الهزات الارتدادية للزلزال الذي ضرب فلسطين وإسرائيل، ترددت أصداؤها في عمّان.
الهزات الارتدادية للزلزال الذي ضرب فلسطين وإسرائيل ترددت أصداؤها في عمّان.

سقطت المواجهة الأعنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على الأردن، وهو يلملم ذيول أحداث الثالث من أبريل، في إشارة إلى قضية الأمير حمزة، التي قيل بشأنها إنها "مؤامرة تستبطن الفتنة"، تعبيراً عن التقاء مطامح الأمير الشخصية، مع موجة الغضب الشعب التي اجتاحت الأردن ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية والصحية للحكومة، برغبة أطراف خارجية في "تسوية الحساب" مع الأردن، لتدفيعه ثمن مواقفه من "قضايا جوهرية"، بدءاً بحرب اليمن وانتهاء بـ"صفقة القرن".

الهزات الارتدادية للزلزال الذي ضرب فلسطين وإسرائيل ترددت أصداؤها في عمّان، وعلى المستويين الرسمي والشعبي، غطّت هذه القضية على ما عداها من موضوعات على أجندة الملك والحكومة، وخرج الشارع الأردني، كما لم يحصل في أي دولة عربية، في أوسع وأعمّ تظاهرات شعبية، شملت كافة مدن الأردن، وانخرط فيها بحماس ظاهر الأردنيون من شتى المنابت والأصول والخلفيات، ومن مختلف الفئات والأجيال.

ويبدو لمراقبين، ومن ضمنهم كاتب هذه السطور، أن الأردن لم يكن مهيئاً لاستقبال حدث على هذا القدر من الأهمية، يتفاعل علىى مقربة من حدوده الغربية.. فالأردن الذي استشعر ارتياحاً بمجيء إدارة بايدن، بعد سنوات أربع عجاف من التجاهل والتهميش في ظل إدارة ترامب، لم يطوّر مقاربة جديدة، لا في مواقفه من القضية الفلسطينية، ولا في علاقاته مع الأطراف الفلسطينية الفاعلة، واستمر في أداء دوره كالمعتاد، مردداً ما يحلو للمسؤولين الأردنيين وصفه بـ"ثوابت الموقف الأردني" من المسألة الفلسطينية.

لقد انعقد الرهان الأردني طوال عشرين عاماً أو يزيد، على مقاربة "حل الدولتين"، ورسمت الحكومات الأردنية المتعاقبة، لنفسها "سلة مصالح" في الحل النهائي، من أبرزها قيام دولة فلسطينية تكون جداراً للصدّ عن هوية الأردن وكيانه، وحل "متفق عليه" لمشكلة اللاجئين الذي يستضيف الجزء الأكبر منهم، وإدامة "الرعاية الهاشمية" للمقدسات الإسلامية في القدس.

ومن أجل ذلك، طوّر الأردن علاقات تعاون وثيقة مع السلطة الفلسطينية، أولاً بوصفها العنوان الشرعي للفلسطينيين، وثانياً؛ لأنها تشاطره الرؤية ذاتها، لأسس الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وتجاهلت سلطات عمان دعوات كثيرة، دعتها لتطوير "خطة ب" في حال فشل خيار "حل الدولتين"، وتنويع علاقاتها مع المكونات الفلسطينية، حتى لا تُبقي جميع أوراقها في سلة سلطة، ثمة الكثير مما يُقال، عنها وعليها.

ومع أن تطورات الميدان الفلسطيني – الإسرائيلي، كانت تشير بصورة تكاد لا تدع مجالاً بأن "حل الدولتين" بات وراء ظهورنا، وأن السلطة آخذة في التآكل من داخلها، جراء انحباس مسار السلام والتفاوض، وبؤس أدائها السياسي والإداري، وترهلها وشيخوختها، إلا أن هذه الدعوات، لم تجد من يسمعها في مؤسسات صنع القرار في الدولة، وظلت السياسة الأردنية تتعامل مع الظرف الفلسطيني الجديد الناشىء بذات الأدوات والرهانات القديمة.

