جنود لبنانيون عند الحدود مع إسرائيل
جنود لبنانيون عند الحدود مع إسرائيل

بالنسبة للحقوقيين يوجد فرق بين إعلان لبنان دولة حيادية على غرار المتعارف عليه في القانون الدولي، وبين الحياد بمعنى تحييد لبنان عن الصراعات. 

في الحالة الأولى، الدولة الحيادية هي الصفة القانونية لبلد ما يمتنع عن المشاركة في أي حرب أو نزاع بين البلدان الأخرى، ويلتزم مسافة واحدة من جميع الأطراف المتحاربة مع ضرورة اعتراف الدول بذلك. تضمنت حقوق البلدان الحيادية، من الناحية التاريخية، عدم استخدام أو احتلال أراضيها من جانب أي طرف متحارب، وعلى استمرار العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى المحايدة منها والمتناحرة. ولبنان بهذا المعنى لا يمكنه ان يكون حيادياً، نظراً لانتمائه إلى الجامعة والنظام العربيين، وإلى حالة العداء بينه وبين اسرائيل. 

ذلك أن الحياد، برأي الحقوقي بول مرقص، يتطلّب أن تعبّر الدولة إرادياً وبموجب نصّ قانوني واضح تمارسه كما في النمسا وهي من أولى دول الحياد. في حالة لبنان، يتطلب ذلك تعديل نص دستوري  في مقدّمة الدستور في الفقرة "ب" "أنّ لبنان عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربية والأمم المتّحدة وملتزم مواثيقهما". لذا يصبح من المتعذّر أن يكون لبنان محايداً تماماً، خصوصاً وأنّه انضمّ إلى اتفاقيات هذه المنظمة.  

بالإضافة الى أن إعلان حياد لبنان والاعتراف به، يتطلب مؤتمراً دولياً وموافقة دول الجوار كي يصبح لبنان دولة حيادية . 

لكن السؤال لماذا علينا القيام بكل ذلك؟ لماذا لا نكتفي بممارسة الحياد الذاتي، الذي كان في أصل فكرة قيام الكيان اللبناني ومورس عملياً منذ ذلك الحين. لكننا حدنا عنه في كل مرة انحاز فيها طرف لبناني لصالح طرف خارجي ما، فوقعنا في اللاستقرار والصراعات والعنف.  

والمقصود بالحياد الممارس تاريخياً ما شدد عليه ميشال شيحا، منظّر الوطن اللبناني، عن دور لبنان كصلة وصل بين الشرق والغرب، بما يعنيه ذلك من ابتعاد عن المحاور ولعب دور الوسيط الحضاري.  

المحطة الثانية في الاتفاق على تحييد لبنان كانت عندما ابرم بشارة الخوري ورياض الصلح عام 1943 ما سمي بالميثاق الوطني، كي يضعوا حداً للاختلاف بين المسلمين والمسيحيين، فكرّسا ممارسة العيش المشترك "لأننا محكومون به". وبذلك توافقا على ان يتوقف المسلمون عن مطلب الوحدة العربية، ويكف المسيحيون عن مطلب الانتداب الفرنسي. فجعلوا شعار الميثاق لا شرق ولا غرب. عملياً الحياد. وتأكيداً لذلك ربط اتفاق الطائف شرعية السلطة بقدرتها على حماية العيش المشترك الذي يشكل أساس العقد الوطني. "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".... 

انتقد جورج نقاش حينها الميثاق: "سلبيتان لا تبنيان وطناً". لكن ميثاق دستور الطائف، وبعد 15 عاماً من الحرب الدامية، حسم الأمر، فجعله على شكل إيجابي: لبنان وطناً نهائياً للبنانيين، عربي الهوية والانتماء. يعني رضي المسلمون بالتخلي عن مطلب الوحدة العربية، ومقابل ذلك رضي المسيحيون أن يكون لبنان بلداً عربياً. 

وكان عبد الناصر، قد حيّد لبنان واعترف بخصوصيته. في زمن الوحدة، لم يلتق بشهاب في دمشق ولا هو جاء إلى لبنان، بل نصبت خيمة في منتصف الحدود بين لبنان وسوريا. فتكرّست سيادة لبنان وحياده وخصوصيته بالممارسة عام 1959.  

أيضاً اعتبر لبنان اثناء حرب العام 1967 بلد مساندة وليس بلد مواجهة ولم يشترك بالحرب.  

