حرب كانت محسوبة ستتبعها انتخابات هي في جوهر الحسابات لدى كل الأطراف
حرب كانت محسوبة ستتبعها انتخابات هي في جوهر الحسابات لدى كل الأطراف

(..من شيد المباني وشق الطرق وحرث الأرض وزرعها في إسرائيل غير العرب الباقية في إسرائيل؟ 

فاالعرب الباقية - صبرا- فيما احتلته دولتنا من أرض، لم يجد أحمد الشقيري متسعا لها في ملفات خطبه الرنانة).  

تلح علي هذه الكلمات من رواية إميل حبيبي في خضم أحداث غرب النهر الأخيرة، إلى درجة دفعتني  للتنقيب في رفوف مكتبتي عن رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، فأعيد قراءتها، وإسقاط مشاهدها من زاوية مختلفة، في محاولة لفهم ما يجري في الداخل "الإسرائيلي- العربي" الخفي والغامض. 

إميل الذي ولد عربياً فلسطينياً تحت رعاية المندوب السامي البريطاني في حيفا، ربما كان يأمل أن يكون روائياً وأديباً مسرحياً، لكن لم يكن يعلم أنه سيكون إلى جانب ذلك مواطناً إسرائيلياً، ثم سياسياً  كعضو في كنيست الدولة التي تصغره سناً. 

المتشائل، التي تعتبر من ضمن الأعمال العالمية المائة الأكثر إبداعاً، حصدت أكبر عدد قراءات لدى الجمهور الإسرائيلي بعد ترجمتها إلى العبرية، ربما لاستفاضتها في التعبير عن كل مكنونات التناقضات الممكنة في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، ومنها يمكن تفسير التناقض الأغرب في تطورات حياة حبيبي غير المتوقعة، في أن نجوميته الأدبية في الداخل الإسرائيلي، لم تسطع  - خارج إطار النخب الثقافية-  في سماء الأدب العربي بين الأسماء اللامعة ( ومنهم من هم أقل منه إبداعا) لأنه ببساطة كان إسرائيلياً.  

أميل حبيبي، منحته دولة إسرائيل جائزتها للإبداع فكانت صورته وهو يستلمها تحمل ابتسامة غامضة على وجهه، ابتسامة تركت وراءها تفسيرات مختلفة. وحين مات حبيبي عام ١٩٩٦، وتم دفنه في حيفا حسب وصيته، كان مكتوبا على شاهد قبره ولا يزال حسب طلبه وتحت اسمه  وبلغته العربية: باق في حيفا. 

 كان هذا الإعلان على شاهد القبر، تفسير ابتسامته التي حيرت الجميع.  

يقول أميل حبيبي أيضا في واحدة من فقراتي المفضلة في "المتشائل" وبسخرية خرافية: 

(.. قلت إنك لم تحس بي أبداً ، ذلك أنك بليد الحس يا محترم . فكم من مرة التقيتَ اسمي في أمهات الصحف؟ ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في ساحة الحناطير (باريس حالياً ) يوم انفجار البطيخة ؟ كل عربي ساب في حيفا السفلى على الأثر حبسوه ، من راجل ومن راكب . وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حُبسوا سهواً ،.... وآخرين.  

...آخرون ؟ - هؤلاء أنا - . الصحف لا تسهو عني . فكيف تزعم أنك لم تسمع بي ؟). 

أميل حبيبي، لم يرحل، فأنتجت حالة بقائه في أرضه وحاصل جمع اشتباكاته هو وجيله من مواطنين عرب في دولة إسرائيل، أجيالاً  من "الآخرين"، ولدي أصدقاء كثر من هؤلاء "الآخرين" في إسرائيل أعرفهم وأتواصل معهم بود ومحبة وكثير من الفضول عندي لتفسير التباسات الحالة العربية في دولة إسرائيل. 

 من بينهم الصديقة مرام أبوقاعود، وصديقي أحمد تيم، وكذلك المحامي المناضل من أجل حقوق العدالة في المواطنة أمل عرابي. وأتخيل ما خطر في بال والديه العربيين من إسرائيل بتسميته "أمل". الآخرون..هؤلاء تحديدا هم من كنت أتذكرهم في نص حبيبي الساخر وأنا أراقب أحداث العنف والغضب المتفجر في اللد، وحيفا والحواضر العربية والمختلطة في "دولة إسرائيل". 

-- 

جنوب يافا بقليل، هناك مدينة اسمها بيت دجن، وصار اسمها بعد عام ١٩٤٨ "دجان" بالجيم المصرية، كانت قرية فلسطينية مسيحية بالكامل، وهي اليوم مدينة إسرائيلية "مختلطة" يسكنها أغلبية يهودية وقلة قليلة من العرب. 

