تشغل المسألة/ القضية الفلسطينية حيّزا لا يُستهان به من وجدان الشارع العربي/ الإسلامي؛ نتيجة لمؤثرات عديدة، تراكم بعضها على مدى تاريخين: قصير وطويل، وكان لكثير منها دور في تعطيبها بمزيد من الالتباس والتعقيد. هي مؤثرات مختلفة قدر اختلاف ظروفها الأولية، ولكنها في النهاية تلتقي عند محور حاسم مداره على إحساس شامل وعميق بتعرض الشرف العام للانتهاك في صورة احتلال عسكري مباشر لبقعة تقع في قلب الجسد الجغرافي للذات. وبصرف النظر عن كون هذا المحور طبيعي في تشكله، أو مصنوع على ضوء إرادات سياسية ارتأت في يوما ما أن تستفيد منه، فهو الآن أصبح واقعا فاعلا في توجيه مسارات الوجدان، ومن ثم لتحديد خيارات الواقع.
علي أي حال، ارتفعت القيمة الرمزية لهذه القضية بفعل هذه المؤثرات؛ لتكون أم القضايا العامة في المخيال الجمعي. وهذا ما جعلها مطمعا للاستثمار السياسي والثقافي، بل والمادي/ الاقتصادي المباشر في كثير من الأحيان. وارتفاع وتيرة هذا الاستثمار الانتهازي بكل تنويعاته، مضافا إليه اشتغال الصادقين المخلصين أيضا، كل ذلك أصبح يُرَاكِم القيمة الرمزية؛ مما يُغري أكثر فأكثر بمزيد من الاستغلال.
ويستمر هذا التفاعل الجدلي بين تصاعد عمليات الاستثمار من جهة، وارتفاع القيمة الرمزية من جهة أخرى؛ لتتحول القضية في كثير من مستوياتها إلى قضية متعالية/ ما فوق طبيعية، بحيث أصبح من المستحيل التعامل معها في حدود وجودها الطبيعي.
هذا التعالي الذي تخلل القضية في كثير من مستوياتها، أسهم ـ على عكس المتوقع ـ في إفشال كل محاولات حلها؛ بصرف النظر عن نجاعة وعدالة تلك الحلول. فمنذ البداية كان هذا التعالي الذي ربطها بالمُطلق على مستوى الاستحقاق الذاتي، هو المسهم الأساس في تغبيش الواقع لكثير من الفاعلين العرب عام 1948مـ، إذ إن كونها قضية حق مطلق تجرّد من شروط الواقع، لم يجعلها مَحلَّ إجماعٍ وهمي/ إجماع مفترض؛ على مستوى هذا التعالي فحسب، وإنما قلل من أهمية الاشتغال الواقعي/ العلمي الجاد؛ على اعتبار أنها حاضرة كحق مطلق، وبالتالي، حق واضح أشد ما يكون الوضوح. ما يعني في النهاية ـ وفق رؤية الذات المتوهمة ـ استحالة تعرّض هذا الحق للانتهاك؛ مهما كانت الظروف، أي بقاؤه كحق مستحق؛ مهما كان مستوى التراخي في إيضاحه وتأكيده والذود عنه في حَلَبَات النضال.
ولقد فَاقَمَ من دور هذا التعالي في تأزيم القضية أنه كان نوعا من "التعالي الخاص"؛ رغم تصاعد حِدّة التفاعل معه على مستوى الجدليات الذاتية، ورغم كل الصخب الإعلامي الادّعائي الذي رافق هذا التفاعل. أقصد أن مسيرة هذا الجدل/ التفاعل (الذي يرفع من حِدّة هذه القضية لتكون قضية متعالية)، لم يتعدَّ حدودَ الذات. والذات هنا هي طرف واحد من ثلاثة أطراف، لا يمكن حل القضية بمعزل عنها جميعا. فإسرائيل؛ كطرف ثانٍ، والمجتمع الدولي برأيه العام الملزم أدبيا، وبمؤسساته القانونية المؤطرة للتفاعلات السياسية العالمية؛ كطرف ثالث، لم يتقاطعا مع ذلك التفاعل الجدلي المنتهي بتعالي القضية، ولا حتى في حدوده الدنيا. ما يشي بأن الذات كانت تسير ـ على الأقل في حدود هذا المستوى من التعالي ـ بمعزل عن الأطراف الأخرى التي جعلت من القضية قضية إشكالية في الأساس؛ حتى لَيتحوّل هذا الانعزال/ الانكفاء إلى حالة من حديث الذات إلى الذات؛ لإقناع الذات بقُدسيّة حقوق الذات.