لكن اتفاق القاهرة (1969)، وبتواطؤ وتهاون لبناني، جعله جبهة المواجهة الوحيدة وأدخل السلاح الفلسطيني. وبدأت سلسلة اختلالات التوازنات الداخلية. فتحول الجنوب الى فتح لاند وتحكّم ابو عمار بلبنان مستقوياً بالمسلمين. لاستعادة التوازن، لجأ الطرف المسيحي الى نظام الاسد، الذي انقلب ضدهم. فلجأوا عندها الى شيطان إسرائيل، فتعرضنا لاجتياح واحتلال عام 1982. وخرج الفلسطيني. لكن ذلك أدى بنا الى دفع أثمان الاحتلال وتداعياته حتى الآن؛ فتحت غطاء مقاومة العدو، تمّ استبدال الاحتلال الاسرائيلي باحتلال إيراني بواسطة شيعية وغطاء سوري وتواطؤ لبناني. فاستحكم بمفاصل الدولة وتسبب بانهيارها بشكل غير مسبوق. 

من هنا جاءت مبادرة البطريرك بالمطالبة بتحرير الشرعية وتطبيق دستور الطائف وقرارات الشرعية الدولية 1559 و1680 و1701، تحت مظلة مؤتمر دولي لهذه الغاية. 

ان إقرار وثيقة اتفاق الطائف - الذي عرقلت سوريا تطبيقه – عنى استبعاد اي عامل يمكن ان يفجّر الصيغة اللبنانية والعيش المشترك، وهي مبادئ مؤسِّسة لقيام دولة لبنان الكبير.  وبديهي أن كل اصطفاف وانحياز لطرف خارجي تسبب، وسيتسبب، بتهديد وجود الدولة نفسها؛ لأنه يضرّ بالعيش المشترك. انحاز لبنان الآن، بفعل سياسة العهد التي غطت هيمنة حزب الله، الى محور المقاومة وأصبح لبنان مجرد منصة لإطلاق المواقف المعادية للدول العربي وللصواريخ على اسرائيل. وآخرها تصريحات وزير الخارجية الذي استقال  ولعبة الصواريخ مجدداً. 

هنا لا بد من التذكير أن تحييد لبنان كان قد تكرّس، بموافقة الجميع، في العام 2012 بما عرف إعلان بعبدا؛ بعد شكوى حزب الله للرئيس سليمان حينها من تدخل مجموعات في الحرب الأهلية في سوريا. وهذا بعض ما تم إعلانه بوضوح وبموافقة الجميع وحصل على موافقة واعتراف المجتمع الدولي: 

 12- تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصًا على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب إلتزام قرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، بما في ذلك حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم. 
 

13- الحرص تاليًا على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرًّا أو ممرًا أو منطلقًا لتهريب السلاح والمسلحين....  
14- إلتزام القرارات الدوليّة، بما في ذلك القرار1701. 

ومعلوم ان حزب الله ضرب بكل ذلك عرض الحائط. 

الحياد المطلوب الآن، بمعنى التحييد، هو خيار وطني يصونه الدستور، الذي ينص على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. وعلى هذا الاساس يرتكز خيار الحياد على امتناع أي فريق داخلي عن الاستقواء بالخارج كي يوظف قدراته لصالحه على حساب الصيغة الداخلية والعيش المشترك. لقد دارت الدورة على الجميع ولم يحصد لبنان إلا الويلات والدمار من المقايضة بين جزء من السيادة لصالح الخارج مقابل مكاسب داخلية.  

ان معالجة الحياد اللبناني تتم من منظار ثلاثي: النأي بالنفس والتحييد والحياد. 

آن أوان ان نتعلم أن السيادة لا تتجزأ، وعلينا ان نجعل هذا الحياد، او التحييد، الخيار السياسي الجذري على المستوى الاستراتيجي. فهو يحمي العيش المشترك، ويحصر التعامل مع الخارج انطلاقاً من ولائنا الى لبنان اولاً. بمعنى انه يمكن لأي لبناني ان ينتمي دينياً او عرقياً او ثقافياً الى الجهة التي يريد، لكن ولاءه يكون للبنان فقط. فيمتنع الجميع عن طلب أي مساعدة من الخارج، ويمنع استخدام المال او السلاح كوسائل ضغط لفرض سياسة الآخرين على لبنان.  

العيش المشترك هو ميزة لبنان التفاضلية على اسرائيل التي قد تتفوق علينا وتنافسنا في جميع المجالات الاخرى: تكنولوجيا واقتصاد وسياحة، لكنها تبقى دولة يهودية منقوصة الديموقراطية.  

وعندما يتحفنا البعض بأن فكرة الحياد هي ضد سلاح حزب الله! الجواب نحن لم نخجل من مطالبتنا بأن لا يكون في الدولة اللبنانية سلاح خارج أمرة الجيش، وأن تحتكر الدولة حصراً حق ممارسة العنف الشرعي.  

أما رفض فكرة المؤتمر الدولي لأنه "يمس بالسيادة". نذكرهم ان لبنان يعيش في ظل قرارات دولية نتجت عن مؤتمرات واجتماعات وقرارات حظيت بدعم دولي منذ اعلان دولة لبنان الكبير 1920، مروراً بالطائف وتفاهم نيسان والقرارات الدولية من القرار 245 وصولاً الى القرار 1559 و1680 و1701، واتفاق الدوحة المخالف للدستور ...  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.