بايدن التزم بدعم إسرائيل سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا
بايدن التزم بدعم إسرائيل سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا

تظهر استطلاعات الرأي وكذلك بعض التقارير أن ثمة تباين آخذ في التزايد داخل أجنحة الحزب الديمقراطي الأميركي بشأن الموقف مما يجري حاليا في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل وكذلك بشأن الموضوع الفلسطيني بصورة عامة. 

وفي حين أصدر العشرات من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، غالبيتهم من الديمقراطيين، بيانات تطالب إدارة بايدن بالضغط على إسرائيل لإنهاء عملياتها العسكرية ضد حركة حماس في قطاع غزة، ذهب أعضاء الجناح اليساري أو التقدمي في الحزب أبعد من ذلك حين تحدثوا عن ضرورة تقييد المساعدات الأميركية لإسرائيل والضغط عليها لوقف الاستيطان والمعاملة غير العادلة تجاه الفلسطينيين.

وكان الأكثر حدة من بين هؤلاء كريس فان هولن، وإليزابيث وارن، وبيرني ساندرز، وألكساندريا أوكاسيو كورتز، وإريك سوالويل، وإلهان عمر، ورشيدة طليب وغيرهم.

بطبيعة الحال هذه المواقف من إسرائيل أو القضية الفلسطينية ليست جديدة في أميركا، فهناك من يتبنى مثل هذه الآراء هنا او هناك، لكن الجديد هو تزايد عدد المتحدثين عنها للإعلام، لا سيما مع اتساع نفوذ الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي وخاصة في الكونغرس.

ولا شك أن إدارة بايدن تجد صعوبة في التوفيق بين هذه المطالب والموقف الأميركي التقليدي الداعم لإسرائيل ولحقها في الدفاع عن نفسها. وتزداد الصعوبة مع وضع هذه الإدارة لقضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في صلب سياستها الخارجية، الأمر الذي لا بد أن يلامس العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين.

الرئيس بايدن تجنب حتى الآن الخروج على هذا التقليد، والتزم بدعم إسرائيل سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، لكن تصريحات بعض مسؤولي إدارته لم تخل من انتقادات مبطنة للموقف الإسرائيلي.  

والسؤال هو: هل من الممكن أن تتحول انتقادات الجناح التقدمي والليبراليين عموما لإسرائيل يوما ما إلى مزاج عام في الولايات المتحدة أو تدفع إدارة بايدن لانتهاج مقاربة مختلفة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

يبدو من المستبعد حدوث ذلك في المستقبل القريب، رغم أننا يمكن أن نشهد زخما متزايدا في هذا الاتجاه خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في غزة وما يصاحب ذلك من وقوع قتلى وجرحى في أوساط المدنيين. لكن مع انتهاء هذه العمليات سوف يخفت النقاش حول هذه المسألة من جديد.

أما أسباب عدم تحول ذلك إلى مزاج عام فهي متعددة. بعض هذه الأسباب متجذر في الثقافة والسياسة الأميركيتين، لكن بعضها الآخر مرتبط أيضا بطبيعة هذا الصراع، وتعقيداته السياسية، والقانونية، والدينية.. إلخ.

وليس خافيا أن وجود حركة مثل حماس وغيرها من الجماعات الإرهابية لا يساعد على تحول إيجابي في المزاج الأميركي باتجاه المسألة الفلسطينية.

فهذه الجماعات التي تشكل اليوم قرابة نصف المشهد الفلسطيني، لا تختلف في جوهرها عن اليمين المتطرف في إسرائيل. فهي تسعى إلى إبادة اليهود، وهي تقمع دون هوادة الفلسطينيين ممن يخالفونها الرأي والتوجه، وهي تصطف وتدين بالولاء إلى إيران التي تدعو جهارا إلى إزالة إسرائيل من الوجود. وفي الأزمة الحالية هي من بادرت بإطلاق الصواريخ بشكل عشوائي على المدن والبلدات الإسرائيلية، وليس فقط على المنشآت العسكرية، تحت حجة ما يجري في القدس وحي الشيخ جرّاح. وهي حجة من الواضح أنها ضخمت واستخدمت بتعمد لتفجير صراع مسلح واسع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لأهداف بينها الحصول على الدعم المالي والسياسي وإعادة تعويم حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين.

ومع أن القضية الفلسطينية هي ليست حماس أو الجهاد الإسلامي أو غيرها، لكن لا يمكن تخيل وضع يكون فيه الفصل ممكنا بين القضية وبين هذه الجماعات في المستقبل المنظور. على العكس من ذلك فإن حركة حماس تمثل اليوم قيادة رئيسية للفلسطينيين وهي أكثر قدرة على منافسة حركة فتح (الموصوفة بالفساد وسوء الإدارة) في أية انتخابات قد تجري في الأراضي الفلسطينية.  

وبالتالي سيكون من الصعب على أي سياسي أميركي أن يطالب الإدارة الحالية أو أية إدارة أخرى بأن تتخذ مقاربة مختلفة تجاه هذه الحكومة الإسرائيلية أو تلك، في الوقت الذي يوجد فيه طرف فلسطيني رئيسي يتبنى أيديولوجية أسوء منها بكثير.

والحال أن تغير الرأي العام الأميركي تجاه الفلسطينيين ليس أمرا مستحيلا، فثمة حراك بين الأجيال وتغير في الاصطفافات - على سبيل المثال فإن أكثر من نصف اليهود الأميركيين، حسبما يظهر أحدث استطلاع لمركز بيو للأبحاث، لديهم موقفا سلبيا من حكومة نتنياهو بسبب جنوحها نحو أقصى اليمين - لكن هذا التغير كي يحدث هو بحاجة أيضا إلى تغير يحدث على الضفة الفلسطينية. ولا يكفي لذلك التمترس خلف صور الضحايا الأبرياء من الأطفال والنساء الذين يسقطون في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. هذه الصور مؤثرة دون شك، لكن من المؤسف أن الحرص الذي يبذل في ترويجها وتوظيفها إعلاميا وسياسيا أكبر بكثير من ذاك الذي يبذل في منع وقوع المأساة في المقام الأول.   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.