ليس كل هذا مُهِما في حدوده. المهم ما وراء ذلك: لم تصبح القضية الفلسطينية قضية متعالية، ولم يَتحوّل الحق فيها ـ بكل تفاصيله وبكل الأبعاد الإجرائية لتمثله ـ إلى حق مطلق فحسب، بل أصبح كل طرف من أطراف الذات يتعامل مع هذه القضية من منطق التعالي بفعله، المتماهي بتعالي القضية ذاتها، وبادعاء الحق المطلق لرؤيته فيها؛ كنوع من تماهي هذا الادعاء الإطلاقي بأصل قضية هي ـ وبالادعاء أيضا ـ مطلق الحق.
هنا، تنشأ حالة استقطاب حاد؛ لا مجال فيها للنسبيات، وبالتالي، لا مجال فيها للتفكير أساسا. كل فريق، كل طرف، بل كل فرد، يرى أن رأيه في القضية برمتها "رأي مُتعالٍ" و "حَقٌّ مطلق". وطبعا، حين يكون كذلك، فإن أي خلاف ـ ولو على المستوى الجزئي أو التكتيكي ـ مع هذا التعالي وذاك الإطلاق، يصبح خيانة مكتملة الأركان، خيانة تتعالى عن تفاصيل الواقع المتغير(وهنا تكتسب صفة التعالي)، كما هي خيانة صريحة تنتهك على سبيل الجزم حقا واضحا/ كاملا؛ لا يجوز أن تتعدد فيه الآراء (وهنا تكتسب صفة الإطلاق).
إذن، ثمة تمجيد بلا حدود (وإن لم يكن على مستوى من الصراحة الكاملة في كل الأحيان)، وثمة ـ بالمقابل ـ تخوين بلا حدود أيضا. كل طرف، بل كل فرد يُمجّد ذاته/ يُمجّد أراءه، يُمجّد رؤيته لأصل القضية ولكيفية التعاطي معها، مقابل تخوين ـ صريح أو مضمر ـ لكل من يختلف معه في صغير أو كبير في تصوّر القضية وفي اجتراح حلولها. ويَتَنزّل هذا الاستقطاب الحاد: التمجيدي التخويني إلى كل تفاصيل الرؤية وإلى كل تفاصيل الإجراءات العملية؛ حتى ليصبح المناضل المقدس عند طرف ما، هو الخائن الملعون المنبوذ عند الطرف الآخر، والعكس صحيح.
تتضح الصورة بتنزيلها على كل مفصل من مفاصل هذا الصراع، إذ تجد كل فريق يمجد الرؤى الخاصة به، فيما يرى الخيانة ـ عن قناعة أو عن ادعاء ـ في موقف الطرف الآخر. وهنا، الأسئلة الاستقطابية مُشرعة على الدوام: مَن المناضل ؟ ومَن الخائن ؟ وفي النهاية: مَن يملك حق الحكم لهذا أو الحكم على ذاك ؟
مَن يرمي الحجرَ أو حتى المقذوف الناري على العدو لتأكيد استمرارية النضال؛ فيرد العدو بما هو أقسى وأنكى، وربما بدمار هائل وقتلى بالمئات، مقابل مَن يكفّ عن ذلك، ويرى في هذا "النضال" استفزازا لعدو متمكن في معركة غير متكافئة. مَن استخفَّ بِمَن يُقدّم روحه في ساحة "نضال مقدس"، وربما وصل به الأمر إلى تجريمه بالنظر إلى الانعكاسات المباشرة لفعله، مقابل: مَن عبّر عن غضبه بـ"نضال مقدس" جاد فيه بروحه، ولكن تسبّب في قتل العشرات أو المئات على يد العدو. ومرة أخرى: مَن المناضل، ومَن الخائن هنا ؟
وكما هو متوقع، تتجاوز حدودُ هذا الاستقطاب الداخلَ الفلسطيني إلى الداعم العربي والإسلامي (بل وإلى المتفرج العربي والإسلامي !)، خاصة في ظل الغياب التام ـ في الوعي العام ـ للحدود الفاصلة بين النضال المشروع، كما النضال الذكي/ المثمر من جهة، والنضال اللاّمشروع، كما النضال المتهور الجاني على الذات من جهة أخرى. ففي حال لا غياب القيادة الموحّدة للفلسطينيين، ولا غياب الموقف العربي/ الإسلامي الموحد، لا يستطيع أحد أن يرسم الحدود الفاصلة بين ما هو نضال مشروع مثمر من جهة، وما هو عبث وتهوّر واستخفاف بأرواح الأبرياء من جهة أخرى؛ إلا على سبيل الادعاء الخاص بطرف دون بقية الأطراف.
