غارات إسرائيلة باتجاه غزة ردا على صواريخ حماس
غارات إسرائيلة باتجاه غزة ردا على صواريخ حماس

كما هو متوقع، ولّد العنف الأخير في الشرق الأوسط عددا كبيرا من النظريات حول أسباب تجدد الأعمال العدائية بين إسرائيل وغزة. استقرت الحكمة التقليدية على فكرة أن الصراع كان مدفوعا بخلافات إسرائيلية فلسطينية جديدة حول أشياء مثل منع الوصول إلى أجزاء من القدس، فضلا عن قرارات المحاكم الإسرائيلية المثيرة للجدل المتعلقة بملكية العرب الإسرائيليين. ومع ذلك، تم التغاضي إلى حد كبير عن حقيقة أن قرار حماس بشن حرب صاروخية جديدة ضد الدولة اليهودية كان له أيضا علاقة كبيرة بعامل محلي: السياسة الفلسطينية الداخلية.

هنا، من المفيد أن نتذكر أن القتال جاء في أعقاب قرار السلطة الفلسطينية إلغاء انتخابات السلطة المخطط لها. في يناير الماضي، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي يسعى إلى استعادة أهميته السياسية في أعقاب اتفاقات إبراهيم، العام الماضي، والاستجابة لإشارات مختلطة من إدارة بايدن الجديدة، أن الانتخابات على المستويين التشريعي والرئاسي ستجرى في شهر مايو.

ومع ذلك، سرعان ما أصبح واضحا أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تنتهي بعواقب سياسية مدمرة، بالنسبة لعباس نفسه أكثر من أي شيء آخر. بعد سنوات من سوء الحكم، كانت نسبة الرضا عن عباس وحركة "فتح" التي يتزعمها بائسة. أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، في مارس 2019، وهو مجموعة استطلاع فلسطينية، أن الثقة في عباس كانت أقل من 12 في المئة. (في استطلاع للرأي أجرته الشركة ذاتها، في أبريل 2021، كان الوضع أفضل هامشيا: 14.5 في المئة). تتراوح الشكاوى ضد عباس والمقربين منه، بين مزاعم الفساد المستشري إلى التعامل السيئ مع جائحة فيروس كورونا مؤخرا.

مهما كانت الأسباب، فإن هذا الاستياء خلق الظروف لبيئة سياسية شديدة التقلب. قدّر استطلاع حديث آخر، أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن "فتح" ستظل تؤمّن أعلى مستوى من الدعم (43 في المئة من الناخبين المحتملين) في انتخابات مايو المزمع إجراؤها، لكنه أشار إلى أن ترتيب "فتح" سيتبعه ترتيب حماس (30 في المئة). ومع تصنيف ما يقرب من خُمس (18 في المئة) من الناخبين الفلسطينيين المحتملين على أنهم "مترددون"، كان احتمال حدوث اضطراب انتخابي مرتفعا.

هذا التقلب هو بالضبط السبب الذي دفع عباس في نهاية المطاف، في أواخر أبريل، إلى تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. كان هذا الخيار منطقيا استراتيجيا للحاكم المطلق المسن، لكنه ترك حماس بدون صوت أقوى في السياسة الفلسطينية، وهو الشيء الذي كانت في طريقها للحصول عليه، ولا عجب أن تنتقد الحركة القرار، واصفة إياه بأنه "انقلاب" لعباس لإنكار إرادة الشعب الفلسطيني.

بدون هذه الفرصة الانتخابية، كانت حماس حريصة على إثبات حسن نيتها للفلسطينيين العاديين. وعندما اندلعت الاضطرابات الداخلية في إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر، رأى التنظيم انفتاحا واضحا. أدى الصراع الذي استمر 11 يوما والذي أطلقت خلاله حماس أكثر من أربعة آلاف صاروخ على التجمعات السكانية المدنية الإسرائيلية، إلى قيام الحركة الإسلامية باستخدام نبرة أيديولوجية مطلقة.

يحيى السنوار، الزعيم السياسي للحركة، قال في تصريحات نقلتها وكالة شهاب للأنباء المرتبطة بحماس: "لقد انتهى الوقت الذي أمضته حماس في مناقشة الاعتراف بإسرائيل. إن حماس ستبحث الآن في متى سنقضي على إسرائيل". وقال: "لا أحد في الكون يستطيع أن ينزع سلاحنا. على العكس من ذلك، سوف نستمر في امتلاك القوة لحماية مواطنينا".

كان ذلك يمثل انعكاسا ملحوظا. في عام 2018، أشار السنوار، الذي كان حينها في ولايته الأولى كرئيس المكتب السيسي لحركة حماس، إلى أن الجماعة كانت مستعدة لهدنة مع إسرائيل، ورأى أن حربا أخرى في غزة "بالتأكيد ليست في مصلحتنا". الآن، قيادة حماس حسبت أنه من خلال الأعمال العدائية، يمكنهم التفوق، ليس ضد إسرائيل (التي لا تزال متفوقة عسكريا) ولكن ضد خصومهم المحليين في فتح. بعبارة أخرى، رأت حماس في الصراع محاولة واضحة لكسب "قلوب وعقول" الفلسطينيين في الضفة الغربية، فضلا عن تعاطف السكان العرب في إسرائيل.

فقط الوقت سيحدد ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ناجحة. الآن وقد انتهت جولة القتال الحالية (دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 21 مايو)، عاد قدر ضئيل من الهدوء إلى المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية المستمرة منذ فترة طويلة. لكن من الواضح بالفعل أنه في الأراضي الفلسطينية، كان لمغامرة حماس تأثير عميق على صورة الجماعة ومكانتها. ما قد يعنيه ذلك، بالنسبة للحكم الفلسطيني وللتوجه الأكبر للسياسة الفلسطينية، سوف يتضح في الأسابيع والأشهر المقبلة.

 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.