أما على الضفة الثانية من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فقد مرّت العلاقات بين الأردن وإسرائيل بسلسلة متعاقبة من الأزمات، مذ أن لاح لحكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، فرصة "تخطي عمان" والقفز من فوق "حل الدولتين"، والانخراط في مسار تطبيعي نشط مع عدد متزايد من الدول العربية، بوساطة إدارة ترامب، وبفعل ضغوطها، لتأتي جملة من الأحداث الهامة لتعمق شرخ هذه العلاقات، من بينها مسلسل التعديات المتكرر على مقتضيات "الرعاية الهاشمية" للمسجد الأقصى، وعرقلة زيارة ولي العهد الأردني للمسجد، مروراً بأزمات ثنائية لا حصر لها، لعل قضية "المياه" التي طلب الأردن شراء 8 ملايين متر مكعب منها، آخر نموذج على التردي الذي بلغته هذه العلاقات.

لكن مرة أخرى، ظلت السياسة الأردنية تتعامل مع ملف العلاقات الأردنية – الإسرائيلية بنفس الأدوات القديمة، حتى أن نتنياهو لم يتردد عن التصريح بالقول: إن ليس لعمان من خيارات سوى البقاء في فلك المعاهدة الأردنية-الإسرائيلية، وإن عمان تستفيد من هذه العلاقات بأكثر مما تستفيد إسرائيل.. لقد تولّدت القناعة لدى الإسرائيليين بأن مواقف الأردن "مضمونة"، وأنهم يستطيعون الاستمرار في تجاهل حساباته وحساسياته، دون خشية من "انقلاب المشهد"، تلكم مقاربة أضعفت قدرة الأردن على المناورة، وبددت إلى حد كبير، قيمة "الأوراق" التي يمتلكها في علاقته بإسرائيل.

وظن مسؤولون أردنيون، أن انتقال البيت الأبيض من إدارة ترامب إلى إدارة بايدن، سوف يعطيهم تلقائياً، مساحة أوسع لتجديد وتطوير دور إقليمي يليق بالأردن وإرثه وعلاقاته بالقضية الفلسطينية المحكومة بالتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، بيد أنهم فوجئوا في الأزمة الأخيرة، أن عواصم أخرى، هي من باتت محور الاتصالات الدولية الخاصة باحتواء المواجهة الدامية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بدلاً عنهم، فمع انتقال مركز ثقل القرار الفلسطيني من رام الله إلى غزة، وامتلاك حماس لقرار الحرب والسلم، بدا أن رئيس السلطة، حليف الأردن وفرس رهانه، "لا يُكَاتِبه" أحدٌ، وأن إسماعيل هنية، صار محور الاتصالات والمباشرة وغير المباشرة، الخاصة بالتهدئة وشروطها، فكان طبيعياً، أن تختطف الدوحة والقاهرة، دوراً كان يمكن لعمان أن تكون الأولى به، والأقدر عليه.

لقد استشعر الأردنيون تراجعاً لدور بلادهم في المسألة الفلسطينية، وأثار ذلك موجة من الخنق والغضب في وسائط التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام، وسجلوا انتقادات لمقاربة عمان "أحادية الجانب" في علاقاتها مع المكونات الفلسطينية، وتحديداً مع حماس، الأمر الذي ربما يكون حدا بمدير المخابرات الأردنية لإجراء اتصال هاتفي مطوّل مع رئيس مكتبها السياسي، ربما يكون الأول منذ سنوات طوال، في مسعى على ما يبدو، لتدارك ما يمكن إدراكه من تطورات وانقلابات في المشهد الفلسطيني الداخلي، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء.