من بين هؤلاء القلة القليلة، مواطنة إسرائيلية - عربية اسمها مرام أبوقاعود، وهي فنانة موسيقى ومغنية في الطرب الأصيل، درست الموسيقى مؤخرا، وقد درست قبلها بسنوات الصيدلة وتعمل كصيدلانية في المدينة. 

السيدة مرام، تملك صوتا جميلا، وأنا أعرفها منذ سنوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتابعت أعمالها الفنية ومنها ما كان أعمالا فنية لها حصرا، وكنت أعرف دوما إجابتي على تساؤلي: لماذا لا يعرف عن هذه الفنانة أحد في عالمنا العربي؟ 

الجواب ببساطة: هي من عرب ٤٨. المواطنون العرب في دولة إسرائيل، فلسطينيو الداخل، عرب الخط الأخضر، وكثير من التسميات التي حاولت بيأس تنميط هوية ذلك الفلسطيني الذي لم يغادر أرضه بعد إعلان الدولة في إسرائيل عام ١٩٤٨. 

لكن يخطئ من يعتقد أن مأساة سيدة مثل السيدة مرام هي في "حظوظها الفنية " المعلقة على ذمة مواطنة غير مكتملة الأهلية وهوية مشكوك بفلسطينيتها! 

السيدة مرام، مثل كثير من الأمهات في غرب النهر وشرقه وشماله وجنوبه والعالم كله في عصر ثورة المعلومات، هي عضو في مجموعات "واتس أب" للأمهات أولياء أمور الأطفال في المدارس، ومرام أبوقاعود الأم، تشارك مجموعة من تلك المجموعات في مدينتها، وكلهن بما فيهن مرام مواطنات إسرائيليات، وكلهن ما عدا مرام، من اليهود. 

اشتعلت الأحداث في القدس، ولم يكن مفاجئا الرد المسلح من غزة ضمن روتين الرد والرد المتبادل بين إسرائيل وحماس منذ سنوات. 

المفاجئ هذه المرة لإسرائيل نفسها كان انتفاضة مواطني الدولة العرب في المدن المختلطة والحواضر العربية. 

كان "العربي المنيح" هذه المرة قد فاض به القهر فانفجر غضبا،  ليتحول فورا في أدبيات شريكه في المواطنة الإسرائيلية إلى "عربي ميت" كما تقول لي مرام. 

في مجموعة الواتس أب المعنية بالأمهات وشؤون أطفالهن الدراسية، صارت الحوارات عن العرب الذين يجب تذكيرهم بما حدث لأجدادهم من فظائع قبل ٧٣ سنة!! مرام قرأت بالعبرية التي تتقنها تماما مثل العربية ولم تشارك، فالموقف مخيف، وهناك استهداف للعرب المعزولين في تجمعات سكنية. 

لكن القهر والغضب انفجر في دولة إسرائيل، والعرب انتفضوا في مظاهرات عنف استهدفت ديمقراطية الدولة نفسها، ليكتشف العالم أن إسرائيل ليست ديمقراطية كما تدعي، وأن المواطنة فيها تخضع لتصنيفات عرقية ودينية ومفروزة على الهوية! 

إن ما حدث داخل حدود دولة إسرائيل هو المدهش والمفاجئ والجديد والصادم في كل ما حدث منذ تفجر الموقف في حي الشيخ جراح في مدينة القدس. 

-- 

يلفت انتباهي فيديو لشاب يتحدث بالعبرية، وتمت ترجمة الفيديو إلى العربية، الشاب يخاطب الجمهور الإسرائيلي بانفعال لكن بثبات، وبوعي مدجج بالمعرفة القانونية والسياسية، الشاب محامي إسرائيلي اسمه أمل عرابي.  

لم يهدأ فضولي إلا بعد أن تواصلت مع الأستاذ أمل، وكان حوارنا على مدى ساعة ونصف ممتلئا بالدهشة التي غمرتني وأنا أتعلم عن "الآخرين". 

يتحدث بعربية طلقة لا سوء فيها وبعامية فلسطينية مكتنزة rبالوعي المعرفي والثقة السياسية. 

حدثني عن هويته العربية كإسرائيلي يناضل لأجل تثبيتها، يحتج مثلا على أنه قدم الثانوية العامة الإسرائيلية مثل غيره ليمتحنوه عن تاريخ المحرقة النازية، هو لا ينكرها، لكنه يريد أن يمتحنوه هو والجميع بتاريخهم المحلي أيضا في تلك الجغرافيا التي يعتبرها وطنه، (هذا لا يتعارض مع الدولة وديمقراطيتها) يقول لي! 

