حماس أطلقت أكثر من 4000 صاروخ نحو إسرائيل مؤخرا.
مصر نجحت في التوصل لوقف إطلاق نار .

طوال 11 يوما من البطش والتدمير وسفك الدماء بين إسرائيل وحماس، كانت مصر تتحرك وبهدوء وتأني على المسارات الثنائية والإقليمية والدولية، لمنع كارثة إنسانية في قطاع غزة، في جهود أثمرت هدنة بين الأطراف. 

اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في الساعات الأخيرة من ليل الخميس هو بالدرجة الأولى اتفاق برعاية وجهود مصرية هي الأكبر دبلوماسيا للقاهرة منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014. 

فبين حرب 2014 وحرب 2021، هناك فوارق شاسعة في أداء الدبلوماسية المصرية. إذ بدل حرب السبعة أسابيع يومها، اقتصرت المعارك هذه المرة على أسبوع ونصف. وبدل الاجتياح البري لإسرائيل الذي أدى إلى قتل أكثر من ألفي فلسطيني، تفادت غزة كارثة إنسانية بهذا الحجم اليوم. 

الدبلوماسية المصرية كانت حاضرة قبل الغليان، محذرة مع الأردن العواصم الغربية منذ شهور من مغبة تجاهل ما يجري في القدس والشيخ جراح. واشنطن المنشغلة بتحديات داخلية وخارجية وتخشى مواجهة مع بنيامين نتانياهو، تجاهلت التحذيرات في بداية أبريل إلى حين اشتعال أزمة الأقصى. من ذلك الوقت، ومصر والأردن تعملان على إطفاء الحريق الذي امتد لحدودهما. 

الدور المصري في المفاوضات تجلى في فتح قنوات استثنائية أمنية وسياسية من موسى أبو مرزوق إلى إيمانويل ماكرون. جسور مصر مع كافة الأطراف سهلت عودة دورها الاستخباراتي والسياسي، الذي كان حاضراً في عهد مبارك. واستكملته هذه المرة إضافة أوجه اقتصادية، بتخصيص 500 مليون دولار لجهود إعادة الإعمار في غزة. 

إقليميا، مصر استفادت من تراجع ملحوظ في دور تركيا في غزة الداخل. فخلافاً للمواجهات السابقة، غابت أنقرة بالكامل عن الجهود الدبلوماسية هذه المرة، ولم تتلق حتى اتصالاً واحداً من باريس أو واشنطن، فيما حليفها إسماعيل هنية الجالس في الدوحة، لم يكن ممسكا هو الآخر بقرار الحرب والسلم. 

حتى إيران، وعدا عن تغريدات جواد ظريف والذبذبات عبر الحدود السورية واللبنانية، لم يكن لها حضور فعلي في إطالة الحرب أو إيقافها. 

مصر وظفت علاقاتها واستخباراتها لإبرام اتفاق، وأيضا لحصد نقاط دبلوماسية هامة تعزز موقع السيسي اليوم. فبعد اتصالات ولقاءات مع ماكرون وطرح مسودة قرار فرنسية-مصرية-أردنية في مجلس الأمن، اتصل بايدن بالسيسي يوم الخميس، في أول مكالمة بين الرجلين منذ تولي بايدن الرئاسة في يناير. 

اتصال بايدن-السيسي كان تأخر من الطرف الأميركي بسبب قضايا حقوق الإنسان، والعلاقة المصرية-الروسية وانعطاف بايدن عن مسار ترامب.

وجاءت حرب غزة لتقلب كل هذه المعادلات. فأمن إسرائيل هو خط أحمر أميركيا، ومنع اندلاع حرب طويلة هو أولوية لإدارة بايدن أكبر من تحفظاتها على رصيد السيسي في حقوق الإنسان.

واشنطن ترى أيضا فرصة سياسية اليوم للعمل على إحراز تقدم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدل انتظار الانفجار المقبل. من هنا سيتجه وزير الخارجية أنتوني بلينكن في زيارة أولى لإسرائيل وفلسطين الأسبوع المقبل. 
وهذا يعني الحاجة المتبادلة بين واشنطن والقاهرة لترتيب البيت الفلسطيني، والدفع بالمفاوضات في حال وصلنا إلى ذلك.  الخطوة الأولى اليوم هي إرساء التهدئة، إطلاق جهود إعادة الإعمار في مؤتمر قد تستضيفه مصر ومصالحة البيت الفلسطيني. 

دبلوماسية مصر أنهت مسلسل الرعب في غزة، وأعطت السيسي والقاهرة زخماً دوليا. البناء عليه بالدفع بقطار المفاوضات فيه مصلحة مشتركة للجميع لتفادي اشتعال جولة خامسة بين حماس وإسرائيل في السنوات المقبلة.
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.