً لحزمت حقيبتي وغادرت، فالخلل جوهري، والمجتمع سائر إلى مزيد من التطرف، أي من اليمين الصهيوني إلى اليمين الديني، وهو تحول غير مستجيب لغير دعوات التوسع والاستيطان والتغول على الحقوق، وهذا لا يؤشر لغير الحروب، والمزيد من الحروب. ما جرى في حي الشيخ جراح ما كان ليجري لولا أن ثمة سلطة في دولة جعلت من كلام المستوطن للسيدة صاحبة المنزل (إذا لم أسرق منزلك سيأتي غيري ويسرقه) كلاماً ممكناً وثقافة سائدة. سلطة جعلت من السطو على حقوق الغير فعلاً مقبولاً ومرغوباً.
هذا بحث ما بعد وقف إطلاق النار، لكن لو كنت اسرائيلياً لفكرت فعلاً بالمغادرة، وهذه المرة خوفاً من دولتي لا من الفلسطينيين.