(..هذا التضييق على الهوية وثقافتها قصر ممارسة المواطن العربي هويته على الرموز) يضيف، ولأول مرة أتعلم اصطلاحا ذكيا موضع التنفيذ مثل "ممارسة الهوية" فشكرا للمحامي الإسرائيلي العربي الشاب. 

يقول محتجا في ذات السياق إنه خريج جامعة حيفا، ودرس باللغة العبرية لأنها لغة الدولة، ولا يحتج على ذلك، لكنه يتأسف أن رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة بروفسور إسرائيلي غير عربي! 

تحدث كثيرا وتواعدنا على حديث أكثر بمحاور عديدة، سأوردها في سياقات جديدة لمقالات قادمة. 

باختصار ، كان فهمه لإسرائيل، أكثر عمقا ووعيا من كل أدعياء النضال الفلسطيني الذي تم تعليبه في علبة السلطة في رام الله، هؤلاء "المخاتير" في نص حبيبي، وليس "الآخرون" الذين لم يرحلوا. 

-- 

من ضمن المتابعات التي تصلني من أصدقائي العرب في إسرائيل طوال تلك الفترة، كان فيديو لعضو الكنيست السياسي العربي أحمد الطيبي. المشهد في استوديو محطة إسرائيلية ناطقة بالعبرية، والطاولة مكتظة بالمحاورين، منهم وزراء ونواب في الكنيست، وسياسيين وصحفيين وضابط جيش برتبة كبيرة وأحمد الطيبي. 

حين بدأ أحمد الطيبي يتحدث منتقدا الدولة التي يحمل مواطنتها وعضوية برلمانها، ويدافع عن الحق الفلسطيني بتوازن وحسم وحزم، صدرت عن وزيرة إسرائيلية بجواره ضحكة ساخرة، فقطع حديثه وعنفها بكلام قاسي محتجا على ضحكتها ولم يتوقف إلا وقد اعتذرت بشدة ووصفت موقفها بغير اللائق. 

أنا بدوري ضحكت، لكن من تداعيات ما بعد المشهد حين تخيلت أكبر مسؤول في معلبات سلطة رام الله إن كان يملك أدنى استطاعة تمكنه من معاتبة "عسكري" إسرائيلي على أي حاجز أمني. 

أحمد الطيبي، باق مثل سلفه حبيبي، ومرام كذلك، وأمل وتيم، وغيرهم كثير. وهم من قلب الطاولة في المعادلة كلها، هم المعادلة الجديدة التي ستبدأ برسم نفسها في قادم الأيام في عملية فك لشرق أوسط قديم بكل مفرداته ومعطياته وأولها المصالح النفطية وتحالفاتها، وتركيب شرق المتوسط المختلف نوعيا بكل تحالفاته ومعطياته وأولها غاز المتوسط. 

نتنياهو ويمينه المتطرف، لا تنقذه إلا الحروب والدم والنيران، يتغذى المتطرفون أصلا على النار التي تشتعل ويتوهجون هم بتطرفهم، وأنا مع احترامي لكل العاطفة الجياشة التي تعصف بالعالم العربي فلا أتردد أن أقف موقفا مختلفا مثلي مثل غيري ممن آثروا الصمت. 

تلك حرب كانت محسوبة، سبقتها وستتبعها انتخابات هي في جوهر الحسابات لدى كل الأطراف. 

ما سقط سهواً من الحساب هم "الآخرون"، هؤلاء الذين ذكرتهم الصحيفة كمنسيين في خبر الجريدة عن "الإنفجار"، هؤلاء المتفجرون كحالة وعي ذاتي تأخرت كثيرا منذ عام ١٩٤٨، منذ تأسست إسرائيل التي قدمت أوراق اعتمادها للعالم كدولة ديمقراطية علمانية تحتضن تحت مظلة مواطنتها الجميع بلا استثناء ولا إقصاء (بكل الآخرين فيها كمواطنين على مسطرة القانون والمساواة)، لتنتهي اليوم بيمين يتحكم بمزاج عام إسرائيلي يطالب بيهودية الدولة بل وتوسعتها بالضم والقضم والاستيطان وحلول الترانسفير القسري. 

إن الذي أنزل نتنياهو عن الشجرة هم هؤلاء تحديدا، "الآخرون" الذين لم نفهمهم يوما، ولم يفهمهم شركاؤهم في المواطنة وكانوا يخوضون جيلا بعد جيل بالتواتر والتوارث صراعا صامتا هو فعليا صراع الوجود الحقيقي وإثباته بصيغة "باقون في البلاد" في سعي لاستكمال أهلية مواطنتهم. لكن صوتهم ارتفع اليوم، صوت سيرتفع أكثر ويهز المزاج العام المتطرف في إسرائيل أكثر من أي مرة سبقت، ربما- نقول ربما- ليدفن حل الدولتين في فكرة "الدولة". 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.