وفي سياق يتداخل فيه العملي مع الأخلاقي، تتسع هوة الاختلاف بين طرفي نقيض: فإذا كان هناك من يرى الصراع المسلح/ العنيف طريقا أمثلَ في النضال؛ ففي المقابل، هناك من يرى الصراع السلمي/ اللاّعنف طريقا أمثلَ في النضال، خاصة في ظل التباين الشديد في موازين القوى.
ولا شك أن طرح أحد الخيارين ينفي ـ بالضرورة ـ الخيارَ الآخر عمليا. فإذا كان مُمَثّلو الخيار المسلح يرون أن "الحق" صار من نتائج "القوة"؛ وليس العكس، وبالتالي، أصبحت لغة القوة هي وحدها المفهومة، فيما الخيار المضاد يعكس تخاذلا، وربما خيانة، فإن ممثلي الخيار السلمي يرون في "اللاّعنف" أنجع الخيارات، سواء من حيث مردوده العملي على القضية، أو من حيث دوره في حقن دماء الشعب الفلسطيني، ويرون ـ بالمقابل ـ أن خيار ممثلي العنف يتجاوز كونه خيارا متاحا لفصيل نضالي، إلى كونه عملا متعديا، يمس واقعهم جميعا، من حيث هو ـ في الصورة العامة ـ يُشَيْطِنُهم جميعا في نظر كثيرين على مستوى الرأي العام الدولي.
هكذا تبدو وجهات النظر مختلفة جدا، لاختلاف زوايا الرؤية، وليس بالضرورة لخيانة هذا الفريق أو استهانة ذاك الفريق بدماء الأبرياء. وهو اختلاف طبيعي، وكان من المفترض أن يبقى في حدود الطبيعي، سواء عند الفاعلين الأساسيين من الفلسطينيين أو عند الفاعلين الثانويين من الداعمين (أو حتى من المتفرجين)؛ لولا حِدّة الاستقطاب الذي سبق إيضاح بعض سياقاته. ويزيد من طبيعيته هذا الاختلاف كونه في البداية والنهاية يعكس مُعاينة "حالة سياسية"، ويتجاوز به كثيرا حدّه الطبيعي عند الفاعلين وعند الداعمين عدم الاعتراف ـ بوعي أو بلا وعي ـ بالطبيعة السياسية للمشكلة من أساسها، هذه الطبيعة التي تعني ـ في أبسط ما تعني ـ ارتباط المشكلة بتفاصيل وأبعادٍ وتوازنات قد لا تكون متاحة للجميع، وحتى ما هو متاح منها، تقف الخلفيات الثقافية والسياسية، بل والمصلحية الفردية أو الجمعية، فضلا عن تجاذبات العاطفي/ الوجداني، دون الوعي به في مستوى تحقّقه الموضوعي.
واضح إذن أن القضية الفلسطينية ليست أحادية البعد، حتى في شقها السياسي الخالص. ففي كثيرة مساراتها تشتبك ـ بشكل مباشر أو غير مباشر، صريح أو مضمر ـ مع قضايا وصراعات إقليمية، وربما دولية أحيانا. وإدراك كثير من الفاعلين الفلسطينيين لهذا الاشتباك ليس إدراكا في مستوى واحد، ما يعني الاختلاف الكبير في الموازنات بين خيارات الداخل والخارج، التي تتغيا في النهاية المصلحة الفلسطينية. وهذا عند جميع الأطراف على سبيل الافتراض المبدئي الذي لا تنقضه ثنائية: التمجيد والتخوين.
أخيرا، وفي كل الأحوال، لا بد من مَوْضَعة رُؤيتنا لهذه القضية في سياق المشروعية العالمية/ الدولية. لا أقول بضرورة التطابق التام مع هذه المشروعية (التي ليس لها في النهاية طابع الثبات التام)، ولا الاستسلام لها كطرف منفعل بها؛ دونما استجابة تفاعلية مؤثرة فيها، ولكن أقول بضرورة عدم الخروج عليها في كل الأحوال، وأيّا ما كانت مُغْريات ومُبرّرات هذا الخروج الذي يدفع إليه مَن لا يعي أبجديات العمل السياسي في العصر الحديث.