مع أنه سبق لكاتب هذه السطور أن تلقى قبل أشهر، وتحديداً في السابع من يوليو العام الفائت، اتصالاً هاتفياً من إسماعيل هنية، عرض خلاله مواقف الحركة من ملفات المصالحة والحوار الفلسطينيين، وعرّج على علاقات حركته بالأردن، ولقد قمت بعد أخذ الإذن من "أبو العبد" بعرض مضمون الاتصال على المسؤولين الأردنيين، من دون أن أتلقى أي إجابة من أي نوع على طلب الرجل، فآثرت عرض المسألة على الرأي العام الأردني، في مقالة نُشرت في الدستور الأردنية في التاسع من الشهر ذاته، وبعنوان "ما الذي أخبرني به إسماعيل هنية؟"، واقتطف منها: "تثمن حماس عالياً الموقف الأردني، ملكاً وحكومة وشعباً حيال مشروع "الضم"، وهناك رغبة حمساوية في تعبيد الطرق لدور أردني أكثر فاعلية في موضوع "المصالحة"، لا توازيها سوى رغبة حماس في استئناف الاتصالات مع الأردن على المستوى السياسي، وليس المستوى الأمني الخفيض فقط ".. ما يضعنا مجدداً أمام أسئلة حول روح المبادرة في السياسة الخارجية الأردنية من جهة، وقيمة أن يُتخذ القرار المناسب في التوقيت المناسب، وليس بعد أن يندرج في باب "تحصيل حاصل".

ولأن المسألة الفلسطينية، كما يُجمع المسؤولون والرأي العام الأردني، قضية أردنية داخلية، وليست من مندرجات سياسته الخارجية فحسب، فقد اعتمدت عمّان في إدارتها لملف الأزمة الأخيرة على ما اشتهرت به خلال عقدين من الزمان: دبلوماسية الإغاثة والمستشفيات الميدانية، برغم شح موارد البلاد، وضيق ذات يدها.. أما المقاربة الثانية، فتجلت في إطلاق الحرية للرأي العام الأردني للتعبير عن غضبه حيال الاعتداءات الإسرائيلية على القدس وغزة، وتفادت إضافة سبب آخر، للأسباب الكثيرة التي تتسبب بتأزيم حالة الاحتقان الداخلي، وتفشي الانتقاد للسياسات الحكومية في مجالات شتى، وربما تكون في خلفية القرار رغبة حكومية في تعزيز موقعها ودورها، بالاستناد إلى الغليان الشعبي الذي عمّ الشوارع والمدن الأردنية.

والحقيقة أن للأردنيين أسباب كثيرة، تدفعهم للخروج عن بكرة أبيهم إلى الشوارع والميادين، والوصول إلى أقرب نقطة من جسر الملك حسين، إلى جانب السبب الرئيس المتمثل في روابط القربى مع الفلسطينيين، منها أنهم يردون الصاع صاعين لمحاولات التطاول على مصالح بلدهم وهويته وكيانيته، كما تجلت في "صفقة القرن" وذيولها وتداعياتها وتحالفاتها.. ومنها التعبير عن الغضب والرفض لسياسات الحكومة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والإداري، وانحباس مسار الإصلاح السياسي، فكانت الانتفاضة الفلسطينية، شرارة أيقظت في صدور الأردنيين الرغبة في ترديد صدى انتفاضة القدس.

لكن من سوء طالع الحكومة، أن سماحها بمختلف أشكال التعبير عن التضامن والغضب، جاء بنتائج عكسية لما توخته، فقد أظهر حجم "فجوة المواقف" بين الرسمي والشعبي، فالشعارات التي رفعها المتظاهرون وردد صداها أعضاء مجلس النواب، تركزت في غالبيتها على طرد السفير الإسرائيلي وإغلاق السفارة، وصولاً لإلغاء معاهدة السلام، مروراً بإلغاء اتفاقية الغاز مع إسرائيل.. وهي شعارات كان واضحاً أن الحكومة ليست بوارد الأخذ بأيٍ منها.. لكن في مطلق الأحول، فإن رفع الفيتو عن التظاهرات الشعبية الحاشدة، برغم جائحة كورونا، عمل على تبديد فرص الصدام المباشر مع الرأي العام الغاضب، والمقامرة بتحويل الصراع من صراع فلسطيني إسرائيلي إلى صدام بين الأردنيين وحكومتهم.

والخلاصة، فإن الارتباك الذي أظهرته الحكومة في إدارة ملف المواجهة الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يظهر الحاجة لوقفة مراجعة، عميقة وجوهرية، لأداء السياستين الداخلية والخارجية للبلاد، والنظر في تطوير بدائل للتعامل مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتطوير أدوات ومفاهيم جديدة للتعامل مع الظروف الجديدة الناشئة، إذ لا يكفي أن تتخذ موقفاً صائباً، بل أن تتخذه في التوقيت المناسب، وليس بعد فوات الأوان.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.