الأطراف السياسية في لبنان لا تزال عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة
الأطراف السياسية في لبنان لا تزال عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة

منذ 17 تشرين 2019 مرورا بانفجار المرفأ وسقوط حكومة حسان دياب وتكليف سعد الحريري تشكيل حكومة جديدة، يستمر الاستنزاف السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وترتفع معدلات التضخم والفقر والهجرة، لكن المنظومة الحاكمة تستمر في استنزاف الوقت وتسويفه وتقطيعه، بعدما ضبطت ساعتها على توقيت فيينا وبغداد، وراهنت عليهما ورهنت مستقبل البلد على جولات من مفاوضات غير مضمونة النتائج.

تقارب الطبقة الحاكمة الأحداث الإقليمية وفقا لتمنياتها وليس لواقعها وواقع البلد. وبدأت تقيس مجريات الأحداث وفقا لرغباتها، وتفصيلها وفقا لما تعتبره أجندة إقليمية ترتبط بلبنان، أو تعتبره ارتباطا لبنانيا بأجندة خارجية، ولا تريد أن تقتنع بأن الخارج وانشغالاته قد تجاوز الحدث اللبناني، وبأن عواصم فاعلة قد ركنته على رف الملفات المهملة، وبأن أطرافا أخرى لم تعد تراه ورقة تصلح للمقايضة، فيما الأخطر أن أطرافا أكثر فاعلية قد أجمعت على أن الحل لم يحن أوانه. 

مما لا شك فيه أن الطبقة السياسية اللبنانية متصالحة مع واقعها، لذلك تمارس مناكفتها السياسية في الداخل بانتظار انفراجة واشتباك في الخارج. فالإجماع الوحيد في لبنان بين السلطة والمعارضة المدجنة والشارع هو الرهان على الخارج، فالأخير أي الشارع "17 تشرين" على قناعة بأنه غير قادر على إسقاط السلطة بالضربة القاضية، وبأن الوقت ليس دائما لصالحه وأن خياره الأخير هو الانهيار الذي يفتح طريق الخارج من دون تعقيدات إلى الداخل. 

أمام الطبقة السياسية موالاة ومعارضة، فإنها لم تزل تراهن على الخارج من أجل تحقيق انتصارات وتعزيز مكاسب، بعيدا عن المستوى الذي وصلت إليه الأزمة، وكأن الخارج غير المعني بلبنان حاليا، لم يزل يعتبره من أولوياتها، إلا أن الانفصام السياسي الذي تعيشه الطبقة السياسية وتوهماتها جعلها مستعدة للقيام بهجرة سياسية جماعية مؤقتة إلى بغداد وفيينا. 

ليس في بغداد وفيينا حتى الآن ولا في المستقبل القريب ما يرضي الطبقة السياسية الحاكمه، في فيينا تحضر بقوة هموم إيران الداخلية، التي انعكست على طاولة المفاوضات، وفيما الطرف الآخر يرفض الدخول في مفاوضات السلة الواحدة وهو يرتب أولوياته التفاوضية خطوة وراء خطوة، بخطوة أساسها الملف النووي قبل الانتقال إلى السلاح الاستراتيجي والنفوذ. وفي آخر المطاف الملفات الإقليمية المعقدة التي يتطلب حلها توسيع طاولة فيينا في مرحلة لاحقة ما بين إقليمي ودولي، حتى تتمكن الأطراف المعنية من طرح موضوع لبنان المرتبط جزئيا بسوريا التي ليست أولوية للطرف الأقوى في مفاوضات فيينا. 

في البحث اللبناني الدائم عن وصاية إقليمية أو فاعل إقليمي أو نافذة إقليمية، وصاية يمكن أن توفر له حلا أو تفرضه، باتت بغداد المستقرة مرحليا محط أنظار الطبقة السياسية، وكأن الدخان الأبيض الذي سيخرج من المفاوضات الإيرانية السعودية سيصل إلى بيروت، مع العلم أنه في مرحلته الأولى إذا نجح لا يكفي لترطيب المناخات السعودية الإيرانية في اليمن والعراق. 

ما لم تلتفت إليه الطبقة السياسية الحاكمة أنه في ذروة المفاوضات في بغداد، قامت الرياض بالكشف عن شحنة المخدرات واتهمت جهات لبنانية أساسية مرتبطة مباشرة بطهران بالوقوف خلفها، وقامت مع دول الخليج بمعاقبة لبنان زراعيا، فبالرغم مما يرشح من أجواء إيجابية عن لقاءات العاصمة العراقية إلا أن الرياض لم تغير موقفها تجاه لبنان والإصرار على عدم التدخل.

الحقيقة التي تتجنب الطبقة السياسية اللبنانية مواجهتها، هي التجاهل الكامل للأزمة اللبنانية من قبل بعض أطراف الحوارات في فيينا وبغداد، وبأن لبنان لم يعد أولوية، وبأن قرار الإهمال أقوى من محاولة البحث عن حلول، وبأن ضبط الساعة على توقيت بغداد أو فيينا ليس إلا مضيعة له، وكأنهم لم يدركوا بعد أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.